النظرية الشكلية في النقد الأدبي
يكاد يجمع مؤرخو الحركة الشكلانية أن البدايات الأولى للشكلانية الروسية بدأت حينما نشر " فكتور شكلوفسكي " مقالته عن الشعر المستقبلي عام 1914 تحت عنوان " انبعاث الكلمة ". أما الانبثاق الفعلي لهذه الحركة فقد جاء نتيجة للاجتماعات والنقاشات ومنشورات جماعتين من الطلاب، الجماعة الأولى أطلق عليها " حلقة موسكو اللغوية "، تأسست عام 1915، وكانت اهتماماتها بالأساس لغوية ، حيث وسعت نطاق اللسانيات لتشمل اللغة الشعرية، ويعد رومان جاكبسون أبرز منظري هذه الحلقة.
أما الجماعة الثانية فقد أطلقت على نفسها اسم " جمعية دراسة اللغة الشعرية " عام 1916 ببطرسبورغ، كانت تتكون من طلبة يهتمون بالأدب، وما كان يوحدهم هو ضجرهم من إشكال الدراسة الأدبية السائدة، بالإضافة إلى اهتمامهم بحركة الشعراء المستقبليين، ويعد فيكور شكلوفسكي وبوريس ايخنباو أهم منظري هذه الحلقة.
لقد اعتبر الشعر المستقبلي كخلفية جمالية انطلقت منها آراء الشكلانيين الروس في تحديدهم لمفهوم الأدب والشعر، حيث أن " المستقبليين كانوا لا يختلفون عن الرمزيين في موفقهم العدائي من الواقعية، فشعار " الكلمة المكتفية بنفسها " الذي تبناه المستقبليون كان يعني التركيز على التنظيم الصوتي المستقل للكلمات، بوصفه شيئا يتميز بذاته عن قدرة الكلمات على الإشارة إلى الأشياء.
لقد الهم هذا التصور المستقبلي مفكري حركة الشكلانين الروس ليهتموا بالصوغ التقني للكاتب ومهارته الحرفية. مما أضفى على نظريتهم طابعا راهنيا، وذلك لارتباطهم بمدرسة ظهرت في مطلع القرن العشرين، كحركة في الرسم ثم انتقلت إلى الإبداع الفني والأدبي واعتبرت كتمرد ضد الفن المتحذلق الذي تطغى فيه الكلمات الفضفاضة والسطحية والابتذال ، مركزين اهتمامهم على الملموس من الحياة اليومية المعاصرة ، وتفجير الشكل الفني والبحث عن لغة فنية جديدة.
كان هم الشكلانين هو إرساء دعائم الدراسة الأدبية على قاعدة مستقلة. حيث حولت مركز الاهتمام من الشخص إلى النص. فكان السؤال الأول بالنسبة لهم ليس " كيفية دراسة الأدب، وإنما الماهية الفعلية لموضوع بحث الدراسة الأدبية .
فأولى خطوات المنهج الشكلي هو تحديد الموضوع، لان هذه العملية هي التي ستتحكم في تحديد النظرية. لقد انطلقت الشكلانية من استبعاد كل التعريفات التي تحدد الأدب باعتباره محاكاة وتعبـــــيرا أو تفكيرا بالصور. لان هذه التعريفات تغفل خصوصية السمات الأدبية. لذا، فان التعريف المقترح للأدب سيركز على أسس فارقية، فالأدب يتكون " ببساطة، من الفرق بينه وبين نظم الواقع الأخرى. ويتبين في الحقيقة أن موضوع علم الأدب ليس موضوعا على الإطلاق وإنما مجموعة من الفروق . ويصبح مفهوم التغريب هو الأداة الإجرائية لتحديد الطابع الفارقي، بحيث يصير الأدب مضادا لكل معتاد. يزيل أقنعة الألفة عن الأشياء فتصبح غريبة تثير فينا الإحساس بالحياة. فالأمر شبيه بالمشي والرقص، حيث أن الأول لا نحس به، لأنه مألوف بالعادة ، أما الثاني فيجدد إحساسنا بحركات المشي.
إن مهمه النظرية الشكلية هي تحليل الفروق المتعارضة بين اللغة العملية - لغة التواصل اليومي - واللغة الشعرية. إذ يستحيل تعريف الشعر من الداخل فليس هناك مواضيع شعرية أصيلة، ففي العصر الحديث تراجعت المواضيع الشعرية للشعر الرومانتيكي (مثل ضوء القمر - البحيرات - العنادل - القلاع ... ) أمام أكثر المواضيع ابتذالا، وبالمثل فلا يمكننا رسم معالم الشعر كمجال محدد للتحليل إلا من خلال مقارنته بما ليس شعرا.
فما هو الأساس الذي سيبنى عليه تحديد الموضوع ؟
يطرح جاكسبون السؤال الماهوي التقليدي ما الشعر ؟ فيجيب إنه " ينبغي لنا إذا أردنا تحديد هذا المفهوم أن نعارضه بما ليس شعرا، إلا أن تعيين ما ليس شعرا ليس اليوم، بالأمر السهل . إن هذا الإشكال المطروح من طرف جاكسبون يستضمر تاريخيا طويلا ساهم في تشييد نظرية حول استقلالية الأدب بموضوعه، فقد كان الأدب منذ القديم جزءا من موضع خطابات نظرية مختلفة، كالخطابة التي تضمنت بطريقة ما بعض مظاهر الأدب الموجودة فيها، ونظرية التأويل التي اهتمت بالنصوص المقدسة وكانت تناقش البنيات اللفظية الموجودة في الأدب كالرمز والمجازات الشعرية والتأمل حول الأجناس الأدبية ثم أخيرا ظهور فكرة وحدة الفن التي سيبلورها علم الجمال.
إن هذه التطورات لم تسفر عن تأسيس مفهوم للأدب إلا أنها مهدت الطريق لظهور هذا المفهوم، فمفهوم الأدب لم يأخذ استقلالية إلا " مع حلول النزعة الرومانسية (الألمانية)، وسيكون ذلك بداية نظرية الأدب بالمعنى الدقيق. (وبدون تحفظ هذه المرة). لقد توقفت مفاهيم التمثيل والتقليد عن دورها المهيمن لتعوض في قمة الهرم بالجميل، وكل ما ارتبط به من غياب الغائبة الخارجية والانسجام المتناغم بين أجزاء الكل وعدم قابلية العمل للترجمة، كل هذه المفاهيم اتجهت نحو استقلالية الأدب، وأفضت إلى تساؤل حول مميزاته الخاصة.
إن حركة الشعراء المستقبلين في روسيا، وكتابات الرومانسيين الألمان ستوجه اهتمام النظرية الأدبية نحو التركيز على جانب الانسجام الداخلي للنصوص الأدبية، وستفسح المجال للإعلان عن ميلاد علم للأدب، منذ أن طلق جاكبسون عام 1919 قولته التي أصبحت فيما بعد كبيان يختزل عمل الشكلانين والشعرين والبنيويين حيث قال " ليس موضوع علم الأدب هو الأدب وإنما الأدبية أي ما يجعل من عمل ما عملا أدبيا . فما المقصود بالأدبية ؟ يجيب تودوروف في كتابه الشعرية عن تحديد هذا المفهوم المركزي بقوله " ليس العمل الأدبي في حد ذاته هو موضوع الشعرية، فما تستنطقه هو خصائص هذا الخطاب النوعي الذي هو الخطاب الأدبي، وكل عمل عندئذ لا يعتبر إلا تجليا لبنية محددة وعامة، ليس العمل إلا إنجازاتها الممكنة ولكل ذلك فان هذا العلم لا يعنى بالأدب الحقيقي بل بالأدب الممكن، وبعبارة أخرى يعنى بتلك الخصائص المجردة التي تصنع فرادة الحدث الأدبي، أي الأدبية .
إذن، فاستراتيجية علم الأدب أو الشعرية ستتقدم نحو المقاربة المجردة والباطنية للأدب الممكن وليس الإنجازات الكائنة بحثا عن القوانين المنظمة للأدب من الداخل.
سيضفي مفهوم الأدبية على النظرية الشكلانية طابع العلمية والنسقية، والاهتمام بالخصائص الشكلية للأدب فيسهم في إيجاد أجوبة حول القضايا التي تخص الأدب من الخارج.
2/ قضية المؤلف والفكر والواقع الخارجي من المنظور الشكلاني :
لقد طرح على الشكلانيين كيفية التعامل مع المؤلف والأفكار والواقع باعتبارها مكونات أساسية في العملية الأدبية. فكيف أجابت عن هذه الإشكالية ؟
ستحاول الشكلانية إعادة صياغة هذه العناصر لتخضعها إلى تحول جذري نتيجة للتصورات الجديدة حول مفهوم الأدب باعتباره تقنية، وباعتباره تطورا في الإشكال.
لم يعد للمؤلف نفس الدور الذي كان يلعبه في النقد السيري، لان ما يشكل موضوع الدراسة الأدبية ليس الأعمال الأدبية المفردة وإنما الأدبية، بحيث أن العمل الأدبي يرتبط بالنسق الأدبي بصورة عامة وليس بشخصية مؤلفة، فالشاعر في النظرية الشكلانية لم يعد ينظر إليه كصاحب رؤى أو عبقرية وإنما نظر إليه " كعامل ماهر يرتب، أو بالأحرى يعيد ترتيب المادة التي يصادق وجودها في متناوله، إن وظيفة المؤلف هي أن يكون على معرفة بالأدب، أما ما يعرفه عن الحياة أو ما لا يعرفه، فأمر غير ذي أهمية لوظيفته تلك ، إن هذا التصور يذكرنا بالمنجز النقدي العربي القديم خصوصا عند نقادنا الذين قالوا بأن الشعر صناعة وأن الشاعر يقوم بوظيفة السبك والصوغ ولا اعتبار بالمادة التي يصوغ فيها.
فتطور الأدب لا يتوقف على ظروف المؤلف أو تكوينه النفسي، وإنما على الإشكال الأدبية السابقة، بتجديد الأدوات عن طريق التغريب.
أما قضية الواقع التي اعتبرت حجر الزاوية في نظرية المحاكاة، فان الشكلانيين تعاملوا معها تعاملا مختلفا، وذلك انطلاقا من مفهومهم لعملية الإنتاج الأدبي الذي ينبني على قاعدة أساسية وهي أن الأدب ينشأ من الأدب، حيث يتوارى الواقع ويصبح غير ذي جدوى، فالتغيير الأدبي " لا يقرره تبدل الواقع وإنما الحاجة لإنعاش الإشكال الأدبية. ويمثل الإدراك المتجدد للأدوات الشكلية جانبا جوهريا من جوانب الأدبية، أما مقياس مشابهة الواقع فهو في نظر المشروع الشكلاني مقياس يجانب الموضوع، ويقوم الشكلانيون الشكل الأدبي من خلال امتلاكه قابلية الإدراك الحسي وليس من خلال قدرته على المحاكاة .
إن الأديب لا يحاكي الواقع وإنما يغربه وينزع عنه طابع الألفة. ففهم النصوص لا يعود إلى ربطها بمرجعها الواقعي، وإنما بربطها بنصوص أخرى، فقد أبرز " تينيانوف " في دراسة حول ( نظرية المحاكاة الساخرة ) " استحالة الفهم العميق لنص من نصوص دوستوفسكي دون العودة إلى هذا النص أو ذاك من نصوص غوغول ، فالواقع يلعب دورا ثانويا في بناء الأدب ، مثله مثل باقي المعطيات التي يبدأ بها الكاتب. فالشكلانيون ينظرون إلى أفكار القصيدة وموضوعاتها وإشاراتها على أنها مجرد ذريعة خارجية يلجأ إليها الكاتب لتبرير استخدامه الوسائل الشكلية ، وهم يطلقون على هذا الاعتماد على العناصر الخارجية غير الأدبية اسم " التحفيز " "motivation" .
أما بالنسبة للأفكار ، فإن الشكلانية لم تعرها اهتماما لأنها تندرج ضمن مواد البناء. فقد أعطت الشكلانية الأولوية للشكل على حساب المضمون ، حيث أعيد النظر في هذه الثنائية القديمة التي كانت تعتبر الشكل وعاء للمضمون ، وبذلك " يصبح المضمون متوقفا على الشكل دون أن يكون له وجود مستقل ضمن الأدب ، فليس بوسع التحليل الأدبي استقراء المضمون من الشكل إذ أن الشكل لا يتقرر بفعل المضمون وإنما بفعل الأشكال الأخرى . فالفن لا يعبر عن نفسه في العناصر المشكلة للعمل الأدبي وإنما من الاستعمال المتميز لتلك العناصر ، وبذلك اكتسى مفهوم الشكل معنى جديدا " إنه لم يعد غشاء ولا غطاء " ، وإنما وحدة دينامية وملموسة ، لها معنى في ذاتها خارج كل عنصر إضافي ، وها هنا يبرز الفرق بين المذهب الشكلاني والمبادئ الرمزية التي ترى أنه يجب أن يستشف ، عبر الشكل شيء من المضمون، كذلك تم تذليل عقبة النزعة الجمالية ، وهي الإعجاب ببعض عناصر الشكل بعد عزلها عن المضمون ".
سيبلور هذا التحول الجذري من مواطن الاهتمام لدى الشكلانيين مجموعة من المفاهيم والأدوات الإجرائية لدراسة الأدب دراسة عملية، فبعد أن حددت الشكلانية موضوعها و - هو الأدبية- ستبحث عن منهج يتلاءم مع الموضوع ، ومادامت مواد البناء من الأدب تستقي من اللغة. فإن الاهتمام سينصب على الجانب التقني فيها، لذلك نجد أن الشكلانيين الروس قد استهلوا أعمالهم بدراسة الأصوات لأن هذه المسألة كانت في عصرهم من أعقد المسائل المتعلقة بدراسة البناء الصوتي للشعر. وقد ظهر هذا الاهتمام بالأصوات من دراسة ( تروبيتزكوى ) ومن النظرية التي قدمها جاكسون حول الفونيم phoneme فالمحاضرات التي ألقاها حول " الصوت والمعنى " اعتبرت مدخلا نقديا للأفكار الشائعة حول الصوات وأثرها من المعاني ، حيث أن هذه المحاضرة شكلت أساسا لعلم اللغة البنيوي.
لستُ بجسدٍ تسكنه روح.
بل
ثلاثة أرواحٍ
و عقولٍ
و قلوب
جزئها المرئيُّ الصغيرُ
جسدْ.
http://evandarraji.blogspot.com/