-
عرض كامل الموضوع : محمود درويش.........
أيها المارون بين الكلمات العابرة..
احملوا أسماءكم، وانصرفوا
واسحبوا ساعاتكم من وقتنا، وانصرفوا
واسرقوا ما شئتم من زرقة البحر ورمل الذاكرة..
وخذوا ما شئتم من صورٍ، كي تعرفوا
أنكم لن تعرفوا
كيف يبني حجرٌ من أرضنا سقف السماء...
أيها المارون بين الكلمات العابرة..
منكم السيف.. ومنا دمنا
منكم الفولاذ والنار.. ومنا لحمنا
منكم دبابةٌ أخرى.. ومنا حجر
منكم قنبلة الغاز.. ومنا المطر
وعلينا ما عليكم من سماءٍ وهواء
فخذوا حصتكم من دمنا، وانصرفوا
وادخلوا حفل عشاء راقص.. وانصرفوا
وعلينا، نحن، أن نحرس ورد الشهداء..
وعلينا، نحن، أن نحيا كما نشاء!!
أيها المارون بين الكلمات العابرة..
كالغبار المرّ، مرّوا أينما شئتم ولكن
لا تمروا بيننا كالحشرات الطائرة
خلنا في أرضنا ما نعملُ
ولنا قمحٌ نربيه ونسقيه ندى أجسادنا
ولنا ما ليس يرضيكم هنا:
حجرٌ.. أو خجلُ
فخذوا الماضي، إذا شئتم إلى سوق التحف
وأعيدوا الهيكل العظميّ للهدهد، إن شئتم،
على صحن خزف..
فلنا ما ليس يرضيكم: لنا المستقبلُ
ولنا في أرضنا ما نعملُ...
أيها المارون بين الكلمات العابرة..
كدسوا أوهامكم في حفرةٍ مهجورةٍ، وانصرفوا
وأعيدوا عقرب الوقت إلى شرعية العجل المقدس
أو إلى توقيت موسيقى مسدس!
فلنا ما ليس يرضيكم هنا، فانصرفوا
ولنا ما ليس فيكم: وطن ينزف شعبا ينزف
وطناً يصلح للنسيان أو للذاكرة..
أيها المارون بين الكلمات العابرة،
آن أن تنصرفوا..
وتقيموا أينما شئتم، ولكن لا تقيموا بيننا
آن أن تنصرفوا..
ولتموتوا أينما شئتم، ولكن لا تموتوا بيننا
فلنا في أرضنا ما نعملُ
ولنا الماضي هنا
ولنا صوت الحياة الأول
ولنا الحاضرُ، والحاضر، والمستقبل
ولنا الدنيا هنا..
والآخرة.
فاخرجوا من أرضنا..
من برنا.. من بحرنا..
من قمحنا.. من ملحنا.. من جرحنا
من كلّ شيء،
واخرجوا..
من ذكريات الذاكرة
أيها المارون بين الكلمات العابرة...
وخذوا ما شئتم من صورٍ، كي تعرفوا
أنكم لن تعرفوا
كيف يبني حجرٌ من أرضنا سقف السماء...
الله، ما أجمل كلام محمود درويش
MIKELEROI
12/12/2003, 04:00
شو برأيكم لسا بيني حجر من أرضنا سقف السما؟!
والله طالما في عالم
بدا تحاكم الشمس وتعدمها
ما رح نبني لا سقف السما ولا الأرض اللي بدنا نمشي عليها
ماهيك أبو فريزو
أنا ارى غير وجهة نظر يا خالد...
طالما في عنا حدا بيحاول أنو ياخد حجرة ويحاول ويفكر معها فهو اكيد رح يوصل...
أنا متأكد...
لا تعتذر عما فعلت، هو اسم المجموعة الشعرية الجديدة للشاعر الفلسطيني محمود درويش...
يقع الكتاب في 165 صفحة، من منشورات دار رياض الريس...
يحوي الكتاب على مجموعة من القصائد ذات الحجم الصغير، وهذا جزء من قصيدته:(في القدس):
أمشي كـأنّي واحدٌ غيري. وجرحي وردةٌ
بيضاء إنجيليّةٌ. ويداي مثل حمامتينِ
على الصليب تحلقان وتحملان الأرضَ.
لا أمشي، أطيرُ، أصير غيري في
التجلّي. لا مكان ولا زمان. فمن أنا؟
أنا لا أنا في حضرة المعراج. لكنّي
أفكّر: وحدَه كان النبيّ محمّدٌ
يتكلم العربية الفصحى. وماذا بعد؟
ماذا بعد؟ صاحت فجأة جنديّةٌ:
هو أنتَ ثانيةً؟ ألم أقتلكَ؟؟
قلتُ: قتلتني... ونسيتُ، مثلك، أن أموت...ِ
سلام على من يشاطرني الانتباه إلى
نشوة الضوء.. ضوء الفراشةِ .. في
ليل هذا النفق !!
السلام كلام المسافر في نفسه
للمسافر في الجهة الثانية..
السلام حمام غريبين يقتسمان الهديلَ
الأخيرَ، على حافة الهاوية...
السلام حنين عدوين، كلّ على حدةٍ
للتثاؤب فوق رصيف الضجر..
السلام أنين محبين يغتسلان، بضوء القمر..
السلام اعتذار القوي لمن هو
أضعف منه سلاحاً، وأقوى مدى..
السلام انكسار السيوف أمام الجمال
الطبيعيّ، حيث لا يفلّ الحديد الندى..
السلام نهارٌ أليفٌ، لطيفٌ، خفيفُ
الخطى، لا يعادي أحد..
السلام قطارٌ يوحّد سكانه العائدين
أو الذاهبين إلى نزهةٍ في ضواحي الأبد...
السلام هو الاعتراف، علانية، بالحقيقة:
ماذا صنعتم بطيف القتيل؟
السلام هو الانصراف إلى عملٍ في الحديقة:
ماذا سنزرع عما قليل؟؟
السلام هو الانتباه إلى الجاذبية في
مقلتي ثعلبٍ تغويان الغريزة في امرأةٍ خائفة..
السلام هو الآه تسند مرتفعاتِ
الموشح، في قلب غيتارة نازفة...
السلام رئاء فتى ثقبت قلبه شامةُ
امرأةٍ، لا رصاصٌ ولا قنبلة..
السلام غناء حياة هنا، في الحياة،
على وتر السنبلة
محمود درويش 2002
hashtnasht
29/06/2004, 03:05
أمل
ما زال في صحونكم بقية من العسل
ردوا الذباب عن صحونكم
لتحفظوا العسل
ما زال في كرومكم عناقيد من العنب
ردوا بنات آوى
يا حارسي الكروم
لينضج العنب
ما زال في بيوتكم حصيرة . . وباب
سدوا طريق الريح عن صغاركم
ليرقد الأطفال
الريح برد قاس . . فلتغلقوا الأبواب
ما زال في قلوبكم دماء
لا تسفحوها أيها الآباء
فإن في أحشائكم جنين
ما زال في موقدكم حطب
وقهوة . . وحزمة من اللهب
عن إنسان
وضعوا على فمه السلاسل
ربطوا يديه بصخرة الموتى،
وقالوا: أنت قاتل
أخذوا طعامه، والملابس، والبيارق
ورموه في زنزانة الموتى،
وقالوا : أنت سارق!
طردوه من كل المرافئ
أخذوا حبيبته الصغيرة،
ثم قالوا: أنت لاجئ!
يا دامي العينين، والكفين!
إن الليل زائل
لا غرفة التوقيف باقيةٌ
ولا زرد السلاسل!
نيرون مات، ولم تمت روما...
بعينيها تقاتل!
وحبوب سنبلةٍ تموت
ستملأ الوادي سنابل... !
أجمل حب
كما ينبت العشب بين مفاصل صخرة
وجدنا غريبين يوما
وكانت سماء الربيع تؤلف نجماً... ونجما
وكنت أؤلف فقرة حب...
لعينيك... غنيتها!
أتعلم عيناك أني انتظرت طويلا
كما انتظر الصيف طائر
ونمت... كنوم المهاجر
فعينٌ تنام، لتصحو عين... طويلا
وتبكي على أختها،
حبيبان نحن، إلى أن ينام القمر
ونعلم أن العناق، وأن القبل
طعام ليالي الغزل
وأن الصباح ينادي خطاي لكي تستمر
على الدرب يوماً جديداً!
صديقان نحن، فسيري بقربي كفاً بكف
معاً، نصنع الخبز والأغنيات
لماذا نسائل هذا الطريق... لأي مصير
يسير بنا؟
ومن أين لملم أقدامنا؟
فحسبي، وحسبك أنا نسير...
معاً، للأبد
لماذا نفتش عن أغنيات البكاء
بديوان شعر قديم؟
ونسأل: يا حبنا! هل تدوم؟
أحبك حبّ القوافل واحة عشب وماء
وحب الفقير الرغيف!
كما ينبت العشب بين مفاصل صخرة
وجدنا غريبين يوماً
ونبقى رفيقين دوماً.
عاشق من فلسطين
23/11/2004, 15:24
-1-
في خيمة التاريخ شردنا عقولا" حالمة
في خيمة التاريخ أيقظنا جراحا" نائمة
ما عاد لنا مكان حتى في خيام اللاجئين
ما عاد لنا اله حتى في بيوت الساجدين
ثكلى تركنا عروبتنا تبكي الوطن
ظمئ تركنا حناجرنا تشكو المحن
ما عاد ينفع أكليل الزهور على شهداء راقدين
ما عاد ينفع آذان الجوامع في قلوب المؤمنين
وتصرخ امة بكاملها لتغسل عارها:
فلسطين...فلسطين....
كيف السبيل اليك وقد سدوا طرق الجليل وغزة
والضفة الغربية
كيف السبيل اليك وقد قصوا ضفائر شعر المجدلية..
وأنا الفلسطيني أصرخ : فلسطيني
أنا السبيل اليك .. واليك السبيل
أنا الذي ما ارتضيت في المنفى عروسا" غيرك أو بديل
-2-
....فلسطين : عصفورة الليل قالت مشتاقة أنت الي...
وأنا كذا تجتاحني أمواج أشواق الى قدسك المصلى
وعيونك العربية..
ولكن.. آه من لكن ...
حنيني اليك اغتراب ولقياك منفى
صرخت في غياهب بحر المنافي ...
أناشد ريح الشمال بلهفة
لتبلغك أن اصبري لا تخافي ..
-3-
فلسطين... رياح الشمال هبت وفي نفحاتها حيفا ويافا ...
لثمتني ... أيقظتني ...
كنت حلمت بها تأتيني وتوقظني ..
ولكن لا .. ليس هنا في سريري ..
ليس هنا في منفاي عنك..
كنت حلمت بها توقظني مستلقيا" في حارات
قدسك الأقصى ألثم ارضها..
حلمت بها توقظني في حقول غزة أسمع نبضها
فلسطين ... فلسطين ... فلسطين ..
صرخت بصوت راعد ملئ الفضاء
فرد عليا واحد وعشرون صدى ضاحكين
عرب تضحكون صرخت باكيا"
تبت عروبتكم تبت مناسككم
من قوم ملحدين ...
سكتوا ... صمتوا.... ثم غابوا
عدت صرخت فلسطين ....
أنت هي حريتي وعروبتي ..
أنت هي تشردي وتغريبتي...
ولكن.. آه... من لكن
حنيني اليك أغتراب
ولقياك منفى..
-4-
فلسطين..
من اجل عينيك رسمت أصداف السجون
وشما" أبديا"
من اجل زيتونك .... جراحي أصبحت
أنهارا" سرمدية
عطشي الى لثم ترابك كان
جرحا" موسميا" ...
-5-
فلسطين ...
أحببتك مذ كنت طفلا"
رسمتك علما"
أحمر بدمي...
وأسود كأيامي في منفاي عنك ..
وأخضر مثل يديك..العجوزتين...
وأبيض مثل قلوب شعبك اخوتي..
والآن وقد كبرت وشاب شعري
ما أفعل الآن بالعلم اجيبي :
ما أفعل الآن بالأحمر وقد جفت دمائي
ما أفعل الآن بالأسود وقد سئمت منفاي
وكرهتني أشعار رثائي ..
ما أفعل الآن بالأخضر وقد يبست يداك وجف كبريائي
ما أفعل الآن بالأبيض وقد أصبحت أرضك شعوبا" من الشهداء ..
أجيبني نفسي :
علم بألوان ذكرت يصلح ثوب عرس
ليحضن آخر الشهداء...
-6-
عصفورة الليل :
أجدني باحثا" عن عرس حلمت به منذ الطفولة
كنت العريس وفلسطين عروسي
تغطي ضفتيها ابتسامتها الخجولة...
ثوبي وثوبها علم أنار دروب النصر للعروبة المقتولة....
والآن بالحلم وقد صار الحقيقة ...
ما أفعل الآن يا عصفورة الليل أجيبي....
أضمها ....أخاف عليها من يدين خشنتين ....
تلك التي أنقى من الأمطار قبل ملامسة الرصيف...
أقبلها ...أخشى عليها من شفتين ميتتين...
تلك التي أشهى من النسمات في فصل الخريف....
أخاف أضمها ....أخاف أقبلها...أخاف ألتحم فيها ترية أبدية
أخاف الناس ترانا فتقيم علينا أعرافها وطقوسها الدينية...
أخاف أموت عند لقاءها ....
أني أريد الموت قبل فراقها.....
أريد أقبل أرضها...أتقمص قدسها.....أريد أعيش ألف مرة أخرى ..
لأموت فيها ألف مرة أخرى ومرة....
-7-
عصفورة الليل :الآن أستيقظ ...
كل ما سبق كان حلما"...
وما أجمله من حلم كان...
ولكن لا أحلام بعد اليوم أو وعود
فلقد سئمت منفاي وغربتي
وأن لي الأوان إلى حبيبتي أن أعود.....
فيا فلسطين الحبيبة حان موعد لقاءنا فاستعدي .....
سآتيك من صرخة الحامل وبكاء الأطفال
وعباءة الفلاح وخوذة الجندي...
سآتيك من أشجار الزيتون وعبق الياسمين..
سآتيك من صرخة كل مشتاق لسنابل القمح وأكياس الطحين...
سآتيك وفي قلبي حلم يتيم ....
الموت ثم الموت ثم الموت ....
الى أن تفنى البشرية ...أو تستردي
عاشق من فلسطين
26/11/2004, 16:20
ليدين من حَجَر وزعترْ
هذا النشيدُ... لأحمدَ المنسيِّ بين فراشتين
مَضَتِ الغيومُ وشرَّدتني
ورمتْ معاطِفها الجبالُ وخبأتني.
... نازلاً من نحلة الجرح القديم إلى تفاصيل
البلاد وكانت السنةُ انفصال البحر عن مدن
الرماد وكنتُ وحدي
ثم وحدي...
آه يا وحدي؟ وأحمدْ
* * *
كان اغترابَ البحر بين رصاصتين
مُخيَّماً ينمو، ويُنجب زعتراً ومقاتلين
وساعداً يشتدُ في النسيان
ذاكرةً تجيء من القطارات التي تمضي
وأرصفةً بلا مستقبلين وياسمين
كان اكتشافَ الذات في العرباتِ
أو في المشهد البحريِّ
في ليل الزنازين الشقيقةِ
في العلاقات السريعة
والسؤال عن الحقيقةْ
في كلِّ شيء كان أحمدُ يلتقي بنقيضهِ
عشرين عاماً كان يسألْ
عشرين عاماً كان يرحلْ
عشرين عاماً لم تلدهُ أمُّهُ إلا دقائق في
إناء الموز
وانسَحَبَتْ.
يريد هويةً فيصاب بالبركان،
سافرتِ الغيومُ وشرَّدتني
ورَمَتْ معاطفها الجبالُ وخبَّأتني
* * *
أنا أحمد العربيُّ - قالَ
أنا الرصاصُ البرتقالُ الذكرياتُ
وجدتُ نفسي قرب نفسي
فابتعدتُ عن الندى والمشهد البحريّ
تل الزعتر الخيمةْ
وأنا البلاد وقد أتَتْ
وتقمَّصتني
وأنا الذهاب المستمر إلى البلاد
وجدتُ نفسي ملء نفسي...
* * *
راح أحمدُ يلتقي بضلوعه ويديه
كان الخطوةَ - النجمةْ
ومن المحيط إلى الخليج، من الخليج إلى المحيط
كانوا يُعدّون الرماحَ
وأحمدُ العربيُّ يصعد كي يرى حيفا
ويقفزَ.
أحمدُ الآن الرهينةْ
تركتْ شوارعَها المدينةْ
وأتتْ إليه
لتقتلهْ
ومن الخليج إلى المحيط، من المحيط إلى الخليج
كانوا يُعدوُّن الجنازةََ
وانتخاب المقصلةْ
* * *
أنا أحمدُ العربيُّ - فليأتِ الحِصارْ
جسدي هو الأسوار - فليأت الحصار
وأنا حدود النار - فليأت الحصار
وأنا أحاصركم
أحاصركم
وصدري بابُ كلِّ الناس - فليأت الحصار
* * *
لم تأتِ أغنيتي لترسم أحمدَ الكحليَّ في الخندقْ
الذكرياتُ وراء ظهري، وهو يوم الشمس والزنبق
يا أيها الولد الموزَّعُ بين نافذتين
لا تتبادلان رسائلي
قاومْ
إنَّ التشابه للرمال... وأنتَ للأزرقْ
* * *
وأعُدُّ أضلاعي فيهرب من يدي بردى
وتتركني ضفاف النيل مبتعدا
وأبحثُ عن حدود أصابعي
فأرى العواصمَ كلّها زَبَدَا...
* * *
وأحمدُ يفرُكُ الساعاتِ في الخندقْ
لم تأتِ أُغنيتي لترسم أحمد المحروق بالأزرق
هو أحمد الكَوْنيُّ في هذا الصفيح الضيِّقِِ
المتمزَّق الحالمْ
وهو الرصاص البرتقاليُّ... البنفسَجَةُ الرصاصيَّةْ
وهو اندلاعُ ظهيرة حاسمْ
في يوم حريَّةْ
* * *
يا أيها الولد المكرّس للندى
قاوم!
يا أيها البلد - المسدَّس في دمي
قاوم!
الآن أكمل فيك أغنيتي
وأَذهبُ في حصاركْ
والآن أكمل فيك أسئلتي
وأولد من غبارك
فاذهب إلى قلبي تجد شعبي
شعوباً في انفجارك
* * *
... سائراً بين التفاصيل اتكأتُ على مياهٍ
فانكسرتُ
أكلّما نَهَدَتْ سفرجلةٌ نسيتُ حدود قلبي
والتجأتُ إلى حصارٍ كي أحدِّد قامتي
يا أحمد العربيُّ؟
لم يكذب علي الحب. لكن كُلّما جاء المساء
امتصَّني جَرَسٌ بعيدٌ
والتجأتُ إلى نزيفي كي أحدد صورتي
يا أحمد العربيُّ.
لم أغسل دمي من خبز أعدائي
ولكن كُلّما مرَّت خُطايَ على طريقٍ
فرَّتِ الطرقُ البعيدةُ والقريبةُ
كلّما آخيتُ عاصمةً رمَتني بالحقيبةِ
فالتجأتُ إلى رصيف الحلم والأشعار
كم أمشي إلى حُلْمي فتسبقني الخناجرُ
آه من حلمي ومن روما
جميلٌ أنت في المنفى
قتيلٌ أنت في روما
وحيفا من هنا بدأتْ
وأحمدُ سُلَّمُ الكرملْ
وبسملة الندى والزعتر البلدي والمنزلْ
* * *
لا تسرقوه من السنونو
لا تأخذوه من الندى
كتبت مراثيها العيونُ
وتركت قلبي للصدى
* * *
لا تسرقوه من الأبدْ
وتبعثروه على الصليب
فهو الخريطةُ والجسد
وهو اشتعال العندليب
* * *
لا تأخذوه من الحَمَامْ
لا ترسلوهُ إلى الوظيفةْ
لا ترسموا دمه وسام
فهو البنفسج في قذيفةْ
* * *
صاعداً نحو التئام الحلم
تَتَّخذُ التفاصيلُ الرديئةُ شكل كُمَّثرى
وتنفصلُ البلادُ عن المكاتب
والخيولُ عن الحقائبِ
للحصى عرقٌ أقبِّلُ صمتَ هذا الملح
أعطي خطبة الليمون لليمون
أوقدُ شمعتي من جرحيَ المفتوحِ للأزهار
والسمكِ المجفَّف
للحصى عَرَقُ ومرآةٌ
وللحطّاب قلبُ يمامةٍ
أنساكِ أحياناً لينساني رجالُ الأمنِ
يا امرأتي الجميلةَ تقطعين القلب والبَصَل
الطريَّ وتذهبين إلى البنفسج
فاذكريني قبل أن أنسى يديَّ
* * *
... وصاعداً نحو التئام الحلمِ
تنكمش المقاعدُ تحت أشجاري وظلّكِ...
يختفي المتسلّقون على جراحك كالذباب الموسميّ
ويختفي المتفرجون على جراحك
فاذكريني قبل أن أنسى يديَّ!
وللفراشات اجتهادي
والصخورُ رسائلي في الأرض
لا طروادة بيتي
ولا مسّادةٌ وقتي
وأصعد من جفاف الخبز والماء المصادر
من حصان ضاع في درب المطار
ومن هواء البحر أصعدُ
من شظايا أدْمَنَتْ جسدي
واصعدُ من عيون القادمين إلى غروب السهلِ
أصعدُ من صناديق الخضار
وقوََّة الأشياء أصعدُ
أنتمي لسمائي الأولى وللفقراء في كل الأزقّة
ينشدون:
صامدون
وصامَدون
وصامدون
* * *
كان المخيَّمُ جسمَ أحمدْ
كانت دمشقُ جفونَ أحمدْ
كان الحجاز ظلال أحمدْ
صار الحصارُ مُرورَ أحمدَ فوق أفئدة الملايين الأسيرةْ
* * *
صار الحصارُ هُجُومَ أحمدْ
والبحر طلقته الأخيرةْ!
* * *
يا خَصْرَ كلِّ الريح
يا أسبوع سُكَّرْ!
يا اسم العيون ويا رُخاميّ الصدى
يا أحمد المولود من حجر وزعترْ
ستقول: لا
ستقول: لا
جلدي عباءةُ كلِّ فلاح سيأتي من حقول التبغ
كي يلغي العواصمْ
وتقول: لا
جسدي بيان القادمين من الصناعات الخفيفةِ
والتردد... والملاحمْ
نحو اقتحام المرحلةْ
وتقول: لا
ويدي تحياتُ الزهور وقنبلةْ
مرفوعة كالواجب اليومي ضدَّ المرحلةْ
وتقول لا:
يا أيها الجسد المُضرَّج بالسفوحِ
وبالشموس المقبلةْ
وتقول: لا
يا أيها الجسد الذي يتزوج الأمواج
فوق المقصلة
وتقول: لا
وتقول: لا
وتقول: لا!
* * *
وتموت قرب دمي وتحيا في الطحين
ونزور صمتك حين تطلبنا يداكَ
وحين تشعلنا اليراعهْ
مشت الخيولُ على العصافير الصغيرةِ
فابتكرنا الياسمين
ليغيب وجهُ الموت عن كلماتنا
فاذهب بعيداً في الغمام وفي الزراعة
لا وقتَ للمنفى وأَُغنيتي...
سيجرفُنا زحامُ الموت فاذهب في الزحام
لنُصاب بالوطن البسيط وباحتمال الياسمين
***
واذهبْ إلى دمك المهيَّأ لانتشارك
واذهب إلى دميَ الموحَّدِ في حصارِك
لا وقتَ للمنفى...
وللصُورِ الجميلةِ فوق جدران الشوارع والجنائز
والتمني.
كتبتْ مراثيها الطيورُ وشرَّدتني
ورمتْ معاطفها الحقولُ وجمعتني
فاذهبْ بعيداً في دمي! واذهب بعيداً في الطحين
لنُصاب بالوطن البسيط وباحتمال الياسمين
***
يا أحمدُ اليوميّ!
يا اسم الباحثين عن الندى وبساطة الأسماء
يا اسم البرتقالةْ
يا أحمد العاديّ!
كيف مَحًوْتَ هذا الفارقَ اللفظيَّ بين الصخر والتفّاح
بين البندقية والغزالة!
* * *
لا وقت للمنفى وأغنيتي...
سنذهب في الحصار
حتى نهايات العواصم
فاذهبْ عميقاً في دمي
اذهب براعمْ
واذهبْ عميقاً في دمي
اذهبْ خواتم
واذهبْ عميقاً في دمي
اذهب سلالم
يا أحمدُ العربيُّ... قاومْ!
لا وقت للمنفى وأغنيتي...
سنذهب في الحصار
حتى رصيف الخبز والأمواجِ
تلك مساحتي ومساحة الوطن - المُلازِمْ
موتٌ أمام الحُلْمِ
أو حلم يموتُ على الشعار
فاذهب عميقاً في دمي واذهب عميقاً في الطحين
لنُصاب بالوطن البسيط وباحتمال الياسمين
* * *
... ولَهُ انحناءاتُ الخريف
لَهُ وصايا البرتقال
لَهُ القصائد في النزيف
لَهُ تجاعيدُ الجبال
لَهُ الهتافُ
لَهُ الزفافُ
لَهُ المجلاّتُ المُلوَّنةُ
المراثي المطمئنةُ
ملصقات الحائط
العَلَمُ
التقدُّمُ
فرقةُ الإنشاد
مرسوم الحداد
وكل شيء كل شيء كل شيء
حين يعلن وجهه للذاهبين إلى ملامح وجههِ
يا أحمدُ المجهولُ!
كيف سَكَنْتَنا عشرين عاماً واختفيتَ
وظَلَّ وجهُكَ غامضاً مثل الظهيرةْ
يا أحمد السريّ مثل النار والغابات
أشهرْ وجهك الشعبيَّ فينا
واقرأ وصيَّتكَ الأخيرةْ؟
يا أيها المتفرّجون! تناثروا في الصمت
وابتعدوا قليلاً عنه كي تجدوهُ فيكم
حنطةً ويدين عاريتين
وابتعدوا قليلاً عنه كي يتلو وصيَّتَهُ
على الموتى إذا ماتوا
وكي يرمي ملامحَهُ
على الأحياء إن عاشوا!
* * *
أخي أحمد!
وأنتَ العبدُ والمعبود والمعبد
متى تشهدْ
متى تشهدْ
متى تشهدْ
عاشق من فلسطين
26/11/2004, 16:22
ليدين من حَجَر وزعترْ
هذا النشيدُ... لأحمدَ المنسيِّ بين فراشتين
مَضَتِ الغيومُ وشرَّدتني
ورمتْ معاطِفها الجبالُ وخبأتني.
... نازلاً من نحلة الجرح القديم إلى تفاصيل
البلاد وكانت السنةُ انفصال البحر عن مدن
الرماد وكنتُ وحدي
ثم وحدي...
آه يا وحدي؟ وأحمدْ
* * *
كان اغترابَ البحر بين رصاصتين
مُخيَّماً ينمو، ويُنجب زعتراً ومقاتلين
وساعداً يشتدُ في النسيان
ذاكرةً تجيء من القطارات التي تمضي
وأرصفةً بلا مستقبلين وياسمين
كان اكتشافَ الذات في العرباتِ
أو في المشهد البحريِّ
في ليل الزنازين الشقيقةِ
في العلاقات السريعة
والسؤال عن الحقيقةْ
في كلِّ شيء كان أحمدُ يلتقي بنقيضهِ
عشرين عاماً كان يسألْ
عشرين عاماً كان يرحلْ
عشرين عاماً لم تلدهُ أمُّهُ إلا دقائق في
إناء الموز
وانسَحَبَتْ.
يريد هويةً فيصاب بالبركان،
سافرتِ الغيومُ وشرَّدتني
ورَمَتْ معاطفها الجبالُ وخبَّأتني
* * *
أنا أحمد العربيُّ - قالَ
أنا الرصاصُ البرتقالُ الذكرياتُ
وجدتُ نفسي قرب نفسي
فابتعدتُ عن الندى والمشهد البحريّ
تل الزعتر الخيمةْ
وأنا البلاد وقد أتَتْ
وتقمَّصتني
وأنا الذهاب المستمر إلى البلاد
وجدتُ نفسي ملء نفسي...
* * *
راح أحمدُ يلتقي بضلوعه ويديه
كان الخطوةَ - النجمةْ
ومن المحيط إلى الخليج، من الخليج إلى المحيط
كانوا يُعدّون الرماحَ
وأحمدُ العربيُّ يصعد كي يرى حيفا
ويقفزَ.
أحمدُ الآن الرهينةْ
تركتْ شوارعَها المدينةْ
وأتتْ إليه
لتقتلهْ
ومن الخليج إلى المحيط، من المحيط إلى الخليج
كانوا يُعدوُّن الجنازةََ
وانتخاب المقصلةْ
* * *
أنا أحمدُ العربيُّ - فليأتِ الحِصارْ
جسدي هو الأسوار - فليأت الحصار
وأنا حدود النار - فليأت الحصار
وأنا أحاصركم
أحاصركم
وصدري بابُ كلِّ الناس - فليأت الحصار
* * *
لم تأتِ أغنيتي لترسم أحمدَ الكحليَّ في الخندقْ
الذكرياتُ وراء ظهري، وهو يوم الشمس والزنبق
يا أيها الولد الموزَّعُ بين نافذتين
لا تتبادلان رسائلي
قاومْ
إنَّ التشابه للرمال... وأنتَ للأزرقْ
* * *
وأعُدُّ أضلاعي فيهرب من يدي بردى
وتتركني ضفاف النيل مبتعدا
وأبحثُ عن حدود أصابعي
فأرى العواصمَ كلّها زَبَدَا...
* * *
وأحمدُ يفرُكُ الساعاتِ في الخندقْ
لم تأتِ أُغنيتي لترسم أحمد المحروق بالأزرق
هو أحمد الكَوْنيُّ في هذا الصفيح الضيِّقِِ
المتمزَّق الحالمْ
وهو الرصاص البرتقاليُّ... البنفسَجَةُ الرصاصيَّةْ
وهو اندلاعُ ظهيرة حاسمْ
في يوم حريَّةْ
* * *
يا أيها الولد المكرّس للندى
قاوم!
يا أيها البلد - المسدَّس في دمي
قاوم!
الآن أكمل فيك أغنيتي
وأَذهبُ في حصاركْ
والآن أكمل فيك أسئلتي
وأولد من غبارك
فاذهب إلى قلبي تجد شعبي
شعوباً في انفجارك
* * *
... سائراً بين التفاصيل اتكأتُ على مياهٍ
فانكسرتُ
أكلّما نَهَدَتْ سفرجلةٌ نسيتُ حدود قلبي
والتجأتُ إلى حصارٍ كي أحدِّد قامتي
يا أحمد العربيُّ؟
لم يكذب علي الحب. لكن كُلّما جاء المساء
امتصَّني جَرَسٌ بعيدٌ
والتجأتُ إلى نزيفي كي أحدد صورتي
يا أحمد العربيُّ.
لم أغسل دمي من خبز أعدائي
ولكن كُلّما مرَّت خُطايَ على طريقٍ
فرَّتِ الطرقُ البعيدةُ والقريبةُ
كلّما آخيتُ عاصمةً رمَتني بالحقيبةِ
فالتجأتُ إلى رصيف الحلم والأشعار
كم أمشي إلى حُلْمي فتسبقني الخناجرُ
آه من حلمي ومن روما
جميلٌ أنت في المنفى
قتيلٌ أنت في روما
وحيفا من هنا بدأتْ
وأحمدُ سُلَّمُ الكرملْ
وبسملة الندى والزعتر البلدي والمنزلْ
* * *
لا تسرقوه من السنونو
لا تأخذوه من الندى
كتبت مراثيها العيونُ
وتركت قلبي للصدى
* * *
لا تسرقوه من الأبدْ
وتبعثروه على الصليب
فهو الخريطةُ والجسد
وهو اشتعال العندليب
* * *
لا تأخذوه من الحَمَامْ
لا ترسلوهُ إلى الوظيفةْ
لا ترسموا دمه وسام
فهو البنفسج في قذيفةْ
* * *
صاعداً نحو التئام الحلم
تَتَّخذُ التفاصيلُ الرديئةُ شكل كُمَّثرى
وتنفصلُ البلادُ عن المكاتب
والخيولُ عن الحقائبِ
للحصى عرقٌ أقبِّلُ صمتَ هذا الملح
أعطي خطبة الليمون لليمون
أوقدُ شمعتي من جرحيَ المفتوحِ للأزهار
والسمكِ المجفَّف
للحصى عَرَقُ ومرآةٌ
وللحطّاب قلبُ يمامةٍ
أنساكِ أحياناً لينساني رجالُ الأمنِ
يا امرأتي الجميلةَ تقطعين القلب والبَصَل
الطريَّ وتذهبين إلى البنفسج
فاذكريني قبل أن أنسى يديَّ
* * *
... وصاعداً نحو التئام الحلمِ
تنكمش المقاعدُ تحت أشجاري وظلّكِ...
يختفي المتسلّقون على جراحك كالذباب الموسميّ
ويختفي المتفرجون على جراحك
فاذكريني قبل أن أنسى يديَّ!
وللفراشات اجتهادي
والصخورُ رسائلي في الأرض
لا طروادة بيتي
ولا مسّادةٌ وقتي
وأصعد من جفاف الخبز والماء المصادر
من حصان ضاع في درب المطار
ومن هواء البحر أصعدُ
من شظايا أدْمَنَتْ جسدي
واصعدُ من عيون القادمين إلى غروب السهلِ
أصعدُ من صناديق الخضار
وقوََّة الأشياء أصعدُ
أنتمي لسمائي الأولى وللفقراء في كل الأزقّة
ينشدون:
صامدون
وصامَدون
وصامدون
* * *
كان المخيَّمُ جسمَ أحمدْ
كانت دمشقُ جفونَ أحمدْ
كان الحجاز ظلال أحمدْ
صار الحصارُ مُرورَ أحمدَ فوق أفئدة الملايين الأسيرةْ
* * *
صار الحصارُ هُجُومَ أحمدْ
والبحر طلقته الأخيرةْ!
* * *
يا خَصْرَ كلِّ الريح
يا أسبوع سُكَّرْ!
يا اسم العيون ويا رُخاميّ الصدى
يا أحمد المولود من حجر وزعترْ
ستقول: لا
ستقول: لا
جلدي عباءةُ كلِّ فلاح سيأتي من حقول التبغ
كي يلغي العواصمْ
وتقول: لا
جسدي بيان القادمين من الصناعات الخفيفةِ
والتردد... والملاحمْ
نحو اقتحام المرحلةْ
وتقول: لا
ويدي تحياتُ الزهور وقنبلةْ
مرفوعة كالواجب اليومي ضدَّ المرحلةْ
وتقول لا:
يا أيها الجسد المُضرَّج بالسفوحِ
وبالشموس المقبلةْ
وتقول: لا
يا أيها الجسد الذي يتزوج الأمواج
فوق المقصلة
وتقول: لا
وتقول: لا
وتقول: لا!
* * *
وتموت قرب دمي وتحيا في الطحين
ونزور صمتك حين تطلبنا يداكَ
وحين تشعلنا اليراعهْ
مشت الخيولُ على العصافير الصغيرةِ
فابتكرنا الياسمين
ليغيب وجهُ الموت عن كلماتنا
فاذهب بعيداً في الغمام وفي الزراعة
لا وقتَ للمنفى وأَُغنيتي...
سيجرفُنا زحامُ الموت فاذهب في الزحام
لنُصاب بالوطن البسيط وباحتمال الياسمين
***
واذهبْ إلى دمك المهيَّأ لانتشارك
واذهب إلى دميَ الموحَّدِ في حصارِك
لا وقتَ للمنفى...
وللصُورِ الجميلةِ فوق جدران الشوارع والجنائز
والتمني.
كتبتْ مراثيها الطيورُ وشرَّدتني
ورمتْ معاطفها الحقولُ وجمعتني
فاذهبْ بعيداً في دمي! واذهب بعيداً في الطحين
لنُصاب بالوطن البسيط وباحتمال الياسمين
***
يا أحمدُ اليوميّ!
يا اسم الباحثين عن الندى وبساطة الأسماء
يا اسم البرتقالةْ
يا أحمد العاديّ!
كيف مَحًوْتَ هذا الفارقَ اللفظيَّ بين الصخر والتفّاح
بين البندقية والغزالة!
* * *
لا وقت للمنفى وأغنيتي...
سنذهب في الحصار
حتى نهايات العواصم
فاذهبْ عميقاً في دمي
اذهب براعمْ
واذهبْ عميقاً في دمي
اذهبْ خواتم
واذهبْ عميقاً في دمي
اذهب سلالم
يا أحمدُ العربيُّ... قاومْ!
لا وقت للمنفى وأغنيتي...
سنذهب في الحصار
حتى رصيف الخبز والأمواجِ
تلك مساحتي ومساحة الوطن - المُلازِمْ
موتٌ أمام الحُلْمِ
أو حلم يموتُ على الشعار
فاذهب عميقاً في دمي واذهب عميقاً في الطحين
لنُصاب بالوطن البسيط وباحتمال الياسمين
* * *
... ولَهُ انحناءاتُ الخريف
لَهُ وصايا البرتقال
لَهُ القصائد في النزيف
لَهُ تجاعيدُ الجبال
لَهُ الهتافُ
لَهُ الزفافُ
لَهُ المجلاّتُ المُلوَّنةُ
المراثي المطمئنةُ
ملصقات الحائط
العَلَمُ
التقدُّمُ
فرقةُ الإنشاد
مرسوم الحداد
وكل شيء كل شيء كل شيء
حين يعلن وجهه للذاهبين إلى ملامح وجههِ
يا أحمدُ المجهولُ!
كيف سَكَنْتَنا عشرين عاماً واختفيتَ
وظَلَّ وجهُكَ غامضاً مثل الظهيرةْ
يا أحمد السريّ مثل النار والغابات
أشهرْ وجهك الشعبيَّ فينا
واقرأ وصيَّتكَ الأخيرةْ؟
يا أيها المتفرّجون! تناثروا في الصمت
وابتعدوا قليلاً عنه كي تجدوهُ فيكم
حنطةً ويدين عاريتين
وابتعدوا قليلاً عنه كي يتلو وصيَّتَهُ
على الموتى إذا ماتوا
وكي يرمي ملامحَهُ
على الأحياء إن عاشوا!
* * *
أخي أحمد!
وأنتَ العبدُ والمعبود والمعبد
متى تشهدْ
متى تشهدْ
متى تشهدْ ؟
رائعة جدا...مشكور كتير :D
Kakabouda
02/12/2004, 20:57
يعني صح لسانك و غير هيك ما في شي .... :D :D :D :D
عاشق من فلسطين
04/12/2004, 15:37
شكرا"
King RORO
04/12/2004, 15:50
دمت اخي عاشق
دام محمود درويش
دامت فلسطين :D :D :D
مشكور لهذه الكتابات
محمود درويش انسان فوق العادة..أو "سوبر انسان " اذا حبيتو... اسمو من رموز الكرامة الفلسطينية ( القليل الباقي من الكرامة العربية فلسطيني الجنسية...مشكور كتير رفيق
عاشت فلسطين حرة...
عاشق من فلسطين
05/12/2004, 13:16
دمت اخي عاشق
دام محمود درويش
دامت فلسطين
مشكور لهذه الكتابات
مشكور على هالردور أخي أبو الرور وفلسطين دايمة بوجود عالم بتحس فيها متلك...
وشكرا"
عاشق من فلسطين
05/12/2004, 13:19
محمود درويش انسان فوق العادة..أو "سوبر انسان " اذا حبيتو... اسمو من رموز الكرامة الفلسطينية ( القليل الباقي من الكرامة العربية فلسطيني الجنسية...مشكور كتير رفيق
انشاء الله ما بتشوف ضيم يا أخي العزيز وشكرا" الك على الرد والكرامة تاعربية رح تطل رافعة راسها بوجود عالم متلك مؤمنة فيها
عاشق من فلسطين
03/01/2005, 19:58
بربك في متل محمود درويش دخيل ربك وربو ..
Kakabouda
04/01/2005, 02:10
محمود درويش الله الله :D
عاشق من فلسطين
04/01/2005, 14:59
محمود درويش الله الله
الله عليك يا أبو جريج ..والله على كل شي مين بحب محمود درويش
عاشق من فلسطين
10/01/2005, 16:00
سماء منخفضة
هُنَالِكَ حُبٌّ يسيرُ على قَدَمَيْهِ الحَرِيرِيَّتَيْن
سعيدًا بغُرْبَتِهِ في الشوارع،
حُبٌّ صغيرٌ فقيرٌ يُبَلِّلُهُ مَطَرٌ عابرٌ
فيفيض على العابرين:
( هدايايَ أكبرُ منّي
كُلُوا حِنْطَتي
واشربوا خَمْرَتي
فسمائي على كتفيَّ وأَرضي لَكُمْ )...
هَلْ شمَمْتِ دَمَ الياسمينِ المُشَاعَ
وفكَّرْتِ بي
وانتظرتِ معي طائرًا أَخضرَ الذَيْلِ
لا اسْمَ لَهُ?
هُنَالِكَ حُبٌّ فقيرٌ يُحدِّقُ في النهرِ
مُسْتَسْلِمًا للتداعي: إلى أَين تَرْكُضُ
يا فَرَسَ الماءِ?
عما قليل سيمتصُّكَ البحرُ
فامش الهوينى إلى مَوْتكَ الاِختياريِّ،
يا فَرَسَ الماء!
هل كنتِ لي ضَفَّتَينْ
وكان المكانُ كما ينبغي أن يكون
خفيفًا خفيفًا على ذكرياتِكِ ?
أَيَّ الأغاني تُحِبِّينَ ?
أيَّ الأغاني? أَتلك التي
تتحدَّثُ عن عَطَشِ الحُبِّ،
أَمْ عن زمانٍ مضى ?
هنالك حُبّ فقير، ومن طَرَفٍ واحدٍ
هادئٌ هادئٌ لا يُكَسِّرُ
بِلَّوْرَ أَيَّامِكِ المُـنْتَقَاةِ
ولا يُوقدُ النارَ في قَمَرٍ باردٍ
في سريرِكِ،
لا تشعرينَ بهِ حينَ تبكينَ من هاجسٍ،
رُبَّما بدلاً منه،
لا تعرفين بماذا تُحِسِّين حين تَضُمِّينَ
نَفسَكِ بين ذراعيكِ!
أَيَّ الليالي تريدين ? أيَّ الليالي ?
وما لوْنُ تِلْكَ العيونِ التي تحلُمينَ
بها عندما تحلُمين?
هُنَالِكَ حُبٌّ فقيرٌ، ومن طرفين
يُقَلِّلُ من عَدَد اليائسين
ويرفَعُ عَرْشَ الحَمَام على الجانبين.
عليكِ، إذًا، أَن تَقُودي بنفسِكِ
هذا الربيعَ السريعَ إلى مَنْ تُحبّينَ
أَيَّ زمانٍ تريدين ? أَيَّ زمان ?
لأُصبحَ شاعِرَهُ، هكذا هكذا: كُلَّما
مَضَتِ امرأةٌ في المساء إلى سرِّها
وَجَدَتْ شاعرًا سائرًا في هواجسها.
كُلَّما غاص في نفسه شاعرٌ
وَجَدَ امرأةً تتعرَّى أَمام قصيدتِهِ...
أَيَّ منفىً تريدينَ?
هل تذهبين معي، أَمْ تسيرين وَحْدَكِ
في اسْمك منفًى يُكَلَّلُ منفًى
بِلأْلاَئِهِ ?
هُنالِكَ حُبٌّ يَمُرُّ بنا،
دون أَن نَنْتَبِهْ،
فلا هُوَ يَدْري ولا نحن نَدْري
لماذا تُشرِّدُنا وردةٌ في جدارٍ قديم
وتبكي فتاةٌ على مَوْقف الباص،
تَقْضِمُ تُفَّاحَةً ثم تبكي وتضحَكُ:
(لا شيءَ، لا شيءَ أكثر
من نَحْلَةٍ عَبَرَتْ في دمي...
هُنالِكَ حُبّ فقيرٌ، يُطيلُ
التأمُّلَ في العابرين، ويختارُ
أَصغَرَهُمْ قمرًا: أَنتَ في حاجةٍ
لسماءٍ أَقلَّ ارتفاعًا،
فكن صاحبي تَتَّسعْ
لأَنانيَّةِ اثنين لا يعرفان
لمن يُهْدِيانِ زُهُورَهُما...
ربَّما كان يَقْصِدُني، رُبَّما
كان يقصدُنا دون أَن نَنْتَبِهْ
هُنَالِكَ حُبّ ...
عاشق من فلسطين
10/01/2005, 16:08
(هدنة مع المغول أمام غابة السنديان)
كائنات من السنْدِيان تُطيلُ الوقوفَ على التلّ.. قَدْ
يصعَدُ العُشْبُ من خبزنا نحوها إِنْ تركنا المكانَ، وَقَدْ
يهبط اللازوردُ السماويُّ منها إِلى الظلِّ فوق الحصونْ.
مَنْ سيملأ فُخَّارنا بعدنا? مَنْ يُغيِّرُ أَعداءنا عندما يعرفونْ
أَننا صاعدون إِلى التلِّ كي نمدَحَ الله..
في كائناتٍ من السنديانْ?
كلُّ شيء يدلُّ على عَبَث الريح، لكننا لا نَهُبُّ هباءْ
رُبَّما كان هذا النهارُ أَخَفَّ علينا من الأَمس، نحن الذينْ
قد أَطالوا المكوثَ أَمام السماء، ولم يعبدوا غير ما فَقَدُوا
من عبادتهمْ. رُبَّما كانت الأَرضُ أَوسعَ من وَصْفها. ربما
كان هذا الطريقُ دخولاً مع الريح..
في غابة السنديانْ
الضحايا تَمُرُّ من الجانبينْ، تقول كلامًا أَخيرًا وتسقط في
عالَمٍ واحدٍ. سوف ينتصرُ النسْرُ والسنديانُ عليها، فلا بُدَّ مِنْ
هُدْنَةٍ للشقائق في السهل كي تُخْفِيَ الميتين على الجانبين، وكيْ
نَتَبَادَلَ بَعْضَ الشتائم قبل الوصول إِلى التلّ. لا بُدَّ مِنْ
تَعَبٍ آدميّ يُحَوِّل تلك الخيولَ إِلى..
كائناتٍ من السنديانْ
الصدى واحدٌ في البراري: صدى. والسماءُ على حجر غرْبَةٌ
عَلَّقتْها الطيورُ على لا نهايات هذا الفضاء، وطارتْ..
والصدى واحدٌ في الحروب الطويلة: أُمٌّ، أَبٌ، وَلَدٌ صَدَّقوا
أَنَّ خلف البحيرات خيلاً تعود إِليهم مُطَهَّمةً بالرجاء الأَخيرْ
فأَعدُّوا لأحلامهم قهوةً تمنع النومَ..
في شَبَح السنديانْ
كُلُّ حربٍ تُعَلِّمنا أَن نحبَّ الطبيعة أَكثرَ: بعد الحصارْ
نَعْتَني بالزنابقِ أَكثرَ، نقطف قُطْنَ الحنان من اللَوْزِ في
شهر آذارَ. نزرع غاردينيا في الرخام، ونَسْقي نباتاتِ جيراننا
عندما يذهبون إِلى صَيْد غزلاننا. فمتى تَضَعُ الحربُ أَوزارها
كي نفُكَّ خُصُورَ النساء على التلّ..
من عُقدة الرَّمز في السنديانْ?
ليت أَعداءَنا يأخذون مقاعدنا في الأَساطير، كي يعلموا
كم نُحبُّ الرصيفَ الذي يكرهون.. ويا ليتهم يأخذونْ
ما لنا من نُحاس وبرْق.. لنأخذ منهم حرير الضجرْ
ليت أَعداءنا يقرأون رسائلنا مرتين، ثلاثًا.. ليعتذروا
للفراشة عن لعبة النار..
في غابة السنديانْ
كم أَردنا السلامَ لسيِّدنا في الأَعالي.. لسيدنا في الكُتُبْ
كم أَردنا السلامَ لغازلة الصُوف.. للطفل قرب المغارةْ
لِهُواة الحياة.. لأَولاد أَعدائنا في مخابئهمْ.. للمَغُولْ
عندما يذهبون إِلى ليل زوجاتهم، عندما يرحلونْ
عن براعم أَزهارنا الآن.. عَنَّا،
وعن وَرق السنديانْ
الحروب تُعَلِّمنا أَن نذوق الهواء وأَن نمدح الماء. كَمْ
ليلةً سوف نفرح بالحُمُّص الصلْب والكستنا في جيوب معاطفنا?
أَمْ سننسى مهارتنا في امتصاص الرذاذ? ونسأَل: هَلْ
كان في وُسْع مَنْ مات أَلاَّ يموت ليبدأ سيرتَهُ من هنا?
رُبَّما.. رُبَّما نستطيع مديح النبيذ ونرفعُ
نخْبًا لأَرملة السنديانْ
كُلُّ قَلْبٍ هنا لا يردُّ على الناي يسقط في
شَرَك العنكبوت. تمهَّلْ تمهَّلْ لتسمع رَجْعَ الصدى
فوق خيل العَدُوّ، فإِنَّ المغُول يُحبُّون خمرتنا
ويريدون أَن يَرْتَدوا جلد زوجاتنا في الليالي، وأَنْ
يأخذوا شعراء القبيلة أَسرى، وأَنْ
يقطعُوا شَجَرَ السنديانْ
المغُول يريدوننا أَن نكون كما يبتغون لنا أن نكونْ
حفنةً من هبوب الغبار على الصين أَو فارسٍ، ويريدوننا
أَن نُحبَّ أَغانِيَهُمْ كُلَّها كي يَحُلَّ السلامُ الذي يطلبونْ..
سوف نحفظ أَمثالهم.. سوف نغفر أَفعالَهُم عندما يذهبونْ
مَعَ هذا المساء إِلى ريح أَجدادهمْ
خلفَ أُغنيةِ السنديانْ
لمْ يجيئوا لينتصروا، فالخرافةُ ليست خرافتَهُمْ. إِنهم يهبطونْ
من رحيل الخيول إِلى غرب آسيا المريضِ، ولا يعرفونْ
أَنَّ في وسعنا أَن نقاوم غازان - أَرغون أَلفَ سَنَةْ
بَيْدَ أَن الخرافةَ ليست خرافتَهُ. سوف يدخل عَمَّا قليلْ
دينَ قتلاهُ كي يتعلَّم منهم كلامَ قُرَيش..
ومعجزةَ السنديانْ
الصّدَى واحدٌ في الليالي. على قمّة الليل نُحْصي
النجومَ على صدر سَيِّدنا، عُمْرَ أَولادنا - كبروا سَنَةً بعدنا -
غَنَمَ الأَهل تحت الضباب، وأَعدادَ قتلى المغول، وأَعدادَنا
والصدى واحدٌ في الليالي: سنرجع يومًا، فلا بُدَّ من
شاعرٍ فارسيٍّ لهذا الحنين..
إِلى لُغَةِ السنديانْ
الحُروبُ تعلِّمنا أَن نحبَّ التفاصيل: شكْل مفاتيحِ أَبوابنا،
أن نُمَشِّطَ حنطتنا بالرموش، ونمشي خِفَافًا على أرضنا،
أَن نقدِّسَ ساعاتِ قبل الغروب على شجر الزَّنْزَلَخْت..
والحروبُ تُعَلِّمُنا أَن نرى صورة الله في كل شيء، وأَنْ
نَتَحَمَّل عبء الأَساطير كي نُخْرِجَ الوحشَ..
من قصَّة السنديانْ
كم سنضحك من سُوس خُبْز الحروب ومن دُودِ ماء الحروب، إِذا
ما انتصرنا نُعَلِّقُ أَعلامنا السودَ فوق حبال الغسيلْ
ثم نَصْنَع منها جواربَ.. أَما النشيدُ، فلا بُدَّ من رَفْعِهِ
في جنازات أَبطالنا الخالدين.. وأَما السبايا، فلا
بُدَّ من عَتْقهنَّ، ولا بُدَّ من مَطَرٍ
فَوق ذاكرة السنديانْ
خَلْفَ هذا المساء نرى ما تبقَّى من الليل، عما قليلْ
يشرب القَمَرُ الحُرُّ شايَ المُحَارب تحت الشجَرْ
قَمَرٌ واحدٌ للجميع على الخندقين لَهُمْ ولنا، هَلْ لَهُمْ
خلف تلك الجبال بيوتٌ من الطين، شايٌ، ونايٌ? وهَلْ
عندهُمْ حَبَقٌ مثلنا يُرجع الذاهبين من الموت...
في غابة السنديانْ?
.. وأَخيرًا، صعدْنا إِلى التَلِّ. ها نحن نرتفع الآن
فوق جذوع الحكاية.. ينبت عُشْبٌ جديد على دمنا وعلى دمهِمْ.
سوف نحشو بنادقنا بالرياحين، سوف نُطَوِّق أَعناقَ ذاك
الحمام بأَوسمة العائدين.. ولكننا
لم نجد أَحدًا يقبل السِّـلْم.. لا نحن نحن ولا غيرنا غيرنا
البنَادِقُ مكسورة.. والحمامُ يطير بعيدًا بعيدًا
لم نجد أَحدًا ههُنا..
لم نجد أَحدًا..
لم نجد غابة السنديانْ!
القصيدة التالية لا توجد في اي ديوان من دواوين محمود درويش، كتبها في رثاء المفكر الفلسطيني الكبير والرائع: إدوارد سعيد (رحمه الله)...
نيويورك، نوفمبر، الشارع الخامس
الشمس صحن من المعدن المتطاير
فوضى لغات
زحام على مهرجان القيامة
هاوية كهربائية بعلو السماء
قصائد ويتمان
تمثال حرية لا مبال بزوّاره
جامعات
مسارح
قداس جاز
متاحف للغد
لا وقتَ في الوقت
قلت لنفسي الغريبة:
هل هذه بابل، أم سدوم؟
هناك التقيت بإدوارد قبل ثلاثين عاما
وكان الزمان أقلَّ جموحا من الآن
قال كلانا:
إذا كان ماضيك تجربة
فاجعل الغد معنىً ورؤيا
لنذهب إلى غدنا واثقين بصدق الخيال
ومعجزة العشب
لا أتذكر أنّا ذهبنا إلى السينما في المساء
ولكنْ سمعت هنودا قدامى ينادونني
لا تثق بالحصان ولا بالحداثة
لا ضحية تسأل جلادها: هل أنا أنتَ
لو كان سيفي أكبرَ من وردتي
هل تسأل إن كنت أفعل مثلك
سؤال كهذا يثير فضول الروائي
في مكتب من زجاج
يطل على زنبق في الحديقة
حيث تكون يد الفرضية بيضاء
مثل ضمير الروائي
حين يصفّي الحساب مع نزعة البشرية
لا غدَ في الأمس
فلتتقدمْ إذا
قد يكون التقدم جسر الرجوع
إلى البربرية
نيويورك
إدوارد يصحو على جرس الفجر
يعزف لحنا لموتسارت
يركض في ملعب التنس الجامعي
يفكر في رحلة الفكر عبر الحدود وفوق الحواجز
يقرأ نيويورك تايمز
يكتب تعليقه المتوتر
يلعن مستشرقا يرسل الجنرال إلى نقطة الضعف
في قلب شرقية
يستحمّ
ويختار بذلته بأناقة ديك
ويشرب قهوته بالحليب
ويصرخ في الفجر: لا تتلكأ
على الريح يمشي
وفي الريح يعرف من هو
لا سقف للريح
لا بيت للريح
والريح بوصلة لشمال الغريب
يقول:
أنا من هناك
أنا من هنا
ولست هناك ولست هنا
ليَ اسمان يلتقيان ويفترقان
ولي لغتان نسيت بأيهما كنت أحلم
لي لغة إنجليزية للكتابة طيّعة المفردات
ولي لغة من حوار السماء مع القدس
فضية النبر
لكنها لا تطيع مخيلتي
والهوية قلت
قال دفاع عن الذات
إن الهوية بنت الولادة
لكنها في النهاية إبداع صاحبها
لا وراثة ماض
أنا المتعدد
في داخلي خارجي المتجدد
لكنني أنتمي لسؤال الضحية
لو لم أكن من هناك
لدربت قلبي على أن يربي غزال الكناية
فاحمل بلادك أنّى ذهبت
وكن نرجسيَ السلوك
لكي يعرفوك إذا لزم الأمر
منفى هو العالم الخارجي
ومنفى هو العالم الباطني
فمن أنت بينهما؟
لا أعرّف نفسي لئلا أضيّعها
وأنا ما أنا
وأنا آخري في ثنائية تتناغم بين الكلام وبين الإشارة
ولو كنت أكتب شعرا لقلت:
أنا اثنان في واحد كجناحيْ سنونوة
إن تأخر فصل الربيع اكتفيت بنقل الإشارة
يحب بلادا
ويرحل عنها
هل المستحيل بعيد؟
يحب الرحيل إلى أي شيء
ففي السفر الحر بين الثقافات
قد يجد الباحثون عن الجوهر البشري
مقاعد جاهزة للجميع
هنا هامش يتقدّم
أو مركز يتراجع
لا الشرق شرق تماماً
ولا الغرب غرب تماماً
فإن الهوية مفتوحة للتعدد
لا صَدَفا
أو خنادق
كان المجاز ينام على ضفة النهر
لولا التلوث لاحتضن الضفة الثانية
هل كتبت الرواية؟
حاولت
حاولت أن أستعيد بها صورتي
في مرايا النساء البعيدات
لكنّهن توغلن في ليلهن الحصين
وقلنَ: لنا عالم مستقل عن النص
لن يكتب الرجل المرأة اللغز والحلم
لن تكتب المرأة الرجل الرمز والنجم
لا حب يشبه حباً
ولا ليل يشبه ليلاً
فدعنا نعدد صفات الرجال ونضحك
وماذا فعلت؟
ضحكت على عبثي
ورميتُ الرواية في سلة المهملات
المفكر يكبح سرد الروائي
والفيلسوف يشرّح ورد المغني
يحب بلاداً
ويرحل عنها
أنا ما أقول وما سأكون
سأصنع نفسي بنفسي
وأختار منفاي موسوعة لفضاء الهوية
منفاي خلفية المشهد الملحمي
أدافع عن حاجة الشعراء
إلى الغد والذكريات معاً
وأدافع عن شجر ترتديه الطيورُ
بلاداً ومنفى
وعن قمر لم يزل صالحاً لقصيدة حب
أدافع عن فكرة كسرتها هشاشة أصحابها
وأدافع عن بلد خطفته الأساطير
هل تستطيع الرجوع إلى أي شيْ؟
أمامي يجرّ ورائي ويسرع
لا وقت في ساعتي لأخط سطوراً على الرمل
لكنني أستطيع زيارة أمس
كما يفعل الغرباء
إذا استمعوا في المساء الحزين
إلى الشاعر الرعوي:
فتاة على النبع تملأ جرتها بدموع السحاب
وتبكي وتضحك
من نحلة لسعت قلبها
في مهب الغياب
هل الحب ما يوجع الماء
أم مرض في الضباب
..إلى آخر الأغنية
إذا
قد يصيبك داء الحنين
حنيني إلى الغد
أبعد أعلى وأبعد
حلمي يقود خطاي
ورؤياي تجلس حلمي على ركبتيّ
كقط أليف
هو الواقعي الخيالي
وابن الإرادة
في وسعنا أن نعدّل حتمية الهاوية
والحنينُ إلى أمس عاطفة لا تخص المفكرَ
إلا ليفهم شوق الغريب
إلى أدوات الغياب
وأما أنا فحنيني صراع على حاضر
يمسك الغد من خصيتيه
ألم تتسلل إلى الأمس
حين ذهبت إلى البيت
بيتك في القدس
في حارة الطالبية؟
هيأت نفسي لأن أتمدد في تخت أمي
كما يفعل الطفل حين يخاف أباه
وحاولت أن أستعيد ولادة نفسي
وحاولت أن أتحسس جلد الغياب
ورائحة الصيف من ياسمين الحديقة
لكنّ ضبع الحقيقة فرّقني
عن حنين تلفت كاللص حولي
أخفت؟
وماذا أخذت؟
لا أستطيع لقاء الخسارة وجها لوجه
وقفت على الباب كالمتسوّل
هل أطلب الإذن من غرباء
ينامون فوق سريري أنا في زيارة نفسي
لخمس دقائق
هل أنحني باحترام
لسكان حلمي الطفولي
هل يسألون:
من السائل الأجنبي الفضولي
هل أستطيع الكلام عن السلم والحرب
بين الضحايا وبين ضحايا الضحايا
بلا كلمات إضافية
وبلا جملة اعتراضية
هل يقولون لي:
لا مكان لحلمين في مخدع واحد
لا أنا أو هو
ولكنه قارئ يتساءل
عما يقول لنا الشعر في زمن الكارثة
دم
ودم
ودم في بلادك
باسمي وباسمك
في زهرة اللوز
في قشرة الموز
في لبن الطفل
في اللون
في الظل
في حبة القمح
في علبة الملح
قناصة بارعون
يصيبون أهدافهم بامتياز
دما
ودما
ودما
هذه الأرض أصغر من دم أبنائها الواقفين
على عتبات القيامة مثل القرابين
هل هذه الأرض حقا مباركة
أم معمّدة بدم
ودم
ودم لا تجففه الصلوات
ولا الرمل
لا عدّ في صفحات الكتاب المقدس
يكفي لكي يفرح الشهداء
بحرية المشي فوق الغمام
دم في النهار
دم في الظلام
دم في الكلام
يقول: القصيدة قد تستضيف الخسارة
خيطا من الضوء يلمع في قلب غيتارة
أو مسيحا على فرس مثخن بالمجاز الجميل
فليس الجمالي إلا حضور الحقيقي في الشكل.
في عالم لا سماء له
تصبح الأرض هاوية
والقصيدة إحدى هِبات العزاء
وإحدى صفات الرياح
جنوبية أو شمالية
لا تصف ما ترى الكاميرا من جروحك
واصرخ لتسمع نفسك
واصرخ لكي تعلم
أن الحياة على هذه الأرض ممكنة
فاخترع أملا للكلام
ابتكر جهة أو سرابا
يطيل الرجاء
وغنّ
فإن الجمالي حرية
أقول:
الحياة التي لا تعرّف
إلا بضد هو الموت
ليست حياة
يقول:
سنحيا
ولو تركتنا الحياة إلى شأننا
فلنكن سادة الكلمات
التي سوف تجعل قراءها خالدين
على حد تعبير صاحبك الفذ ريتسوس
وقال: إذا متّ قبلكَ
أوصيك بالمستحيل
سألت:
هل المستحيل بعيدٌ؟
فقال: على بعد جيل
سألت:
فإن متّ قبلك
قال: أعزّي جبال الجليل
وأكتب: ليس الجمالي إلا بلوغ الملائم
والآن، لا تنس
إن متّ قبلكَ
أوصيك بالمستحيل
عندما زرته
في سدومَ الجديدة في عام ألفين واثنين
كان يقاوم حرب سدوم على أهل بابل
والسرطان معا
كان كالبطل الملحمي الأخير
يدافع عن حق طروادة في اقتسام الرواية
نسر يودع قمته
عاريا
عاريا
فالإقامة فوق الأولمب
وفوق القممْ
تثير السأم
وداعا
وداعا
وداعا لشعر الألم
محمود درويش
hashtnasht
23/01/2005, 04:16
الله يسلم هالايدين يا ابو الفوارس ...لأنو هالقصيدة ذات تأثير مزدوج ... من جهة القصيدة لمحمود درويش ..و من جهة تانية القصيدة لأدوارد سعيد
thanx
:D
عاشق من فلسطين
23/01/2005, 14:42
هاي القصيدة نال عليها محمود درويش جائزة بقيمة 100 ألف يورو وهي قصيدة رائعة جدا" مشكور أبو الفوارس :D :D
هاي القصيدة نال عليها محمود درويش جائزة بقيمة 100 ألف يورو وهي قصيدة رائعة جدا"
بيستاهل............... والله محمود درويش رائع والاروع إدوار سعيد..
عاشق من فلسطين
24/01/2005, 16:26
بيستاهل............... والله محمود درويش رائع والاروع إدوار سعيد..
الله يرحم ادوار سعيد ويخليلنا محمود درويش.. :D
عاشق من فلسطين
27/02/2005, 19:02
رائعة جدا...مشكور كتير
على راسي يا أبو مارل لو متأخر الرد شوي .. وهي القصيدة قالها محمود درويش في مجزرة تل الزعتر التي قامت بها سورية ..
ومن يمعن ما بين السطور يرى ذلك واضحا" نوعا" ما في مقطع القصيدة الذي يقول
وأعد أضلاعي فيهرب من يدي بردى
وتتركني ضفاف النيل مبتعدا" ..
وأبحث عن حدود أصابعي
فأرى العواصم كلها زبدا" ..
عاشق من فلسطين
01/03/2005, 16:42
على أربعة أحرف يقوم اسمكَ واسمي، لا على خمسة. لأن حرف الميم الثاني قطعة غيار قد نحتاج إليها أثناء السير على الطرق الوعرة.
في عام واحد وُلدنا، مع فارق طفيف في الساعات وفي الجهات. وُلدنا لنتدرّب على اللعب البريء بالكلمات. ولم نكترث للموت الذي تدقه النساء الجميلات، كحبة جوز، بكعوب أحذيتهن العالية.
عالياً، عالياً كان كل شيء... عالياً كالأزرق على جبال الساحل السوري. وكما يتسلق العشب الانتهازي أسوار السلطان، تسلقنا أقواس قزح، لنكتب بألوانها أسماء ما نحب من الأشياء الصغيرة والكبيرة:
يداً تحلب ثدي الغزالة،
مجداً لزارعي الخس في الأحواض،
شغف الإسكافيّ بلمس قدَم الأميرة،
ومصائر أخرى لجمهور مطرود من المسرح.
لم ننكسر بدويّ هائل كما يحدث في التراجيديات الكبرى، بل كأشعة شمس على صخور مدببة لم يُسفك عليها دم من قبل، لكنها أخذت لون النبيذ الفاسد. ولم نصرخ، هناك، لأن لا أحد، هناك، ليسمع، أو يشهد.
دلّتني عليك تلك الضوضاء التي أحدثتها نملة بين الخليج والمحيط، حين نجت من المذلة، واعتلت مئذنة لتؤذن في الناس بالأمل،
ودلّتكَ عليّ سخرية مماثلة!
ولما التقينا عرفتُكَ من سُعالك، إذ سبق لي أن حفظته من إيقاع شعرك الأول، يُفزع القطط النائمة في أزقة دمشق العتيقة، ويبعثر رائحة الياسمين.
لم يكن لنا ماض ذهبي على أهبة العودة، كما يدعي رواد المقهى الخائفون من القبض على قرون الحاضر الهائج كالكبش، ولا غد أكيد، خلفنا، كما يدّعي رواد الشعر الخالي من الملح، المتخم بفراغ المطلق.
لم نبحث إلا عن الحاضر.
ولكننا، من فرط ما أهنّا، بشّرنا بالقيامة بصوت مرتفع، أثار علينا غضب الملائكة المنذورين لصيانة اللغة الصافية من غبار الأرض، والباحثين عن الشعر الصافي في جناح بعوضة.ودُعينا، في غرف التشريح معقّمة الهواء والكلام، إلى بتر المفردات كثيرة الاستعمال. وسرعان سرعان ما علاها الصدأ من قلة الاستعمال، وفي أولها: الحياة... ومشتقاتها.
لكننا آثرنا أن نخاصم الملائكة.
ممدوح لا أطيق سماع اسمك الآن، لأنه يذكّرني بما ينقصني من رغبة في الضحك معك على عورة بردى المكشوفة كأسرارنا القومية. ولأنه يذكّرني بمدى حاجتي إلى استراحة من الركض آناء النوم، بحثاً عن حلم مسروق، أراه واضحاً وأحاور السارق. ويذكّرني اسمك بما أنا فيه من طقطقة كأني حبة بلوط في موقد الفقير ليلة العيد.
لهذا، أكتب اسمك ولا ألفظه، ففي الكتابة يتموّج اسمك على ماء الحضور. وفي الكلام أسمع وحش الغياب يطاردني من حرف إلى حرف، ليفترس الشلو الأخير من قلبي الجائع إلى هجائك المادح.
ممدوح! ماذا فعلتَ بك وبنا؟ فلم نعد نحزن من تساقط شعرك المبلل بالزيت، فإنك تستعيده الآن من عشب الأرض. ولكن، في أية ريح أخفيت عنا سعالك، فلم يعد في غيابك مُتسع لغياب آخر.
لا لأن حروف اسمك هي حروف اسمي، لا أتبيّن مَن منا هوالغائب، بل لأن الحياة التي ألفت بين ثعلبين ماكرين لم تمنحنا الوقت الكافي لنقول لها كم أحببناها، وكم أحببنا فجورها وتقواها.. فتركت ثعلباً منا بلا صاحب.
لا جلجامش ولا أنكيدو. لا الخلود هو المبتغى ولا قوة الثور. فنحن الخفيفان الهشان، كواقعنا هذا، لم نطلب أكثر من وقت إضافي لنلعب بالكلمات لعباً غير بريء، هذه المرة، أو لنورث ما لم نقله بعد مَن لم يقل بعد. ولنجعل من الشعر مزاحاً مستحباً مع العدم. لكن حرف الميم الثاني في اسمك واسمي ظل قطعة غيار لا تنفع.
ممدوح! هذا هو وقت الزفاف الفاحش بين الرعد والصحراء، شرق الشمال، لإنجاب الكمأ إعجازي التكوين. صِف لي ولادة الكمأة أصف لك عجزي عن وصف سر القصيدة، فانظر شرق الشمال!
هي حسرة التعريف. أنين الرمل على الشاطئ حين يرفع القمر، بأصابعه الفضية، سروال البحر وقت الجزر، ويرش علينا قصيدة حب إباحية التصوّف.
فاغضُضْ من صوتك، لا من بصرك، وانظر. فمنذ ولادة اللغز الكوني، والشعر مختبئ في أشد المواقع انكشافاً. ويظهر جلياً جلياً في اللامرئي من سماء مسقوفة بكفاءة الغيب.
كل الأزهار شريفة حيث تُترك لحالها، ما عدا القرنفلات الحمر التي يضعها الجنرالات، ما بين وسام ونجمة، على بزة سوداء أو كحلية... لخداع أرامل الشهداء.
وكل اليمامات نظيفة، حتى لو بالت على شرفاتنا والوسائد، ما عدا اليمامات التي يدرّبها الغزاة والطغاة معاً، وعلى حدة، على الطيران الرسمي في أعياد ميلادهم، وفي مناسبات وطنية أقل أهمية.
الآن، لا أتذكّر شيئا منك. فالذكرى تلي الحرب والموت والزلزال. وأنت، ما زلت معي تكتب هذه المرثية، على هذه الورقة البيضاء، في هذا الليل البارد... أو نكتبها معاً لشاعر محبط. فلعلها لا تعجبه فيتوقف عن اغتيال نفسه، إلى أن يقوم غيرنا بكتابة مرثية أفضل، لا تعجبه هي أيضاً، فينتظر غيرها ويحيا أكثر،
كما لو نُودي بشاعر أن انهض من هذا الألم.
وأنسى الآن، لتبقى معي، أكثر من غلسٍ لم يُدركْنا ولم ندركه قبل أن تُفرغ آخر كرم عنب مقطّر في كأسك التي لا تخلو أبداً إلا لتنكسر، أيها العاصر الماهر!
ليس هذا مجازاً، بل هو أسلوب ليل لا يصلح إلا ضيفاً، وأنت المضيف الباذخ. وإن افتأت عليك، كصديق حامض القلب، عاملته بالحسنى وأرقت عليه حليب الفجر.
لكني لا أنسى ضحكتك التي تشبه شجرة زنزلخت مبحوحة الأغصان، عالية وعريضة، لا تاريخ لها منذ صار التاريخ قهقهة عابثة. ومنذ عادت الجرار إلى حفظ الصدى، كالزيت، خوفاً عليه من آثار الشمس الجانبية.
كم حيّرني فيك انشقاق طاقاتك الإبداعية عن مسار التخصص، كعازف يحتار في أية آلة موسيقية يتلألأ. لم أقل لك إن واحداً منك يكفي لتكون عشيرة نحل تمنح العسل السوري مذاق المتعة الحارق. بحثت عن الفريد في العديد، دون أن تعلم أن الفريد هو أنت. وأنت أمامك بين يديك. ألا ترى إليك، أم وجدت نفسك أصفى في تعدّدها، يا صديقي المفرط في التشظي ككوكب يتكوّن.
فصصت الثوم للقصيدة لتحمي شرايينها من التصلب. فالشعر، كالجسد، في حاجة هو أيضاً إلى عناية طبية، وإلى فصاد كلما أصيب الدم بالتلوث. آه، من التلوث الذي جعل الإيقاع نشازاً، واستبدل حفيف الشجر بموسيقى الحجر، واعتبر الحياة عبئا على الاستعارة!
لكن هذا لم يهمَّك. لأن الحياة لا تُوهبُ لتُعرَّف أو تُعرَض للنقاش، بل لتُعاش... وتعاش بكاملها، وتُلتهم كقطعة حلوى إلهية، أو شفتين ناضجتي الكرز. وقد عشتها كما شئت أنت، لا كما هي شاءت. أحببتها فأحبّتك. وشاكست ما يجعلها أحد أسماء الموت، في عصر القتل المعولم الذي يمنح القتلى قسطاً من الحياة لا لشيء... إلا لينجبوا قتلى.
يا ابن الحياة الحر، أيها المدافع عن جمال الوردة العفوي، وحرية العشاق في العناق على مرأى من كهّان الطهارة اللوطيين! مَن بعدكَ سيسخر ممّن يتقنون تسمية الآلهة، ولا يقدرون على تسمية الضحايا؟ يأنفون من الانتباه إلى دم مسفوك على طريق المعراج، ويُسرفون في التحديق إلى غيمة عابرة في سماء طروادة، لأن الدم قد يلطخ نقاء الحداثة المتخيلة، ولأن الغيم سرمدي الدلالات. لعلهم على حق، ما دامت هزائمنا تستدعي تطوير النقد إلى هذا الحد!
لكن هذا أيضا لا يهمك، أيها المتعالي على التعالي، أيها العالي من فرط ما انحنيت بانضباط جندي أمام سنبلة، ونظرت، حزيناً غاضباً، إلى أحذية الفقراء المثقوبة، فانحزتَ إلى طريقها الممتلئ بغبار الشرف. الشرف؟ يسألك المترجم: ما معنى هذه الكلمة؟ فلم أجدها في الطبعات الجديدة من المعاجم.
ممدوح، يا صديقي، لماذا كما يفعل الطرخون خانك وخاننا قلبك؟ لماذا لم تعلم كم نحبك؟ لماذا تمضي وتتركني ناقصاً؟ لماذا... لماذا؟
عاشق من فلسطين
07/03/2005, 16:52
عاشق من فلسطين
عيونِك شوكةٌ في القلب
توجعني... وأعبدُها
وأحميها من الريحِ
وأُغمدها وراء الليل والأوجاع... أغمدها
فيشعل جُرحُها ضوءَ المصابيحِ
ويجعل حاضري غدُها
أعزَّ عليَّ من روحي
وأنسى، بعد حينٍ، في لقاء العين بالعينِ
بأنّا مرة كنّا، وراءَ الباب، إثنينِ!
كلامُكِ... كان أغنيهْ
وكنت أُحاول الإنشاد
ولكنَّ الشقاء أحاط بالشفة الربيعيَّة
كلامك، كالسنونو، طار من بيتي
فهاجر باب منزلنا، وعتبتنا الخريفيَّه
وراءك، حيث شاء الشوقُ...
وانكسرت مرايانا
فصار الحزن ألفينِ
ولملمنا شظايا الصوت...
لم نتقن سوى مرثيَّة الوطنِ!
سنزرعها معاً في صدر جيتارِ
وفق سطوح نكبتنا، سنعرفها
لأقمارٍ مشوَّهةٍٍ...وأحجارِ
ولكنّي نسيتُ... نسيتُ... يا مجهولةَ الصوتِ:
رحيلك أصدأ الجيتار... أم صمتي؟!
رأيتُك أمسِ في الميناءْ
مسافرة بلا أهل... بلا زادِ
ركضتُ إليكِ كالأيتامُ،
أسأل حكمة الأجداد:
لماذا تُسحبُ البيَّارة الخضراءْ
إلى سجن، إلى منفى، إلى ميناءْ
وتبقى، رغم رحلتها
ورغم روائح الأملاح والأشواق،
تبقى دائماً خضراء؟
وأكتب في مفكرتي:
أُحبُّ البرتقال. وأكرهُ الميناء
وأَردف في مفكرتي:
على الميناء
وقفتُ. وكانت الدنيا عيونَ شتاءْ
وقشر البرتقال لنا. وخلفي كانت الصحراء!
رأيتُكِ في جبال الشوك
راعيةً بلا أغنام
مطارَدةً، وفي الأطلال...
وكنت حديقتي، وأنا غريب الدّار
أدقُّ الباب يا قلبي
على قلبي...
يقرم الباب والشبّاك والإسمنت والأحجار!
رأيتكِ في خوابي الماء والقمحِ
محطَّمةً. رأيتك في مقاهي الليل خادمةً
رأيتك في شعاع الدمع والجرحِ.
وأنتِ الرئة الأخرى بصدري...
أنتِ أنتِ الصوتُ في شفتي...
وأنتِ الماء، أنتِ النار!
رأيتكِ عند باب الكهف... عند النار
مُعَلَّقَةً على حبل الغسيل ثيابَ أيتامك
رأيتك في المواقد... في الشوارع...
في الزرائب... في دمِ الشمسِ
رأيتك في أغاني اليُتم والبؤسِ!
رأيتك ملء ملح البحر والرملِ
وكنتِ جميلة كالأرض... كالأطفال... كالفلِّ
وأُقسم:
من رموش العين سوف أُخيط منديلا
وأنقش فوقه شعراً لعينيكِ
وإسماً حين أسقيه فؤاداً ذاب ترتيلا...
يمدُّ عرائش الأيكِ...
سأكتب جملة أغلى من الشُهَدَاء والقُبَلِ:
"فلسطينيةً كانتِ. ولم تزلِ!"
فتحتُ الباب والشباك في ليل الأعاصيرِ
على قمرٍ تصلَّب في ليالينا
وقلتُ لليلتي: دوري!
وراء الليل والسورِ...
فلي وعد مع الكلمات والنورِ.
وأنتِ حديقتي العذراءُ...
ما دامت أغانينا
سيوفاً حين نشرعها
وأنتِ وفيَّة كالقمح...
ما دامت أغانينا
سماداً حين نزرعها
وأنت كنخلة في البال،
ما انكسرتْ لعاصفةٍ وحطّابِ
وما جزَّت ضفائرَها
وحوشُ البيد والغابِ...
ولكني أنا المنفيُّ خلف السور والبابِ
خُذينيَ تحت عينيكِ
خذيني، أينما كنتِ
خذيني، كيفما كنتِ
أردِّ إليَّ لون الوجه والبدنِ
وضوء القلب والعينِ
وملح الخبز واللحنِ
وطعم الأرض والوطنِ!
خُذيني تحت عينيكِ
خذيني لوحة زيتيَّةً في كوخ حسراتِ
خذيني آيةً من سفر مأساتي
خذيني لعبة... حجراً من البيت
ليذكر جيلُنا الآتي
مساربه إلى البيتِ!
فلسطينيةَ العينين والوشمِ
فلسطينية الإسمِ
فلسطينية الأحلام والهمِّ
فلسطينية المنديل والقدمَين والجسمِ
فلسطينية الكلمات والصمتِ
فلسنينية الصوتِ
فلسطينية الميلاد والموتِ
حملتُك في دفاتريَ القديمةِ
نار أشعاري
حملتُك زادَ أسفاري
وباسمك، صحتُ في الوديانْ:
خيولُ الروم!... أعرفها
وإن يتبدَّل الميدان!
خُذُوا حَذَراً...
من البرق الذي صكَّته أُغنيتي على الصوَّانْ
أنا زينُ الشباب، وفارس الفرسانْ
أنا. ومحطِّم الأوثانْ.
حدود الشام أزرعها
قصائد تطلق العقبان!
وباسمك، صحت بالأعداءْ:
كلي لحمي إذا نمت ياديدانْ
فبيض النمل لا يلد النسور
وبيضةُُ الأفعى...
يخبىء قشرُها ثعبانْ!
خيول الروم... أعرفها
وأعرف قبلها أني
أنا زينُ الشباب، وفارس الفرسان!
محمود درويش
عاشق من فلسطين
15/03/2005, 14:54
عن الوطن والمنفى..
الشاعر الفلسطيني محمود درويش يتحدث عن طفولته ووطنه ومنفاه..
محمود درويش فن وثقافة
نقله عن الفرنسية: الياس رفيق الخوري
لما تنته الطريق بعد كي أعلن عن بداية الرحلة.
كل طريق توصلني إلى بداية أخرى، والخروج مثل الدخول مشرّع على المجهول.
كنت في السادسة من عمري عندما رحلت نحو ما لم أكن أعرف. في ذلك اليوم، إنتصر جيش عصري على طفولة لم تكن تعرف من الغرب بعد إلا عطر البحر المالح وذهب الغروب فوق حقول القمح. دافعنا وقتها عن العلاقة الهادئة السرمدية التي تربط الفلاحين الطيبين بالأرض الوحيدة التي عرفوها، الأرض التي ولدوا عليها.
لم تتحول السكك والمحاريث إلى سيوف إلا في قصص الأنبياء. أما سككنا نحن فتكسّرت أمام طائرات ودبابات الغرباء الذين شرّعوا بهذه الطريقة حكاية حنينهم الطويل إلى "أرض الميعاد". لقد تغذّى الكتاب على القوة وكانت القوة بحاجة إلى كتاب.
منذ اليوم الأول رافق الصراع من أجل الأرض غزو للماضي وللرموز. ولبست صورة داود درع جليات، وأمسكت صورة جليات بنقّيفة (مقلاع) داود. ولكن الطفل الذي كنته لم يكن بحاجة إلى من يقص عليه التاريخ كي يعرف طريق الأقدار المجهولة التي دشنت هذه الليلة الرحبة الممتدة بين قرية جليلية وشمال مضاء بقمر بدوي معلق فوق الجبال.
في هذا اليوم، اقتُلع شعب من حاضره الحميم، وفُصل بينه وبين خبزه الطازج كي يتردّى في ماضٍ آت. هناك، في جنوب لبنان، نُصبت لنا خيم هشّة وتغيرت أسماؤنا. ختمونا بنفس الختم فأضعنا تمايزنا وأصبحنا كلنا "لاجئين".
- ما هو اللاجيء يا أبي؟
- لا شيء، لا شيء، لن تفهم...
- ماذا يعني أن تكون لاجئاً يا جدي؟ أريد أن أعرف...
- أن تكون لاجئاً يعني أن لا تكون طفلاً من الآن فصاعداً...
لم أعد طفلاً منذ قليل. منذ أن استطعت تمييز الحقيقة من الحلم، ومنذ أن قدرت على التفريق بين ما يحدث وبين ما حدث منذ سويعات. هل يتحطم الوقت مثل الزجاج؟
لم أعد طفلاً منذ أن عرفت بأن مخيمات اللاجئين في لبنان هي الحقيقة وأن فلسطين، من الآن فصاعداً، سوف تسكن الحلم.
لم أعد طفلاً منذ أن جرحني ناي الحنين، منذ أن كان القمر يكبر فوق أغصان الشجر وأنا تسكنني رسائل العتمة؛ رسائل إلى البيت المربع وشجرة التوت العالية والحصان العصبي والحمام البري والآبار... رسائل إلى خلايا النحل التي كان عسلها يجرحني إلى دربي العشب اللذين يقودان إلى المدرسة وإلى الكنيسة...
- هل وضعنا هذا سوف يطول يا جدي؟
لم أتعلم كلمة "منفى" إلا عندما صارت مرادفاتي أكثر ثراء، فكلمة العودة هي الخبز اليومي للغتنا؛ عودة إلى المكان، عودة إلى الزمان، عودة من المتنقل المتحرك إلى الثابت، وعودة من الحاضر إلى الماضي والمستقبل في آن. عودة من الاستثناء إلى القاعدة، من خلية في سجن إلى بيت من حجر. هكذا أصبحت فلسطين كل ما لم تكن؛ فردوساً مفتوحاً حتى ذلك اليوم الذي تسللنا فيه إلى داخلها من جديد.
يومذاك وجدنا بأن البلدوزارات الإسرائيلية كانت قد محت آثارنا فلم نعثر على أي شيء من ماضينا. حضورنا أصبح منذها جزءاً من آثار الرومان. حرمت علينا الزيارة واكتشف الطفل "أدوات الغياب العتيدة" وطريقاً مشرعاً نحو الجحيم، فهذا كل ما بقي من فردوسه المفقود.
............................
لم تكن بي حاجة لأن يقصّوا علي تاريخي.
لقد عادت المخرجة "سيمون بيطون" إلى مسقط رأسي بعد 50 سنة كي تصوّر بئري الأولى وأول روافد لغتي، فاصطدمت برفض القاطنين الجدد للمكان وسجلت هذا الحوار مع المسؤول عن المستعمرة الإسرائيلية:
- هنا ولد الشاعر...
- وأنا أيضاً ولدت هنا... عندما جاء أبي إلى هنا لم يجد إلا الأنقاض. أقمنا أولاً في الخيام ثم في بيوت حقيرة. لقد عملت طيلة عشرين سنة قبل أن أستطيع بناء هذا المنزل. فهل تريدينني أن أعطيه له؟
- أريد أن أصوّر الأنقاض فقط، ما تبقى من بيته. إنه بعمر أبيك، أولا تخجل من أن ترد هكذا؟
- لا تكوني ساذجة. إنه يطالب بحق العودة.
- هل تخاف من أن يحصل على حق العودة؟
- نعم...
- ويطردك كما طردته؟
- أنا لم أطرد أحداً... لقد أتو بنا في سيارات نقل كبيرة ثم أنزلونا هنا وتركونا لأنفسنا.
- ولكن من هو هذا "الدرويش"؟
- رجل يكتب حول هذا المكان... حول التينات البرية هذه... حول هذه الأشجار وهذه البئر.
- أي بئر؟
- هناك 8 آبار في البلدة... كم كان عمره؟
- 6 سنوات...
- والكنيسة، هل كتب عن الكنيسة؟.... كان هنا كنيسة ولكنها دمرت. وحدها المدرسة تركوها كي تأوي إليها الأبقار والعجول.
- حولتم المدرسة إسطبلاً؟
- ولم لا؟
- صحيح، بعد كل ما جرى، لم لا؟!!!... كان لديهم حصان أيضاً ، ولكن... هل أشجار الفاكهة ما زالت هنا؟
- طبعاً... عندما كنا صغاراً كنا نأكل من ثمارها... تيناً وتوتاً وكل ما خلق الله.. هذه الأشجار هي طفولتي!!!
- وطفولته هو أيضاً...
هذه الأرض لم تكن صحراء إذاًَ، ولم تكن خالية من السكان. هناك طفل يولد في مهد طفل آخر. يشرب حليبه، يأكل توته وتينه، ويعيش مكانه مرتعداً من عودته دون ندم يذكر، ثم يقول لنفسه بأن هذه الجرائم التي ارتكبها الآخرون هي أيضاً من صنع القضاء والقدر. هل يستطيع مكان واحد أن يتسع لحياة مشتركة؟ هل يستطيع حلمان أن يتحركا بحرية تحت نفس السماء؟ هل يستطيعان ذلك دون أن يكون على الطفل الأول أن يكبر بعيداً وحيداً محروماً من الوطن والمنفى لأنه عندما لا يكون هنا فهو ليس هناك أيضاً؟
مات جدي كمداً وهو يرى الآخرين يعيشون حياته. مات وهو يتأمل الأرض التي سقاها يوماً دموع جسده وهو ينتوي أن يخلفها لأولاده من بعده. رائحة الجغرافيا المهشمة فوق حطام الزمان قتلته، فحق العودة من رصيف على شارع إلى رصيف على شارع آخر يقتضي ألفي سنة من الغياب؛ هذا هو الشرط كي تنتسب الأسطورة إلى الحداثة.
بالنسبة لي، سعيت نحو التآخي بين الشعوب، عبر حوار مفتوح في غرفة السجن مع سجّان لا يتخلى عن قناعته بغيابي.
- من تحرس إذاً؟
- نفسي القلقة.
- ما الذي يقلقك أيها السيد الطيب؟
- شبح يطاردني ويصبح أكثر حضوراً في كل مرة أنتصر بها عليه.
- لا شك بأن الشبح هو آثار الضحية على الأرض.
- ليس هناك من ضحايا غيري، أنا هو الضحية.
- ولكنك القوي القادر والسجّان. لماذا إذاً تنازع الضحية المكان؟
- كي أبرّر أفعالي... كي أكون على حق دائماً. كي أصل مرتبة القداسة وكي أفرّ من النوم.
- لماذا تسجنني إذاً؟ هل تظن بانني الشبح؟
- ليس بالضبط، ولكنك تحمل اسمه...
لعل الشعر مثل الحلم، لا يكذب ولكنه لا يقول الحقيقة. لعل الشعر، هذا الجنون الذي يشير إلى العناصر الأولية، ليس إلا ذاكرة الأسماء. لعله ليس لعبة بريئة إلا للذي يضع وجوده في المتراس خلف المكان المصادر والذاكرة المصادرة والتاريخ والأسطورة. لا، الشعر ليس لعبة بريئة لأنه يدل على كائن يجب ألا يكون موجوداً، ولكن المنفى يكبر أيضاً مثل الأعشاب البرية في ظل أشجار الزيتون. على العصفور إذاً أن يحقق اللقاء بين السماء البعيدة وأرض طردت منها فضائلها السماوية. نادرة هي البقاع التي تتمتع بوفر في الجمال كذلك الذي تبوح به أرضنا، أرضنا غير القادرة على إحداث القطيعة الضرورية بين الحقيقة والأسطورة. ليس من حجر هنا، ليس من شجرة لا تحكي تاريخ المواجهة بين المكان والزمن، وإحساسي بعدم رسوخ قدم الغريب يتزايد كلما تزايد الجمال ورسخت قدمه وكنت أنا الحاضر والغائب؛ نصف مواطن ولاجيء كامل.
أبذر شوارع حيفا على خاصرة الكرمل بين الأرض والبحر وأتشوق لحرية لا تتيحها لي سوى القصيدة التي سوف يسجنوني من أجلها.
عشر سنوات... عشر سنوات لا أستطيع بها الخروج من حيفا. ومنذ سنة 1967، منذ أن اتسعت رقعة الاحتلال الاسرائيلي أكثر، فرضوا علي عدم مبارحة غرفتي من غروب الشمس حتى مشرقها، وتسجيل حضوري في قسم الشرطة كل يوم في الساعة الرابعة بعد الظهر.
صادروا ليالي ولم يبقوا بها من خصوصية. كانت الشرطة تقرع بابي في أي وقت تريد كي تتأكد من تواجدي في البيت. لكني لم أكن حاضراً، لقد كنت مجبراً حقاً أن أمضي تدريجياً إلى المنفى منذ أن تداخلت حدود الوطن والغياب في ضباب الشعور. كنت أعلم بأن اللغة قادرة على أن تبني ما تهدم وأن تجمع ما تفرق. وليس من شك بأن "هنا" الشعر، في مرحلة نضجها بين الأفق والسلاسل، كانت بحاجة لتوسيع البعيد.
المسافة بين المنفى الداخلي والمنفى الخارجي لم تكن مرئية. كانت جزءاً من الصورة عندما كان معنى الوطن أصغر من حجمه. وفي المنفى الخارجي استوعبت كم كنت قريباً من البعيد، كم كان "هناك" "هنا".
لم يعد ثمة شيء فردي، فكل شيء يشير إلى المجموع وليس هناك من مجموع، فكل شيء ينحو نحو الحميمية. امتدت رحلتي على طرقات متعددة حملتها على أكتافي مراراً، وهويتي الممنوعة التي تمردت على أي تقليص "للمنفى والعودة" ،كانت في أزمة. لم نعد نعلم من منا الذي هاجر، نحن أم الوطن. والوطن الذي اختار مسكنه فينا رأى صورته تتطور مع نضوج عكسه الذي يخاصمه. كل شيء يُفسّر بعكسه، والنرجس المجروح سوف ينبت بكثرة وعفوية فوق جوانب الطريق.
أخذت اللغة مكان الحقيقة، ورحلت القصيدة في البحث عن أسطورتها عبر تراث الإنسانية، واندمج "المنفى" في أدب التيه، لا ليعطي نار المأساة الشخصية مشروعية ولكن كي يلحق بالإنساني. وهنا لاحقنا الإسرائيليون بزعمهم أنهم وحدهم المنفيون العائدون بينما الفلسطينيون الذين لاقوا مزابل الأرض العربية لا يعانون من منفى. هكذا حُرمت الضحية مرة أخرى من اسمها.
كانت الضحية الوحيدة تمتلك حق خلق ضحيتها الخاصة وأوجد المنفىّ الوحيد منفيّه الخاص.
سوف أجد الفرصة بعد ربع قرن كي أشاهد جزءاً من وطني. غزّة التي لا أعرفها إلا من خلال قصائد "معين بسيسو" الذي صنع منها جنته.
الطريق التي توصل إلى غزّة عبر الصحراء تُغرق المسافر في وحدة لا يقطعها بين الفينة والفينة إلا بعض النباتات الصحراوية، وشجر النخيل الملتهب، ونصب تذكاري مصنوع من هيكل دبّابة، والبحر عن يسارك.
أحاسيسي في ذلك اليوم تنقلت بين البرود العقلاني والارتباك الذي يدرك الفرق بين الطريق وبين هدف الطريق. في العريش أصبح النخل بستاناً على حين غرة، فعرفت بأنني أقترب من هذا المجهول الذي تمنيت أن يبقى مجهولاً. حينها بدأ قلبي يفلت من عقلي وقلت: لنسارع، لنسارع كي نصل قبل المغيب.
- صبراً، صبراً... أجابني وزير الثقافة ورفيقي في الرحلة. صبراً، الوطن على قاب قوسين أو أدنى، والوطن ليس شيئاً غير خفق فؤادك وتوجساتك.
قلت: لعله ليس إلا هذه الليلة التي يحضّر فيها الحلم نفسه كي يتحقق.
لا أحلم بشيء. هنا تبدأ فلسطين الجديدة. حاجز إسرائيلي، سيارة "جيب" عسكرية، علم وجندي يسأل السائق بعربية رخوة: من تقلّ؟
- وزير وشاعر.
أحاذر أن أنظر إلى كاميرات المصورين الباحثة عن فرحة العائدين. كشافات المستوطنات الضوئية واستحكامات الجنود على جانبي الطريق تحرقني، وعندما أعلن عن دهشتي للبتر الجغرافي والخلط الذي يعتور صورة المكان، ينتظر تساؤلاتي جواب حاضر جاهز يقول: غزة وأريحا أولاً، نحن ما زلنا في أول الطريق، في بداية الأمل.
لم يكن مسموحاً لي أن أذهب إلى أريحا، فهل كان لي أن أحلم برؤية الجليل، هويتي الشخصية، من جديد؟
- "يشترط الإسرائيليون عليك لزيارة الجليل شروطاً أخجل من أن أذكرها لك"
هذا ما قاله لي صديقي الكاتب " إميل حبيبي " الذي لم يكن يعلم بأنه سوف يقضي بعد سنتين، وبأن دفنه سوف يعطيني فرصة حزينة لفرحة قصيرة في ربوع فلسطين. يومها أعطوني تصريحاً بالإقامة ثلاثة أيام كي أؤبن صديقي الراحل وألاقي بيت أمي. يومها أكلتني نار العودة وقلت: من هنا خرجت وإلى هنا أعود. ثم رأيت كيف يستطيع الإنسان أن يولد مرة ثانية، وكان المكان قصيدتي.
لم يكن ينقصني شيئاً في نوبة هذه الولادة الجديدة كي أحقق موتي الموعود. ولكني كنت أعلم بأن الحقيقة التي تعرّت من الأسطورة ما تزال بحاجة للماضي وبأن التحرر من الأسطورة ما يزال بحاجة للمستقبل. أما الحاضر فلم يكن إلا زيارة قصيرة يعود بعدها الزائر كي يرحل نحو توازنه الصعب بين منفى مكره عليه ووطن بأمس الحاجة إليه. هنا لا يعارض المنفى الوطن، ولا يكون الوطن عكس المنفى.
لم أعد بعد، والطريق لما تنته بعد كي أعلن عن بداية الرحلة....
العدد (0) - السنة الأولى - شباط/فبراير 2005
عاشق من فلسطين
15/03/2005, 15:08
مشكور كتير حلو
ومؤلم حتى الصميم .. :cry: :cry:
عاشق من فلسطين
10/04/2005, 16:46
لو أن الأنبياء أقل إلحاحاً
وقفة مع محمود درويش في جداريته:
ـــــــــــــــــــــــــ ــــ
د. عادل الأسطة *
توقفت في مقالة إشكالية القراءة.. إشكالية النص: قراءة في سطر شعري لمحمود درويش. (1) أمام دال النبي في شعر الشاعر، وقد لاحظت أن هذا الدال ذو مدلول متغير، يعود تغيره إلى تغير مواقف الشاعر من ناحية، وتغير استخدام الدال نفسه من جماعة إلى جماعة ومن عصر إلى عصر، وآثرت إلى أن درويش نفسه اعتبر الأنبياء جميعهم أهله، ولكنه أحياناً تحدث عن أنبياء يدّعون الكذب، وهذا الحب للأنبياء والتقدير لهم، وهذا التحذير من الأنبياء أيضاً يرد في العهد القديم، فمقابل أنبياء الله الصالحين هناك تحذير من أنبياء كذبة سيأتون ليضلوا كثيراً، وفي ثقافتنا الإسلامية يُعز الرسول e ويجبل، كما يعز أنبياء الله الصالحين ويجبلون، ولكننا في الوقت نفسه عرفنا مدّعي النبوة مثل مسيلمة الكذاب وآخرين، حاولوا تأليف نص أشبه، من وجهة نظرهم، بالنص القرآني.
وقد أتيت في مقالتي "وظيفة الشعر والشاعر"(2) على موقف محمود درويش من دور الشاعر ومكانته والتطور الذي طرأ على هذه خلال الأربعين عاماً الماضية، ومع ذلك، تجدني وأنا أتناول جدارية.(3) لم آت على هذا الجانب بالتفصيل، فالإشارة إلى الأنبياء أو التلميح إلى بعض سلوكهم وأدوارهم تبدو واضحة في النص وضوحاً لافتاً للنظر حيث تغري المرء بمواصلة الكتابة عن هذا الجانب، سوف أقف، ابتداءً أمام المواطن التي أشير فيها إلى النبي والأنبياء وأحصيها، لأتناول بعضها بالشرح والتفسير.
ترد مفردة نبي ورسالة وأنبياء ومسيح في الفقرات التالية:
1- سأصير يوماً كرمة،
فليعصرني الصيف منذ الآن،
وليشرب نبيذي العابرون على
ثريان المكان السكري!
أنا الرسالة والرسول
أنا العناوين الصغيرة والبريد (ص14)
2- غنيت كي أزن المدى المهدور
في وجع الحمامة،
لا لأشرح ما يقول الله للإنسان،
لست أنا النبي لأدّعي وحياً
وأعلن أن هاويتي صعود (ص 22)
3- كنا طيبين وزاهدين بلا تعاليم المسيح (ص 39)
4- كنا طبيعيين لو كانت نجوم سمائنا أعلى قليلاً
من حجارة بئرنا، والأنبياء أقل إلحاحاً، فلم يسمع مدائحنا الجنود (ص 40)
5- خضراء، أرض قصيدتي خضراء
ولي منها التشابه في كلام الأنبياء (ص 41)
6- لم نأت ساعتنا. فلا رسل يقيسون
الزمان بقبضة العشب الأخير. هل استدار؟ ولا ملائكة يزورون
المكان ليترك الشعراء ما فيهم على الشفق الجميل (ص 46)
7- باطل، باطل الأباطيل… باطل كل شيء على البسيطة زائل