-
PDA

عرض كامل الموضوع : المخبر بدر شاكر السياب


وشم الجمال
08/04/2008, 19:21
الى مخبر



أنا ما تشاء : أنا الحقير.
صبَّاغ أحذية الغزاة ، وبائع الدم والضمير
للظالمين . أنا الغراب
يقتات من جثث الفراخ . أنا الدمار ، أنا الخراب ‍‍‍!
شفة البفيّ أعفّ من قلبي ، وأجنحة الذباب
أنقى وأدفأ من يديّ . كما تشاء ... أنا الحقير ‍!
لكنَّ لي من مقلتيّ – إذا تتبَّعتا خطاك
وتقرّتا قسمات وجهك وارتعاشك – إبرتينِ
ستنسجان لك الشراكْ
وحواشيَ الكفن الملطَّخ بالدماء ، وجمرتينِ
تروّعان رؤاك إن لم تحرقاكْ ‍!
وتحول دونهما ودونك بين كفيّ الجريده
فتندّ آهتك المديده
وتقول : "أصبح لا يراني" ... بيد أن دمي يراك
إني أحسّك في الهواء وفي عيون القارئين.
لِمَ يقرأون : لأنَّ تونسَ تستفيق على النضال ؟
ولأن ثوّار الجزائر ينسجون من الرمالْ
ومن العواصف والسيول ومن لهاث الجائعين
كفنَ الطغاة ؟ وما تزال قذائف المتطوعين
يصفرن في غسق القنال ؟
لِمَ يقرأون وينظرون إليَّ حيناً بعد حين
كالشامتين ؟
سيعلمون من الذي هو في ضلالْ
ولأيّنا صدأُ القيود ... لأيّنا صدأ القيود ..
لأيّنا ...
نهض الحقير
وسأقتفيه فما يفرّ ، سأقتفيه إلى السعير.
أنا ما تشاء : أنا اللئيم ، أنا الغبيّ ، أنا الحقود
لكنَّما أنا ما أريد : أنا القويّ ، أنا القدير.
أنا حامل الأغلال في نفسي ، أقيِّد من أشاءُ
بمثلهنّ من الحديد ، واستبيح من الخدود
ومن الجباه أعزُهنَّ . أنا المصير ، أنا القضاء.
الحقد كالتنور فيَّ : إذا تلهَّب بالوقود
- الحبر والقرطاس – أطفأ في وجوه الأمَّهاتْ
تنورهنّ ، وأوقف الدم عن ثديّ المرضعات .
في البدء كان يطيف بي شبَحٌ يقال له : الضمير
أنا منه مثل اللص يسمع وقع أقدام الخفير .
شبَحٌ تنفَّس ثمّ مات
واللص عاد هو الخفيرْ .
في البدء لم أكُ في الصراع سوى أجير
كالبائعات حليبهنّ ، كما تؤجَّر – للبكاء
ولندب موتى غير موتاهنّ – في الهند النساء .
قد أمعن الباكي على مضضٍ ، فعاد هو البكاء !

وشم الجمال
08/04/2008, 19:21
ألخوف والدمُ والصغَّار. فأي شيء أرتجيه ؟
فعلى يديَّ دمٌ وفي أذنيْ وهْوهة الدماء
وبمقلتيَّ دمٌ ، وللدّم في فمي طعمٌ كريه !
أثقل ضميرك بالآثام فلا يحاسبك الضمير
وانسَ الجريمة بالجريمة والضحية بالضحايا .
لا تمسح الدم عن يديك فلا تراه وتستطير
لفرط رعبك أو لفرط أساك .. واحتضن الخطايا
بأشدّ ما وسع احتضانٌ تنجُ من وخز الخطايا .

قوتي وقوتُ بنيّ لحمٌ آدمي أو عظام
فليحقدنّ علي كالحمم المتعرّة ، الأنام
كي لا يكونوا إِخوةً لي آنذاك ، ولا أكون
وريث قابيل اللعين سيسألون
عن القتيل فلا أقول :
" أأنا الموكّل ، ويلكم بأخي ؟ " فإن المخبرين
بالآخرين موكّلون !

سحقاً لهذا الكون أجمع وليحلّ به الدمارْ !
مالي وما للناس؟ لست أباً لكل الجائعين
وأريد أن أروي وأشبع من طوىً كالآخرين
فلينزلوا بي ما استطاعوا من سباب واحتقار
لي حفنة القمح التي بيدي ودانية السنين
- خمسٌ وأكثر .. أو أقلّ – هي الربيع من الحياة
فليحلموا هم بالغد الموهوم يبعث في الفلاة
روحَ النماء ، وبالبيادر وانتصار الكادحين
فليحلموا إن كانت الأحلام تشبع من يجوع.
إني سأحيا لا رجاء ولا اشتياق ولا نزوع ،
لا شيء غير الرعب والقلق الممض على المصير
ساء المصير !
ربّاه إن الموت أهون من تَرقُّبهِ المرير
ساء المصير :
لِمَ كنت

verocchio
11/04/2008, 19:15
القصيدة عبارة عن دراسة نفسانية عميقة لشخصية المخبر دراسة علمية مكثفة في اطار شعري حافظ على البعد الجمالي للقصيدة
انها تعبر بشكل لافت عن عبقرية السياب الشعرية

وعبقرية اختياراتك وشم الجمال

:D

LiOnHeArT.3LA2
11/04/2008, 19:55
راااااااااائعة جدا

السياب مزج فيها قصص الانبياء ببطولات الشهداء وذل الحقراء

مشكورة جدا على النقل سراب

:D

وشم الجمال
11/04/2008, 20:00
القصيدة عبارة عن دراسة نفسانية عميقة لشخصية المخبر دراسة علمية مكثفة في اطار شعري حافظ على البعد الجمالي للقصيدة
انها تعبر بشكل لافت عن عبقرية السياب الشعرية

وعبقرية اختياراتك وشم الجمال

:D



عندما تحدث السياب عن المخبر جعل من نفسي بعضا من بركان لاني احتاج كثيرا لان اكتب فيهم ولكني لم اتمكن من تجسيد ما اشعر به....وهذا ما افلح به السياب....

عزيزي محمد.... انت الذواقة الرائع ليس الا

راااااااااائعة جدا

السياب مزج فيها قصص الانبياء ببطولات الشهداء وذل الحقراء

مشكورة جدا على النقل سراب

:D

وانت مشكور اكثر ايها التائه...السياب بالرغم من بعض الانتقادات الموجهة لشعره الا انه هنا تميز بقصيدته...:D

وشم الجمال
12/04/2008, 13:16
و تراجع الطوفان لملم كل أذيال المياه
و تكشف قمم التلال سفوحها و قرى السهول
أكواخها و بيوتها خرب تناثر في فلاه
عركت نيوب الماء كل سقوفها و مشى الذبول
فيما يحيط بهن من شجر فآه
آه على بلدي عراقي : أثمر الدم في الحقول
حسكا و خلف جرحة التتري ندبا في ثراه
يا للقبور كأن عاليها سفلا و غار إلى الظلام
مثل البذور تنام ظلم الثمار و لا تفيق
يتنفس الأحياء فيها كل وسوسة الرغام
حتى يموتوا في دجاها مثلما اختنق الغريق
جثث هنا ودم هناك
وفي بيوت النمل مد من الجفون
سقف يقرمده النجيع و في الزوايا
صفر العظام من الحنايا
ماذا تخلف في العراق سوى الكآبه و الجنون
أرأيت أرملة الشهيد
الوزج مد عليه من ترب لحافا ثم نام
متمددا بأشد ما تجد العظام
من فسحة سكنت يداه على الأضالع
و العيون
تغفو إلى أبد الإله إلى القيامة في سلام
رمت الرداء العسكري و نشرته على الوصيد
لثمته فانتفض القماش يرد برد الموت
برد المظلمات من القبور
يا فكرها عجبا ثقبت بنارك الأبد البعيد
يا فكر شاعرة يفتش عن قواف للقصيد
ماذا وجدت وراء أمسي و عبر يومّك من دهور
الثأر يصرخ كل عرق كل باب
في الدار يا لفم تفتّح كالجحيم من الصخور
من كل ردن في الرداء من النوافذ و الستور
من عيني ابنك يا شهيد تسائلان بلا جواب
عنك الأسرة و الدروب و تسألان عن المصير
مذ ألبسته الأم ثوبك في معاركك الأثير
و يداه في الردنين ضائعتان و الصدر الصغير
في صدرك الأبوي عاصفة تغلف بالسحاب
ورنا إلى المرآة
أبصرت فيه شخصك في الثياب
أبني كان أبوك نبعا من لهيب من حديد
سوراً من الدم و الرعود
ورماه بالأجل العميل فخر واها كالشهاب
لكن لمحا منه شع وفض اختام الحدود
و أضاء وجه الفوضوي ينز بالدم و الصديد
و كأن في أفق العروبة منه خيطا من رغاب
و تنفس الغد في اليتيم و مد في عينيه شمسه
فرأى القبور يهب موتاهن فوجا بعد فوج
أكفانها هرئت
و لكن الذي فيها يضم إليه أمسه
ويصيح يا للثار يا للثار
يصدى كل فج
و ترنّ أقيبة المساجد و المآذن بالنداء
و ينام طفلك و هو يحلم بالمقابر و الدماء

حمبراوي
27/06/2008, 01:25
طابت ايامكم أختي الكريمة :
لن نتكلم عن القصيدة لأنها لبدر
بدر الشعر العربي
ولكن نشكر ناقلتها فهي لاتقل روعة عن قائلها
واسال الأخوة الكرام :
ايهما أشعر : الشاعر أم الذواقة؟
وشكرا