في نقد العلمانية والديمقراطية أو مشكلتا الدين والدولة: ياسين الحاج صالح 4
إن العلاقة بين الدين ولا إكراه علاقة ضرورية، حتى لو لم يقررها القرآن. وأن يكون القرآن قرر ذلك بعبارة صريحة، أمر يسهل إصلاح الدين لو كان يحدونا الرشد، لو كنا ننحاز للمعقول المفتوح لا للهوية المغلقة، وللإيمان لا للسلطة. الإكراه، لا بأس بتكرار، هو باب اللادين، الدولة أو ما شئت. و"لا إكراه"، تكرارا أيضا، هو المضمون الجوهري للإصلاح الديني الإسلامي. أو إن هذا يتمثل في طرد الإكراه، بمعنييه العقلي (تقريرات تعسفية) والجسدي (عنف..)، خارج الدين (مع العمل على أن حصر الإكراه الجسدي بيد الدولة). فحيث الدين لا إكراه، وحيث الإكراه لا دين. في الإسلام دولة؟ نعم. لكن الدولة هذه ليست في دين الإسلام، بل في دنيا المسلمين. والفصل التحليلي والعملي بين دول إسلام محتملة (= دول أكثر سكانها مسلمون) وبين دين الإسلام ضرورة عقلية ودينية وسياسية معا. فالدين ثابت والدولة متغيرة، وهي تنضبط بقواعد المصلحة والحكمة البشرية ومقتضيات التاريخ والأوضاع الدولية الدنيوية. وهي لا تستطيع أن تزامن عصرها دون أن تنفصل عن الدين، أما هذا فيفقد ماهيته الإيمانية إن اندرج في الزمانية (ما يفقد البشر رصيدا متعاليا على التاريخ لا غنى لهم عنه في الشدائد، والشدائد جوهرية في التاريخ والمصير البشري). "وصل" الدين والدولة يعني خلط المتعالي والدنيوي، والأبدي بالزمني، والهداية بالإكراه. وهذا فساد لهما معا.
ويتراءى لنا أن الإصلاح الديني الإسلامي، بهذا المعنى، يقتضي قيام مؤسسة دينية إسلامية مستقلة، تضع حدا للتبعثر الديني، وتضمن للمسلمين مرجعية تنظم حياتهم الدينية، وتخفف الضغط على الدولة من أجل تنظيم شؤونهم. بل ونحدس أن استقلال الدين عن الدولة يقتضي استقلاله بأمره، أي سيادته في مجاله وقيام سلطة تدير شؤون الإيمان وشرائطه العبادية والسلوكية والاجتماعية، وتشرف على الشؤون الدينية للمؤمنين. أي أن قيام سلطة دينية موحدة ومستقلة هو استخلاص منطقي من استقلال الدين عن سلطة الدولة. هذا بينما نلاحظ اليوم أن استتباع الدين سياسيا، أي إلغاء استقلاله عن الدولة، يقود إلى تبعثره كدين وفقدانه للنواة الصلبة الحية التي تماسك حولها، أي زوال استقلاله بنصاب يخصه. ثم إن قيام سلطة دينية مستقلة هو ما يمنع في آن إعادة استتباعه ويقف في وجه مطامحه السلطوية السياسية.
بكلمات أخرى، تبدو لنا العلاقة بين الفصل بين الدين والدولة وبين تكون سلطة دينية مستقلة علاقة اقتضاء متبادل. لا هذه، إذن لا تلك، والعكس بالعكس.
ومن شأن انفصال الدين عن الدولة، إن لم يترافق لسبب ما (فصل قسري مثلا) مع تكون قوام ديني متماسك ومستقل، أن يبقي هذا الانفصال عكوسا، وأن تبقى الثقافة "اتصالية". ونتصور كذلك أن من شأن تكون سلطة دينية مستقلة أن يشجع انفصال الدين عن الدولة. أي أننا نتصور أن العلمنة في الإسلام الشيعي أسهل منها في الإسلام السني بسبب وجود ما يقارب سلطة دينية مستقلة في الأول.
***
لكن كيف ستقوم هذه السلطة الدينية؟ ومن سيعمل على قيامها؟ وأين؟ في النطاقات الوطنية القائمة أم في العالم الإسلامي ككل؟ السني والشيعي؟ أسئلة مهمة، لكنها ليست ضرورية في هذه المناقشة.
ندلي هنا بثلاث ملحوظات تتصل ضرورة قيام سلطة/ سلطات دينية في بلداننا (ننحاز مبدئيا إلى انحصار هذه السلطات في الأطر الوطنية القائمة): (1) لا نرى ما يمنع ذلك إسلاميا. كان النجاح الدنيوي السريع لـ"الإسلام" قد أغناه عن تطوير مؤسسة دينية مستقلة. لكنه بالمقابل حول مركز ثقله إلى الدنيا، وفي قلب هذه "الدولة"، التي كانت تعني "دورا" لاعتلاء الدنيا ("لجلب الدنيا إلى الرؤساء" في عبارة أبي العلاء)، في دهر قُلَّب لا أمان له ولا دوام فيه. فرز الإسلام عن الدولة من شأنه أن "يضطره" إلى إقامة سلطة أو مؤسسة دينية مستقلة. (2) هذا جيد أيضا لمجتمعاتنا، قد يساعدها قيام مرجعية دينية مستقلة على أن تغدو مجتمعات فيها سلطتان وحصانتان، فتغدو مجتمعات ثنائية القطب، أي أكثر توازنا، وأكثر تماسكا وممانعة للسقوط إن انهارت النظم الحاكمة؛ أقبل من ثم للدمقرطة. (3) وهذا ليس ممتنعا تاريخيا أيضا. تغيرت المسيحية بعد أن انقضى من عمرها أمدا يزيد على عمر الإسلام حتى يومنا.
متكلما على العلمانيين، يقول الشيخ القرضاوي: "يريدون تجريد الإسلام من السلطة الزمنية، وهو ليس فيه سلطة دينية، كالمسيحية، فمعناه: أن يبقى ضعيفا لا سلطة له لا في الدولة ولا في الدين". المشكلة حقيقة. وقيام سلطة دينية إسلامية قد يكون جوهر الحل.
***
قلنا إن سبب كون العلمانية إيديولوجية في ديارنا ليس غياب سلطة دينية، بل هو عدم تبين اشتباه أو اختلاط الدين كقاعدة لهذه السلطة، وكذلك الغفلة عن واقع استتباعه من قبل سلطات الدول. كذلك ليست الديمقراطية إيديولوجية لأن الدولة في بلادنا ليست مستبدة، بل لأنها ليست دولة. إنها سلطة خاصة (ضد عامة)، مزاجية (ضد مؤسسية)، جهازية أو أداتية (بلا شخصية ذاتية، وضد "أخلاقية" بالمعنى الهيغلي للكلمة). هذا ما تشوشه الفكرة الديمقراطية الرائجة بميلها إلى رؤية سلطة الدولة من منظور تقليصها لا من منظور ضبطها. من جهتنا، نميل إلى أن الديمقراطية تقتضي مزيدا من السلطة في تصرف الدولة لا العكس. ديمقراطية في ظل الندرة السلطوية هي باب للفوضى أو الانقلابات. نميل كذلك إلى أن الدول لدينا عنيفة ووحشية لأن سلطتها هزيلة وغير مستبطنة. في المدرسة والشارع ، في المشفى الحكومي وحتى في دوائر الدولة، في كل مكان خارج البيوت، السلطة واهنة أو حتى غير موجودة. الدولة تظهر كثيرا كقسر، أي كسلطة محض، لأنها غائبة كانضباط وقانون. إصلاح الدولة يقتضي تطوير آليات الانضباط الذاتي وحكم القانون. هذا بدوره يقتضي تطوير البعد الأخلاقي للدولة. ما يشترط بالضرورة استقلال الدولة واستبطانها للمبدأ الأخلاقي (المساواة والحرية)، الأمر الذي لا توفره الدولة الدينية (والعقيدية، حتى لو كانت عقيدتها ضد الدين) لأن مبدأها خارج عنها، ولأنها دولة أداتية فحسب. استقلال الدولة بالسلطة العامة، إذن، لا يقتضي التقليل من سلطتها، بل بالعكس زيادتها وشمولها كل حيزات المجتمع، وإن كان شكلها يتغير من القمعي البراني إلى الانضباطي الجواني. إن الدولة الديمقراطية هي "دولة شمولية"، تحترم حرية الأفراد واستقلالهم السياسي.
وبهذا المعنى الوفرة السلطوية شرط للديمقراطية ولاستقلال الدولة، بمعنيي كلمة استقلال: استقلالها عن غيرها، واستقلالها بـ"مادة" خاصة بها، السلطة العامة. ولعل استقلالها بمادتها يشرط استقلالها عن غيرها، كما أن استقلال ما هو ديني يشرط قيام سلطة دينية مستقلة، وهما معا يشرطان استقلال الدين عن الدولة.
***
وزبدة القول إن استقلال الدين وتمحوره حول الإيمان واللاإكراه هو أساس حل مشكلتنا الدينية التي تزداد تعقيدا. وهو ما سيقتضي قيام مراكز دينية إسلامية مستقلة. العلمانية تكاد تغدو هنا تحصيل حاصل. وإن كان للدعوة العلمانية أن تسهم في مقاربة المشكلات العربية اليوم، فربما من خلال تقوية شخصية الدين لا العمل على إضعافها. كما أن قيام الدولة كمركز لتراكم السلطة ومقر للعمومية الاجتماعية هو أساس حل مشكلتنا السياسية. وهنا الديمقراطية تغدو أسهل نسبيا. إذ أن توزيع السلطة الوفيرة عكس توزيع السلطة الشحيحة، أمر ممكن.
في الختام، هذه المقالة جهد أولي من أجل تنظيم التفكير في شأن الدين والدولة والعلاقة بينهما. وهو جهد يعاني من فجوات كثيرة، إن على مستوى التحليل الأساسي وضبط المفاهيم، أو على مستوى إغناء التحليل بمعلومات وأمثلة وتفصيلات وشواهد ربما تعززه، أو تعدله. الأرضية الواقعية لهذه المقاربة هي سورية عام 2007، لكننا نظن أنه الإصلاح الديني والسياسي، العلمانية والديمقراطية، كلها غير ممكنة في بلد واحد. إنها قضايا عربية، وإسلامية.
يبقى أنه سيلزم الكثير من اجتهاد العقل والقلب لتطوير مقاربة أنضج. المهم ألا نجزع، وألا نستعجل، وألا نيأس.
"الرأي / خاص"
جون دارننك _سابقا_ **********
--------------------------------
dont ever kick sleep lion
|