عرض مشاركة واحدة
قديم 19/09/2009   #15
شب و شيخ الشباب Nasserm
عضو
-- زعيـــــــم --
 
الصورة الرمزية لـ Nasserm
Nasserm is offline
 
نورنا ب:
Aug 2009
المطرح:
نقطة زرقاء باهتة
مشاركات:
998

افتراضي


10.


أمضى إخاد يوماً كاملاً في البحث عني... كنت أرى لهاثه في الماء... وأعرف أنه يدوّر عينيه في كل حارة ومقهى.. يمشي كناسك، أو كرحالة أو كمكتشف... يريد أن يراني هذه المرة لسبب جديد.. وطارئ.

* * *

ـ ألو ..
ـ ألو ..
ـ السلام عليكم ..
ـ وعليكم السلام ..
ـ كيف الحال ؟
ـ ماشي ..وأنت ؟
ـ أنا بخير ما دمتم بخير.. لماذا لا تسأل عني ؟
ـ أنت لا تجيب على اتصالاتي... اتصلت بك مرتين ..
ـ كنت محتجزاً...
ـ محتجزاً !!
ـ نعم
ـ أين ؟
ـ عند قوات التحالف.. عند الأميركيين..
ـ ماذا تقول ؟! كرّرْ ما قلت ..
ـ سأرسل لك السيارة.. وأقول لك كل شيء.. أين أنت ؟..

* * *

ـ أنا مضطر للذهاب إلى هناك ..
قال ذلك إخاد، وهو يمسح عرقه عن جبينه.. وتذكّر ...
ـ هذا أيضاً جبين يا جبين.. ولكنه جبين متصبّب.. متفصّد.. كان نبيكم محمد يتفصّد جبينه عرقاً حين يستقبل البث الإلهي.. الوحي ...
ـ إلى أين ستذهب ؟
ـ إلى هناك ...لا أريد ذلك ..ولكن يجب أن أذهب ..هناك ما ينتظرني هناك ...لا أعرف بالتحديد ماذا يجب أن أفعل هناك.. ولكن هناك ما ينبغي أن أفعله..
ـ وهل ستترك دمشق؟
ـ لست أنا من يتركها... هم يبعدونني عنها...
ـ من هم ؟
ـ الجميع..
ـ وماذا تريدني أن أفعل ؟
ـ أنا أعرفك منذ سنوات.. وأنت صديقي الوحيد... أرجو أن تتفهّم ما سأقوله لك.. أريد أن أترك عندك ما لديّ... وديعة... ستعيدها إليّ حين أعود..أولاً..هذا المفتاح ...مفتاح بيتنا ...لن أبيعه ولن أوكّل الجاجاتي رئيس الطائفة به... سأتركه عندك.. بإمكانك أن تسكن في البيت..ويمكنك أن تتركه إذا شئت كما هو حتى يحصل أي شيء.. ولكن لا تسمح لأحد بالدخول إلى البيت والعبث به وبمحتوياته..
ـ وثانياً ؟...
ـ ثانياً ...ستذهب معي لنسدّ الفتحة التي تؤدي إلى السرداب... لم يعد هناك من يعرف بأمرها سوانا... بعد رحيل البنتين...
ـ إخاد.. أنت تعرف أن أمراً كهذا سيجعل مني شخصاً... آآ.. وما الذي سأفعله بحملٍ كهذا ؟ مفتاح بيت يهودي في قلب دمشق... الله الله... زائد... سرٌّ بدفن مخطوطاتٍ وكتب وأدوات في قبو حجري عمره خمسة آلاف عام ؟ هل أنت بوعيك الكامل؟!
ـ وما الذي سيحدث يعني؟ لا شيء... الأمر بيننا.. أنا لن أخبر أحداً وأنت لن تفعل...
ـ وما أدراك أنني لن أفعل...؟... هل تتوقع مني أن أجلس هكذا صامتاً وفي جعبتي حكاية كهذه؟ ... ثم لماذا لم تفعل كما فعل جيرانك.. أغلق الباب وضع له قفلاً كبيراً من الحديد.. وارحلْ.. وافعل ما شئت ببيتك قبل ذلك... أغلق فتحة.. افتح باباً.. هدّم حائطاً... ما ضرورتي في سيناريو من هذا النوع؟
ـ أنا أرى أن الأمر ضرورياً... أرجوك... لبِّ لي هذه الرغبة...أرجوك...
ـ لا تفعل ذلك... لست مضطراً لرجائي... ولكن لا تعتبره سرّاً بيننا..قد يحدث أي شيء وأبوح به بكل بساطة...
ـ حسناً.. أثق بك.. وأثق حتى بخياناتك وأعرفها جيداً.. هيا بنا ..
ـ إلى أين ؟
ـ إلى الحارة ...

* * *

العبقري الآخر ينتظرني في مكان ما... تأخذني السيارة الجديدة من طراز ألتيما، إلى حي شعبي... تدخل في الحارات والشوارع الطينية.. رائحة الفقر تفوح من المكان... وقد أصبحت جدران البيوت بلا طلاء.. مجرّد بلوكات متراصة بشكل فوضوي... أجلس في الخلف.. أدخّن سيجارة ثالثة... والموسيقى التي يضعها السائق هذه المرة هي مقطوعات (ياني) المدهشة!!.
نصل إلى الموقع المطلوب، بيتٌ من ثلاثة طوابق، بمساحة غرفتين فقط، وطابقين يصعدان على ظهره الغرفتين، يقول لي السائق أن أتفضل.. وأدخل قبله من الباب الضيق، نصعد الدرجات إلى الأعلى.. إلى السطح المكشوف المسوّر... أكثر من مائتي شخص يجلسون على الأرض.. وفي صدر المكان يجلس محمد شوق بأناقته حديثة العهد.. وموبايلاته الثلاثة التي يعبث بها على الوسادة التي يضعونها أمامه، ينهض فينهض معه المائتان.. يستقلبني معانقاً، فترتسم الابتسامات على وجوه الجميع.. وانحناءات الرؤوس المحيية، بلحاها التي تتجه إلى الأسفل كالمقرنصات القديمة.... جلست قرب الشيخ البوستموديرنيستي.... تابع حديثه :
(ولذلك أفتيتُ بعدم جواز الاشتراك بالأحداث العراقية... هذا شأن يخصّهم... وجهادنا يكون في مظاهر أخرى من حياتنا...)
رفعتُ حاجبيَّ وأنا أسمع... إنه يغيّر أقواله، لا بأس... لنسمع ما سيقول..
( هل لدى أحدكم أية أسئلة ؟)
ينهض رجلٌ في أواخر الخمسينات من عمره، مستأذناً بطرح سؤال.. يأذن له محمد شوق بإشارة مستخفّة من يده...
( مولانا... ما حُكْمُ التعامل مع الذين كفروا؟ .. سواء من أهل الكتاب.. اليهود والنصارى أو من غيرهم؟)
يقطّب محمد شوق حاجبيه... ويجيب بصوت رخيم دون أن ينظر حتى إلى من طرح السؤال..
( من أنت حتى تقول الذين كفروا؟ من أنت حتى تسمح لنفسك بتكفير الناس؟ ...لا يحقّ لمسلم أن يكفّر مسلماً... ولا يحق أيضاً لأحد أن يتهم الذين أوتوا الكتاب من اليهود أو النصارى بالكفر.... إنهم مثلنا.. ولكنهم على دينهم.... ينحرف بعضهم كما تعلمون... ولكن هناك فئة منهم على المحجّة البيضاء ما زالت...)
قلت في نفسي إن هذا الرجل جنّ بكلّ تأكيد... إنه يتغيّر كليّاً.. ليست هذه طروحاته عندما كان يعرض للمصلين سيديّاتٍ تصوّر كيف يتم تمزيق لحم المسلمين في باتشيه في إندونيسيا... ليس مجنوناً... هذا رجلٌ آخر؟..يتابع كلامه...
( اسمع يا أخي... ورد في الحديث الشريف أن الرحمن بعد أن يحاسب البشر كلّهم... يشفّع في أهل النار الأنبياءَ.. فيُخرج بشفاعتهم من النار أناساً ويدخلهم الجنة، ثم يشفّع الملائكة فيخرج بشفاعتهم أناساً ويدخلهم الجنة... ثم يحثو بيده في النار ثلاث حثوات... ويمكنكم أن تتخيلوا حثوة الرحمن... وهو يدخل يده في رماد جهنم وجمراتها الهائلة.. ويخرج خلقاً ويدخلهم الجنة... يُكتب على جباههم عتقاء الرحمن.. وما أدراكم.. أنه برحمته قد يُخرج البشر كلّهم من النار فلا يبقى فيها أحد؟... كيف تقول كافرين؟ ...استغفر الله يا أخي.. ولا تكفّرْ أحداً )
ليته كان صادقاً... وليت هذا الكلام يقال كل لحظة، إنه ينهض الآن.. ينهضون معه... قومةَ رجل واحد... أنهض أنا أيضاً... نخرج إلى السيارة من جديد... يودّعونه ويودعونني معه دون أن يعرفوا من أكون، نجلس في المقعد الخلفي وينطلق بنا السائق... بعد شوارع قليلة.. يطلب محمد شوق من سائقه أن يذهب إلى بيته.. يقول إنه يودّ أن يقود السيارة بنفسه... نغيّر جلستنا... ونبقى هو وأنا وحدنا...

* * *

أدخل في المدار الخامس... في لون جديد... في منطقة زمنية مختلفة.. في رحلة تبدأ الآن... بلا أية حركة... يبدو الأمر وكأنه تحولٌ.. أو انبثاقٌ جديدٌ لفكرة.. ورغبة... وشكل جديد... قسوة من نوع آخر... أحلام مختلفة... ومعايير مختلفة.. قيم جديدة... هواجس جديدة... كوابيس جديدة... لغة جديدة... كل شيء يتغيّر...

* * *

ـ كنتُ في طريقي إلى شمال إفريقيا، وتوقفتْ طائرتي في إحدى العواصم، لا أريد أن أذكرها لك الآن.. حتى لا تندهش أكثر... وقد....
ـ كيف لا تريد أن تذكرها لي الآن؟ ..وماذا سيحدث إذا ذكرتها؟
ـ حسناً.. حسناً لا تغضب.. إنها الرياض..
ـ ok..
ـ كان التوقف مؤقتاً.. وكنا سنُكمل الرحلة بعد قليل.. ولكنهم أنزلوني من الطائرة وقالوا إنني يجب أن أرى الضابط المسؤول عن أمن المطار.. بعد دقائق جاء الضابط.. وقال.. دكتور محمد شوق.. أرجو أن لا تكون متضايقاً ولكن يجب أن نجري بعض التحقيقات...
ـ ولم تتابع الرحلة..؟
ـ طبعاً لا.. أخذوني إلى أحد المقرّات الأمنية... وهناك عرفتُ أنني على قائمة المطلوبين... وبالتالي فقد وقعتُ.. وانتهى الأمر، نُقلتُ إلى سجن الحاير قرب الرياض.. وقال لي مدير السجن.. يا شيخ.. يجب أن تعلم بشيء حتى لا تتدهور حالتك النفسية.. من يدخل هذه الأيام إلى سجن الحاير... لا يخرج سوى إلى أحد مكانين اثنين فقط... قلت وما هما ؟ قال إلى قبره....أو .. إلى غوانتانامو!!

* * *

إنه ابنُ الشيطان... كما أنه أيضاً ابنُ الإنسان... وما الذي قد يفيده خياره ذاك أو خياره هذا؟
ليست لعبة اختيار... ولكن يتذكر الواحد الفكرة... الشاذلي الكبير...
(كُنْ مع الاختيار واخترْ أن لا تختار )... هذا متعِبٌ جداً ...
متعبٌ... وغير طبيعي.

* * *

موسم جديد من الأفكار.. هذا العام أصبحت اللعبة مختلفة.. ولكنها أكثر إمتاعاً... من نحن حتى نكتفي بما نعرف؟
هذه الليلة سيحدث شيء مثير.... قبل الفجر... قبل الشمس.

* * *

إخاد حضّر كل شيء.. لوحاً رخامياً بمساحة مترين... كلس واسمنت ومسامير ضخمة ...أدوات ...وكان أيضاً يتكلم وهو يعمل ...
ـ كان يهود دمشق معتادين على إخفاء مخطوطاتهم ووثائقهم في قبّة في جوبر.. أيام زمان... وكانت القبة مفتوحة من الأعلى فقط ...الآن لا يمكن فعل ذلك.. أصبح الاعتداء على الخصوصيّة عادة مألوفة.
ـ ولكن أين ذهبت مخطوطاتكم التي تقول إنها خبئت في قبة جوبر...؟
ـ لم تذهب إلى أي مكان... موجودة حتى يأتي وقتها..
ـ إخاد... دعني أساعدك.. هذا اللوح الرخامي ثقيل...
ـ نعم... هو وما خلفه الآن...

* * *

ولمّا كان على اليهودي أن يخرج من عالمه المألوف، تراءى له أنه يجري في ممرٍّ قديمٍ بين أحجار قديمة، ولمّا كان عليه أن يترك كل ما لا يمكن حمله إلى هناك، لم يحمل معه سوى مخطوطاته العتيقة التي دوّنوا عليها ما سيحدث هنا وهناك وفي كل الأمكنة.

* * *

دفعتُ اللوح مع إخاد، وأغلقنا النافذة التي تفضي إلى العالم المرصود، الذي سيعودون إليه حين تشاء أقدارهم ومواقيتهم.

* * *

ـ تم استبدالي بأربعة وثلاثين من خيرة المجاهدين..
ـ من الذي استبدلك؟
ـ الطرفان
ـ الطرفان!!
ـ و...عدت.. وها أنا ذا أمامك الآن... والآن؟ ...ماذا سنفعل؟
ـ ماذا سنفعل بماذا؟!
ـ كيف سأصبح نجماً من جديد؟!

* * *

لم أعد أطيق التحضيرات التي اتخذها أبطالي لإغلاق الدائرة، ولا أريد أن أتدخل أكثر، إنهم يسألون عن المصائر، وكأنهم بلا وعود مسبقة، بلا خطة مرسومة، و يسبحون في الماء الذي يروي عنهم ما يروي.
ليندا الوحيدة التي ما زالت تمسك بالورقة التي لا تتمزق، وتفعل أشياء كثيرة وهي تساعد الطبيب في العيادة السفلية، أشمّ رائحة رجالٍ كثيرين كلما اقتربت مني، وأشعر أنها في مسارها تتآكلُ كيهودية تتقدّم بها السنوات، إخاد سيختفي الآن... والشيخ المتحوّل سيختفي هو الآخر في أطوار أخرى... نور لا ترقص على الماء... وليلُ حارة اليهود يزداد هدوءاً ووحشة وتشتعل بيوته القديمة بالأسرار واللعنات.

* * *



ربما كان عدم الاتفاق أقصر مسافة بين فكرين. (جبران النبي)
  رد مع اقتباس
 
Page generated in 0.07286 seconds with 10 queries