عرض مشاركة واحدة
قديم 13/03/2009   #3
صبيّة و ست الصبايا متمردة
شبه عضو
-- أخ لهلوب --
 
الصورة الرمزية لـ متمردة
متمردة is offline
 
نورنا ب:
Jul 2007
المطرح:
........
مشاركات:
68

افتراضي تكملة2


رغم كهولة توفيق الحكيم كان يتمتع بحيوية تفوق الشباب. شعره الأبيض مع البريق فى العينين يضفى عليه جاذبية خاصة. تنقضى الساعة وراء الساعة وهى يحكى النوادر والفكاهات عن أيام شبابه. يحرك رأسه ويديه فى حماس ويقول: المرأة ملاك أو شيطان ولا ثالث لهما. يهتف أعضاء اللجنة فى نفس واحد على رأسهم يوسف إدريس: تمام يا أستاذ!
يرمقنى توفيق الحكيم بطرف عين. يرانى صامتة مترفعة عن الرد أفكر فى شىء آخر. تطلق لطيفة الزيات ضحكتها، القهقهة المتقطعة المتصلة، تشعل سيجارة جديدة بأصابع ترتعش قليلا، يهتز جسمها مع الضحك، تمد يدها المهتزة تحت المائدة وتمسك يدى، تقرب فمها من أذنى وتهمس: عينه عليكى يا نوال!
-مين يا لطيفة؟
-يعنى مش عارفة؟

* * * *
حين دخل أسمى قائمة الموت عام 1988، همست لطيفة الزيات فى أذنى: بيقولوا يا نوال روايتك سقوط الإمام فيها إسقاط!
- إسقاط؟
- أيوه يا نوال.
- إسقاط على مين؟!
- على السادات.
- ده مات يا لطيفة من سبع سنين!
- بيقولوا لسه عايش.
وأطلقت ضحكتها الطويلة المتقطعة الانفاس. أشعلت السيجارة وراء السيجارة، تحكى لى الحكاية المرة بعد المرة، تنسى أنها حكتها من قبل، ترتعش أصابعها وهى تشعل عود الكبريت، تضحك بعد كل عبارة تنطقها وتمد يدها لتمسك يدى.

* * * *

عام 1992 دخل اسمى قائمة الموت مرة أخرى. وضعت الحكومة حراسة مسلحة أمام بيتى فى الجيزة، وبودى جارد يرافقنى ليل نهار. قال شريف، حياتك فى خطر يا نوال، ولابد من السفر إلى مكان بعيد.
لم نكن نعرف من أين تنطلق الرصاصة. من الجماعات الإسلامية أم من الحراس؟ كانت صديقتى القديمة بطة فى مؤتمر إعلامى دولى فى لندن. وكانت سامية فى نيويورك فى مؤتمر نسائى دولى. جاءت صفية إلى بيتى وسألتنى هل لطيفة الزيات صديقتك يا نوال؟ قلت لها نعم هى صديقتى، قالت صفية، غريبة أوى، ليه هى بتقول كلام ضدك يا نوال؟ كلام ضدى؟ يمكن مجرد إِشاعات يا صفية، لأ يا نوال، ده كلام مكتوب فى المجلة، خدى اقرى يا ستى!
كانت مجلة أدبية عربية، وحوار أجرته إحدى الصحفيات مع لطيفة الزيات، سألتها هذا السؤال: كيف تفسرين نجاح روايات نوال السعداوى المترجمة إلى اللغات الأجنبية؟ جاء رد لطيفة الزيات، لأن نوال السعداوى تكتب للغرب!
قبل ذلك بأيام قليلة كانت لطيفة الزيات فى بيتى، كانت تقول لى أننى أهم روائية عربية وأنها سوف تصدر كتابا نقديا عن أعمالى الأدبية. كانت تتحدث بحماس، وتضحك مع شريف وتقول له أنت يا شريف كاتب مبدع، روايتك الشبكة جميلة جداً، هلى تنوى ترجمتها إلى الإنجليزية؟
- دى رواية طويلة جدا يا لطيفة.
- وماله؟
- أنا مشغول بترجمة روايات نوال.
- إشمعنى يعنى؟
- روايات نوال بتعجبنى.
عام 1980 ظهر أول كتاب لى باللغة الإنجليزية، كان شريف هو الذى تحمس لترجمته. نجح الكتاب وترجم إلى لغات متعددة، ومن بعده بدأ الناشرون فى أنحاء مختلفة من العالم يطلبون ترجمة كتبى الأخرى.
وأصبح جرس التليفون يرن فى بيتنا، الأدباء الكبار يأتون إلينا فى زيارات مفاجئة. جاء عبد الرحمن الشرقاوى يحمل عددا من كتبه، أهداها لى ولشريف، بعد أن انتهت الزيارة، قال لشريف وهو يودعه على الباب:
عندك كارت بلانش إذا شفت إن كتاب من كتبى ممكن ترجمته ونشره فى لندن! وقال شريف بهدوء: أنا روائى ولست مترجما يا عبد الرحمن. كانت الزيارة الأولى والأخيرة لعبد الرحمن الشرقاوى. قرأنا نعيه فى جريدة الأهرام بعد شهور قليلة. وكان يوسف إدريس يضحك مع شريف، يداعبه ويقول، يعنى إشمعنى نوال يا أخى اللى أنت نازل ترجمة لرواياتها، ما ترجملى رواية أو مجموعة قصص يا شريف! ويضحك شريف معه ويقول: لازم تعملى شوية إغراءات يا يوسف ثم أنت عندك الحكومة كلها ومؤسساتها والمترجمين بتوعها.
قرأ شريف معى ما كتبته لطيفة الزيات عنى، وبدأ عدد من الماركسيين والماركسيات يرددون ما قالته لطيفة، وعدد من النقاد الأدباء والأديبات العاجزين عن نشر أعمالهم فى الخارج. كان نجاح روائية مصرية خارج البلاد أمر غير مألوف، وهى لا تتبع لا الحكومة ولا حزب من الأحزاب ولا المجلس الأعلى للثقافة.
حين عادت سامية من الخارج قالت لى، والله يا نوال حاجة تفرح إن كاتبة مصرية تحصل على هذا التقدير والاحترام فى العالم. قلت لها، وما رأيك فيما أشاعته صديقتك لطيفة؟ مطت سامية شفتيها الرفيعتين وقالت شىء طبيعى يا نوال، أنا كمان باحقد عليكى، الغيرة تنهش قلبى وأحيانا أقول يا رب تموتى يا نوال!
يضحك شريف ويقول، أنا باحب صراحتك يا سامية لكن المشكلة ليست الغيرة أو الحقد، المشكلة إن نوال كاتبة مستقلة لا تستند إلا على قلمها، ويمكن أن تنقد الشرق والغرب والحكومة والمعارضة، واليسار واليمين، والمشكلة أيضا تتعلق بالمناخ العام والإحباط، لطيفة الزيات ويوسف إدريس وكثير من الأصدقاء كانوا زملاء لى فى الحركة الديموقراطية للتحرر الوطنى، حين بدأنا الحركة عام ستة وأربعين ضد الملك والانجليز كان المناخ العام أفضل من اليوم. كنا فى مرحلة الشباب عندنا مبادئ وحماس وأمل. المناخ الجيد يبرز أحسن ما فى الانسان. لكن الحركة ضربت ودخلنا السجون. لم يهزمنا السجن لكننا انهزمنا من الداخل. تفككت الحركة وتفرق الزملاء وانتشرت الإشاعات. المناخ السىء يبرز أسوأ ما فى الإنسان. وأنت يا نوال من جيل آخر جاء بعدنا. أما جيلنا فقد تمزق بين الطموح والاحباط، بين تأييد السلطة ومعارضتها، لطيفة الزيات هى المثل على ذلك، هذه الضحكة العصبية دليل على التمزق والإحباط، رعشة الأصابع والإفراط فى التدخين، وابتلاع حبوب الفاليوم، إنها تعرف تماما أنك ناقدة للغرب أكثر منها، وتعرف أيضا أن الغرب ليس شيئا واحدا، وهناك فى الغرب من هم أكثر تقدما وأكثر اشتراكية من الإشتراكيين عندنا، المسألة ليست غرب وشرق، هى تعرف ذلك، ويوسف إدريس يعرف ذلك، لكن المسائل الشخصية تتغلب على المسائل العامة، والإحباط يولد الإشاعات، وما معنى أن يكتب أديب أو أديبة للغرب أو للشرق؟ وأغرب شىء هؤلاء الذين يقولون أن الأعمال الأدبية الناقدة لمجتمعنا تسىء إلى سمعة مصر فى الخارج! أعظم الأعمال الأدبية لابد أن تكون ناقدة لمجتمعها، أهم أعمال يوسف إدريس أو نجيب محفوظ الأدبية هى التى نقدت النظام الحاكم وأشكال الظلم أو القهر فى بلادنا، لكن يوسف إدريس ونجيب محفوظ فى الأهرام، أكبر جريدة حكومية فى مصر، وهما جزء من النظام، يتمتعان بحصانة السلطة، وقد ترجمت أعمالهما إلى اللغات الأجنبية عبر وزارة الثقافة أو المجلس الأعلى للثقافة وكلها مؤسسات حكومية، لكن أعمالهما لم تنجح فى الخارج كما نجحت فى مصر ، لأن النجاح الأدبى فى بلادنا لا يعتمد على جودة العمل فقط ولكن على الدعم الحكومى أيضا، ولا يمكن للكاتب أن يشتهر ويحمل لقب كاتب كبير دون أن تكون له علاقات طيبة بالمسئولين الكبار، وهذه هى المشكلة بالنسبة لك يا نوال أو غيرك من الأديبات أو الأدباء الذين لا يسيرون فى فلك السلطة. إن السلطة فى مصر تملك كل مؤسسات الثقافة والنشر والإعلام والترجمة. ويمكنها أيضا مصادرة أعمالك، وتشويه سمعتك. لكنها لا تملك مصادرة أعمالك المترجمة فى الخارج. شاءت الصدف يا نوال أن تتزوجى شريف حتاتة وأن يقوم شريف بترجمة رواياتك! أتعرفين يا نوال آخر إشاعة عنك؟ يقولون أنك تزوجتينى لأترجم أعمالك! كان شريف يضحك، يحاول أن يخفف عنى وطأة الألم.
كنا فى بداية يناير 1992، نتأهب للرحيل إلى المنفى. أصبح الخطر يحوطنا من كل جانب. يتحدث الناس كل يوم عن قوائم الموتى. الأسماء التى تم إهدار دمها. جرائم تحدث دون أن يقبض على القتلة. الهمس يدور بين الناس، لا يعرفون الوهم من الحقيقة، ولا الإشاعات من الحقائق. كانت الحراسة المسلحة أمام بيتنا، والبودى جارد يتبعنى حيثما أذهب. لا أعرف من أين تنطلق الرصاصة. فى النوم أرى دمى مهدرا فوق أسفلت الشارع. تزحف قشعريرة باردة إلى جسدى من الرأس إلى بطن القدمين، والصوت يزعق اقتلوها الكافرة عدوة الله والإسلام.

"وأغرب ما لقيت من أنواع العبوديات وأشكالها ، العبودية العمياء ، وهي التي توثق حاضر الناس بماضي آبائهم ، وتنيخ نفوسهم أمام تقاليد جدودهم ، وتجعلهم أجساداً جديدة لأرواح عتيقة ، وقبوراً مكلسة لعظام بالية "
جبران خليل جبران
  رد مع اقتباس
 
Page generated in 0.05043 seconds with 10 queries