عرض مشاركة واحدة
قديم 12/07/2006   #17
post[field7] dot
مشرف متقاعد
 
الصورة الرمزية لـ dot
dot is offline
 
نورنا ب:
May 2006
مشاركات:
3,276

افتراضي


الثورات والفتن

ولما أصبح معظم العرب أغنياء في الدولة الأموية، والموالي فقراء ومضطهدين، بدأ الغضب على الأمويين يفور تحت السطح، كما قال الشاعر:
أرى خلل الرماد وميض نارٍ ويوشك أن يكون لها ضرامُ
وفعلاً بدأت الثورات في الدولة الأموية بعد أن تقسّم المسلمون لعدة فُرق منها: الشيعة والخوارج والمرجئة وأهل السنة. وقد تقسّمت كل فرقة إلى طوائف متعددة، فمثلاً الشيعة تقسموا إلى الشيعة الإمامية الذين يؤمنون بأن عليّ بن أبي طالب هو الأمام والخليفة الحقيقي لرسول الله، وأن أبا بكر وعمر وعثمان قد اغتصبوا حقه في الإمامة، وبذا أصبحوا مرتدين. وهناك الشيعة الزيدية الذين يعترفون بخلافة أبي بكر وعمر فقط قبل عليّ بن أبي طالب و لكنهم لم يكفروا أحداً من الصحابة. وهناك الشيعة الكيسانية وهم أتباع محمد بن علي بن أبي طالب من زوجته خولة بنت جعفر الحنفية، وسموا بالكيسانية نسبةً إلى " كيسان" مولى عليّ بن أبي طالب وكان قد اقتبس من عليّ وابنه محمد أسرار علم الباطن وعلم التأويل وعلم الأنفس. وهناك كذلك الشيعة الأسماعيلية، أتباع إسماعيل بن جعفر الصادق، والشيعة الغلاة الذين تظاهروا بولائهم لأهل البيت وغالوا في حق أئمتهم وزعموا أن روح الإله قد تناسخت فيهم.
والخوارج الذين خرجوا على عليّ بن أبي طالب وحاربوه حتى هزمهم في القيروان. والخوارج يعتقدون أن الإيمان بالقلب وحده لا يكفي، لا بد من أن يقترن الإيمان بعملٍ صالح بدليل قول الله: " من آمن وعمل صالحاً". وهم قد كفّروا علياً لأنه رفض أن يقرن إيمانه بالعمل الصالح، ألا هو الرجوع عن قرار التحكيم ومحاربة معاوية بن أبي سفيان. ومذهبهم السياسي هو المساواة بين المسلمين في الحقوق والواجبات، ولا فضل لمسلم على آخر إلا بالتقوى " إن أكرمكم عند الله أتقاكم". ولذا قالوا إن الخلافة حق يتساوى فيه العربي مع الموالي ما داموا أتقياء. وهم يعترفون بأبي بكر وعمر وأول ستة أعوام من حكم عثمان قبل أن يضل عن السبيل. وهدفهم الرئيسي كان مقاومة الظلم ونصرة المستضعف.
وهناك المرجئة الذين قالوا إن كل من أمن بوحدانية الله لا يمكن الحكم عليه بالكفر لأن الحكم عليه مرجأ ومتروك لله تعالى، حسب قول القرآن: " وآخرون مُرجون لأمر الله أما يعذبهم وأما يتوب عليهم والله عليم حكيم " [21]. ويعتقدون بعدم تكفير أي إنسان يقول " لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله"، مهما ارتكب من المعاصي، ويجب أن يُترك الحكم عليه لله وحده.
وهناك أهل السنة، وتضم هذه الفرقة بني أمية والموالي كما تضم المرجئة وأهل الحديث والفقهاء وعامة الناس الذين والوا الحكام إما رهبةً أو رغبةً. وقال هؤلاء يجب أن يكون الخليفة من قريش وأن يكون حراً بالغاً عاقلاً. وقد أجازوا طرق اختيار الخليفة التي أجازها العلماء في أيام الخلافة الراشدية وأضافوا عليها، لإرضاء بني أمية، أنه يجوز للخليفة أن يعهد بالخلافة لابنه أو أخيه إذا توفرت فيه شروط الخلافة. وبهذا أعطى علماء الإسلام موافقتهم على نظام الملكية رغم قول القرآن: " إن الملوك إذا دخلوا قريةً أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون" [22]، وما عاد منهم من يهتم بالشورى.
وظهرت فرق أخرى مثل الجبرية الذين قالوا إن الإنسان مجبر على ما يفعل، أي أنه مسيّر، ولا يسأل عن أفعاله، وكان هذا مذهب الأمويين. ويقال أن الحجاج بن يوسف الثقفي عندما رمى الكعبة بالمنجنيق كان يقول مع كل رمية: " هذا من عند الله".
وفرقة القدرية كانوا لا يؤمنون بالقدر ويقولون إن الإنسان قادر أن يختار أعماله بنفسه ولذا يجب محاسبته عليها. وتطور هذا المذهب واعتنقه المعتزلة الذين كانوا يُعرفون ب " فرسان العقل".
جُل هذه الفرق عبرت عن آرائها في قالب ديني لكنها استعملت السلاح والثورة لتفرض آراءها علي مسرح الواقع. ولذا كثُرت الفتن والحروب في الدولة الأموية، وتشعب المسلمون إلى فُرقٍ كثيرة متناحرة لا يعلم عددها أحد، غير أن هناك حديث، غالباً ما يكون منحولاً، يقول: " ستفترق أمتي اثنين وسبعين فرقةً كلها في النار إلا واحدة ".
ورغم كل هذه الفتن والثورات دامت الدولة الأموية ثلاثة وتسعين عاماً، منها ثلاثة وعشرين عاماً هي الفترة السفيانية ( معاوية بن أبي سفيان، وأبنه يزيد، وحفيده معاوية بن يزيد)، ثم الفترة المروانية التي حكم فيها مروان بن الحكم وأولاده وأحفاده. ورغم أن الدولة الأموية رعت أكبر توسع في الدولة الإسلامية، إلا أنها كانت دولة متسلطة عُرفت بدولة " المُلك العضوض". تعرض فيها الشيعة لأبشع أنواع الاضطهاد والتعسف والقتل، خاصة في أيام الحجاج بن يوسف الثقفي، عندما كان المرء يُفضّل أن يقال أنه زنديق ولا يُقال أنه شيعي.
وقتل يزيد بن معاوية الحسين بن عليّ في كربلاء وسبى نساءه وبناته بعد مقتله، وجئ بهن إلى الشام سافرات، باعتبار أنهن سبايا أمير المؤمنين يزيد بن معاوية. فرآهن على تلك الحالة شيخ متدين من أهل الشام فدنى منهن يتوكأ على عصاه وهو فرح بالنصر الذي تم على يد المسلمين. وعندما قرب من السبايا صاح هاتفاً: الحمد لله الذي أهلككم وأمكن أمير المؤمنين منكم [23]. يقال أنه لما علم أنهن بنات رسول الله، بكى لأسرهن. وهذا، إن صح، يُظهر نفاق المسلمين في تلك الحقبة. فبالنسبة لهذا الشيخ يجوز ليزيد أن يُسبي نساء المسلمين، ولكن لا يصح له أن يُسبي حفيدات الرسول.
ويقول المؤرخون إن الجيش الأموي الفاتح عندما دخل المدينة المنورة بعد واقعة الحرة أباحها ثلاثة أيام " فاستعرض أهل المدينة بالسيف جزراً كما يجزر القصاب الغنم حتى ساخت الأقدام في الدم وقُتل أبناء المهاجرين والأنصار"[24]. ويخبرنا شيوخ الإسلام أن كل المسلم على المسلم حرام، ماله ودمه وعرضه.
أصبح الدين في الدولة الأموية ستاراً يختفي وراءه الخلفاء ليمارسوا ما شاءوا من الفسوق والتعسف معتمدين على الفتاوي التي يصدرها وعاظهم للناس ليبرروا سلوك الحكام. وقد أفتى علماء كثيرون بأن معاوية كان رجلاً صالحاً قد اجتهد في الدين، ولا يقل اجتهاده عن اجتهاد عليّ بن أبي طالب أو عمر بن الخطاب. و يقول محب الدين الخطيب: " أهل السنة المحمدية يدينون لله على أن علياً ومعاوية ومن معهما من أصحاب رسول الله كانوا جميعاً من أهل الحق، وكانوا مخلصين في ذلك. والذي اختلفوا فيه إنما اختلفوا عن اجتهاد، كما يختلف المجتهدون في كل ما يختلفون فيه. وهم لإخلاصهم في اجتهادهم مثابون عليه في حالتي الإصابة والخطأ، وثواب المصيب أضعاف ثواب المخطئ، وليس بعد رسول الله (ص) بشر معصوم عن أن يخطئ " [25]. فمعاوية سوف يُثاب على كل ما فعل بالمسلمين والإسلام.
ويذهب ابن العربي إلى أبعد من ذلك في مدح معاوية، ويقول في تبرير واقعة صفين: " لم يكن معاوية ممن يختار الحرب ابتداء، ومع ذلك فإن هذه الحرب المثالية هي الحرب الإنسانية الأولى في التاريخ التي جرى فيها المتحاربان معاً على مبادئ الفضائل التي يتمنى حكماء الغرب لو يُعمل بها في حروبهم"[26]. كأنما هناك حروب مثالية إنسانية.
ولتعصب السنة ضد الشيعة، ذهب بعضهم إلى القول بأن معاوية من الذين أصطفاهم الله، ويحكي المقديسي : أنه رأى رجلاً في جامع واسط يروي حديثاً عن النبي ويقول: " إن الله يدني معاوية يوم القيامة فيجلسه إلى جنبه ويُغلّفه بيده ثم يجلوه على الناس كالعروس". فسأله المقديسي: " بماذا؟"، أجاب الرجل: " بمحاربته علياً". فقال المقدسي: " كذبت يا ضال". فهتف الرجل: " خذوا هذا الرافضي". فأقبل الناس عليه... فعرفه بعض الكتبة ودفعوهم عنه[27]
وذهب أهالي أصفهان إلى أبعد من ذلك وادعوا أن معاوية نبي. ويحكي المقديسي أن رجلاً من أهالي أصفهان، وُصف له بالزهد والتعبد فقصده ليسأله، فرآه يقول: " إن معاوية نبي مرسل". فلما أنكر المقديسي عليه ذلك أصبح يشيّع عليه، فثار عليه أهالي أصفهان وكادوا يبطشون به لو لم يلحق بالقافلة على عجل ويترك البلدة[28]

13-05-2007

مدونتــي :

- ابو شريك هاي الروابط الي بيحطوها الأعضاء ما بتظهر ترى غير للأعضاء، فيعني اذا ما كنت مسجل و كان بدك اتشوف الرابط (مصرّ ) ففيك اتسجل بإنك تتكى على كلمة سوريا -
 


  رد مع اقتباس
 
Page generated in 0.03879 seconds with 10 queries