في المسرح :
عنوان المسرحية التراجيدية : لماذا لم يأتِ العشاء بعد ..؟؟
جلسنا صامتين واجمين كأن على رؤوسنا الطير فالحدث جلل .. و استنتجت أن الأمر أكبر مما أتوقع عندما رأيت نظرات صديقي القلقة .. و عيونه الحائرة .. و جبينه الذي يتفصد عرقاً .. و من الجو العام للمسرح الذي يسوده هدوء مطبق رغم كثرة الحضور .
و ما أن دنا موعد العرض .. حتى أمسك صديقي بيدي و نظر إلي نظرة توسل مشوبة بشيء من التحذير و التهديد:
- لا أريد أي كلمة أثناء العرض .. هل فهمت .. ؟؟ و لا كلمة .
وعدته أن أطبق فمي تماما .. ماذا أفعل ..؟؟ طالب الحاجة ذليل ..
ها قد بدأ العرض ..
انكشف الستار عن خشبة فارغة تماماً اللهم إلا من كرسي وحيد يتوسط القاعة الكالحة الكئيبة .. لا يوجد أي ممثل أو صوت أو موسيقى ..
و بدأنا ننتظر ..
خمس دقائق ..
لا شيء ..
عشر دقائق ..
لا شيء ..
شعرت بالملل يأكلني أكلاً .. و بالنعاس يداعب أجفاني .. و بدأت أتململ ..
و يبدو أن صديقي شعر بتململ أعضائي .. فنظر إلي نظرة متوعدة هائلة جعلتني أسكن تماماً لا أريم .
و بعد ردح من الدهر .. سمعنا صرخة مدوية هائلة تقشعر لها الأبدان تصدر من طرف القاعة ..
صحت مرعوباً : يا لطيف ... الطف يا رب .
عصر صديقي على يدي بعنف أن اصمت .
و ما أن هدأت الصرخة قليلاً حتى وقف الرجل الأصلع الذي كان يجلس أمامي .. و صرخ :
- عليك اللعنة يا إيزابيل ... فلتذهبي إلى الجحيم .
تطلعت في القاعة بحثاً عن إيزابيل هذه التي لعنها الأخ الكريم .. لكني فوجئت بمن كان يجلس على يساري يقفز كالملدوغ و هو يصيح :
- نعم .. هي إيزابيل .. ألم تحضر العشاء بعد .. تلك العاهرة ..؟؟
فقام آخر من طرف القاعة صارخاً :
- فلتستعر نيران الجحيم .. و لتوقظ الآلهة وحوشها النهمة .. و لتلتهم جسدك المقزز يا إيزابيل الملعونة .
و صخبت القاعة بصيحات الحضور و صرخاتهم تلعن سنسفيل أجداد إيزابيل .. و تتوعدها بالويل و الثبور و سوء العاقبة .
لكنّ ما صعقني أن صديقي قام بدوره و صرخ :
- إيزابيل .. فلينهش تنين النار أحشاءك بأنيابه النحاسية .. و ليحفر على وجهك القذر وشم العار و المذلة إلى الأبد.
إذاً فالأمور سائبة هنا .. فصديقي هذا لم يكن ممثلاً في يوم من الأيام .. و لم يخبرني أنه سيشارك بهذه الملحمة التراجيدية .
و بصفتي مثقف حديث .. و بما أنه ( ما في حدا أحسن من حدا ) .. فقد قمت بدوري صارخاً :
- لعن الله أباك و أمك و جدك و كل أصول عائلتك و فروعها يا إيزابيل .. أين العشاء أيتها المأفونة ؟؟
جلست و أنا أشعر بمتعة لا تضاهيها متعة .. خصوصاً و أن صديقي رمقني بنظرة الإعجاب و عدم التصديق .. ها أنذا قد دخلت عالم الحداثة من أوسع أبوابه ..
ربت صديقي على كتفي بإعجاب بعد أن انتهت هذه التراجيديا ( و بعد أن شتمنا إيزابيل بكل لغات الأرض الحية و الميتة ) قائلا" :
- أنا فخور بك .. حقاً أنت تتطور بسرعة كبيرة .
شكرته من أعماقي معترفاً بفضله علي .. و مقراً بأن كل إحداثياتي الثقافية و مواهبي الحداثية التي بدأت بالتبرعم كانت من صنعه و برعايته .. ثمّ سألته :
- صديقي .. أخبرني أرجوك .. من إيزابيل هذه ..؟؟
فغر فاه مدهوشا" كمن أسقط في يده .. أطرق قليلا" .. ثم قال :
- حسبي الله و نعم الوكيل ... امش يا أخي امش ... ما زلت شرغوفا" صغيرا" ..
تبعته و أنا أتساءل عم تغير ..
ألم يكن سؤالي مشروعاً .؟؟ .. بالله عليكم ..
إلى أين الآن ..؟؟؟
أمسك صاحبي بيدي .. و قال ادخل ..
بدلة السموكن الأنيقة ترتديني كمشنقة سوداء .. و الياقة المنشاة .. و المنديل الأزرق يرسم مساحة غريبة من الصدر ليست منه.. هكذا دخلت إلى قدس الأقداس .. محراب الحداثة .. صالون المثقفين .
كل شيء حولي جميل ولين ..
نساء من بللور صاف رقيق ...
ألحان تطير وراء الغمام ..
عطور تملأ الأجواء غموضاً و سحراً ..
همسات كمناجاة العاشق حين الوصل ..
ضحكات رشيقة كصهيل أنثى ..
كلهم يرطنون بكل لغات الأرض .. إنكليزية .. فرنسية .. روسية .. ألمانية ..
كلهن يلثغن بالراء الفرنسية فتطير الغين من بين الشفاه الخمرية كعصفور يزقزق ..
كل شيء يسيل عذوبة و رقة .. الأشياء الصغيرة .. التفاصيل التي لا ينتبه إليها أحد .. طعم الماء بماء الورد .. آلاف أقواس قزح تبرق من ثريات صغيرة .. لون الشفاه القانية .. الخدود المملوءة صحة و حبوراً .. النظرات المختلسة التي تقول كل شيء دون أن تقول شيئاً ..
كل شيء .. كل شيء ..
همسات هنا و هناك :
- علينا أن نراجع تاريخنا .. فكله عنف و دماء و أولاد سفاح ..
- علينا أن نرسم ديننا من جديد .. فلا يمكن أن نتطور إن بقي هذا الدين يسيطر على ضمير هذه الأمة ..
- أتدرون .. نحن أمة عنصرية ..
- اسمعوا .. لديّ فكرة ... رجال الدين متخلفون جميعاً .. فلمَ لا ننشىء فقهاً جديداً ..؟؟؟
- التاريخ ... عودوا إلى التاريخ .. حوادث الفتنة قريبة ..
- يا سيدي هذه أمة صنعتها الصدفة .. الصدفة البحتة .. لا مكان لها تحت الشمس ..
- أعتقد أننا قد نستفيد من التجربة الأوربية في هذا المجال ..
- لا .. الصينية ملائمة أكثر ..
- الألمانية نموذج ملائم ..
دوار .. دوار .. دوار ..
و هناك .. تماماً هناك .. في زاوية صغيرة حيث يلتقي الظل مع الظل .. حيث لا أحد يبالي .. حيث لا أحد هناك ..
وجدته ..
نعم .. أقسم أنه هو ..
متربعاً كعملاق من زمن مضى .. بلحيته الكثة البيضاء .. و عينيه الشامختين الطيبتين كنسر عجوز ..
نعم .. هو ..
يديه القويتين في مكانهما تماماً ... فمه المبتسم دوماً ... عطر شيخوخته .. رائحة أنفاسه .. لمعة عينيه حين يريدك أن تفهم فقط .
لم يتغيّر ... كما رأيته آخر مرة ..
جثوت أمامه .. لمست ركبتيه الطاهرتين .. همست ..
- جدي ..
مس شعري بيديه المعروقتين فأهداني سماء من حنين ..
- جدي ..
لم ينبس ببنت شفة .. أدار جبهتي نحو الشرق .. و أشار أن انظر ..
تعريشة الياسمين على سطح بيتنا .. عروسة الزيت و الزعتر حين الصباح.. صوت نقرات المطر تغني على بلاط حارتنا .. قبلة أمي قبل النوم .. سعال أبي حين يعود في المساء .. زغاريد جارتنا حين نجحت .. تراتيلنا اللذيذة بعد صلاة العشاء .. قنديل الجامع و رائحة السجاد القديم .. عصا جدي الغليظة و عباءته ... صياح جارنا بعد أن نقطف زهرة فل من حديقته و نسارع بالفرار .. عينا أخي الضاحكتين .. أسرار الطفولة التي تشاركناها سوياً.. ضحكاتنا الخافتة حين نختبىء في السرير لنوهمهم أننا نمنا.. دفاتر المدرسة .. أقلام التلوين .. .. حبي الأول .. قصيدتي الأولى الساذجة .. دمعتي حين الفراق .. أذكار أبي بعد صلاة الفجر .. فنجان القهوة الصباحية ..
- انظر ...
سماء من العشق انفتحت أمام عينيّ .. سماوات أليفة بسيطة زرقاء .. تطير فيها سنونوات رقيقة .. و شيء من غمام ... رذاذ ناعم من ندى .. زهرات ترتعش حباً حين عانقها ضوء صباحي بهي ..
يا إلهي ... هذا هو عالمي ..
يا إلهي .. إلى هنا أنتمي ..
نظرت إليهم ...
كائنات مخاطية دبقة من أمكنة لا أعرف عنها شيئاً .. يرتدون وجوهاً غريبة .. كلماتهم غريبة .. أسماؤهم غريبة .. أصواتهم .. أحلامهم .. أنفاسهم .. رائحة سيجاراتهم .. أشواقهم الآثمة .. نظراتهم القاسية ..
كائنات هلامية بلا أي ملامح أو سمات .. أين عيونهم ..؟؟
دوار .. دوار .. دوار ..
كل شيء يدور من حولي ..
جدي .. جدي أين أنت ...؟؟؟
استدرت إليهم ..
و بكل ما في عروقي من دماء .. و بكل ما في أنفاسي من حياة .. و بكل ما تبقى من بكاء .. صرخت :
أخرجوني من هنا ... أخرجونيييييييييي
تمت..
اللي بيتو من قزاز .....يبيعو فوراً ...أريحلو
.........
غيبة السبع ...خلّت للندل هيبة
.....
يعني ان لم تكن زئباً....ضروري تكون خروف..!!!!
|