-
عرض كامل الموضوع : قصيدة النثر نموذجا" وتنظيرا"
قصي مجدي سليم
19/04/2005, 23:03
هذا المقال مهدى الى العاشق وهو ايضا الى الجميع ... وهو مقال قد تم نشره بالعديد من صفحات الاانترنت.
(قصيدة النثر بينن الرفض والقبول)
(محاولة للإسهام في حل المشكل)
ظهر العقاد في التلفزيون القومي لجمهورية مصر العربية وقال بصوت واضح وعال لحد أن يسمع الصم ، وينبه الغافل : ( الشعر الحر ده مش شعر ،الشعر الحر ده كلام فارغ ) .
و في موقف موازي لموقف العقاد هذا ، تبناه أستاذنا ، أستاذ الأجيال ، بروفيسور عبد الله الطيب
في الرد على أصحاب مدرسة الشعر الحر وعلى رأسهم الأستاذ الشاعر المرحوم محمد عبد الحي
وكما قامت الدنيا ولم تقعد في مصر فعلت الدنيا نفس الفعلة في السودان .
وكان رأي العقاد و (ود السادة المجاذيب ) واضحا جليا ، فالِشعر هو ما يوزن ويقفى وفق أوزان الخليل
(مفاعل مفاعل، تفاعيل تفاعيل الخ الخ ) ..
والشعر ما كانت قافيته منتظمة في الصدر والعجز وهو الشيء الذي أسماه من يخالفوهم تهكما
(الشعر أبو ضلفتين ) إشارة إلى أبواب الدولاب .
و كان رد الآخرين بان الشعر العربي مر بعدة أطوار ففي البدء(أي عصر الشعر الجاهلي ) كان الشعر يبدأ بوصف الحبيبة أو البكاء على الأطلال حتى عهد أبو نواس الذي قام بتغيير هذا الأمر .
و لكن هذه الحجة كانت واهية جدا ورد عليها الآخرين ببساطة : هذا في جانب الأغراض الشعرية ، ونحن لم نحدد الأغراض ، ولم ندعو لذلك.
وبدأت المشكلة تضح ، هي مشكلة شكل ليس إلا وهذا واضح .
كان في جانب التمسك بالقديم أساتذة كبار وعلى رأسهم الأستاذ عبد الله الطيب وكان في الجانب الآخر من لا يقل عنهم علما وحكما .. محمد عبد الحي ، علي عبد القيوم ومصطفى سند الخ
ويبدو أن الشعر الحر بحكم الزمن قد انتصر ، وهو ألان ما يقرأ اكثر من غيره
بل ويدرس في المدارس الحكومية أيضا .
وهدأت الزوبعة بل يبدو أنها توقفت تماما .
ثم ...
كان لقاء قدمته قناة أبو ظبي مع الأستاذ مصطفى سند ، وكنت مارا في طريقي بالصدفة فوجدته قد بدأ .. فوقفت .. ثم جلست .. ثم دهشت ..
كان الأستاذ سند يقول (وبالنص)
(( أنا ضد القصيدة النثرية ولا اعتبرها قصيدة من أساسه ، على العموم من يريد أن يتماهى فليتماهى ولكني ضد هذا الشكل ))
ضحكت ... أي والله ضحكت .. هكذا تماما هاهاهاههاهاهاهاهاهاهاهاها هاهاهاهاها
ووقفت لمدة وأنا غير مصدق لنفسي .. هل هذا سند حقا ..
وعلمت أن الزوبعة لم تمت لان الإشكال قد حل ، بل ماتت لان من كانوا يتمسكون بالرأي الآخر ويدافعون عنه بعلم ومنطق قد ماتوا .
ونحن هنا ـ على التحقيق ـ أمام أربعة قضايا
1/ الشعر
2/ الشعر الحر
3/ القصيدة النثرية
4/ المدارس الفنية
وفي وجهة نظري فان الإشكال كله لا أساس له ولقد اسهم الجانبين بنفس القدر على تضخيمه وتصويره وكأنه كارثة .. من جهة الطرف الأول كارثة تمس شكل أدبي محدد له تاريخه الطويل و أسسه ونظمه ، ومن جهة الطرف الثاني كارثة تحاول أن تطيح بالتجديد وتحاول أن تبقي على الجمود والتحجر .
الشعر
الشعر هو حقا ما يوزن ويصرف وله قافية وله صدر وعجز . وهو لون أدبي جميل يمكنك فيه أن تصور ابلغ العبارات والكلمات بأقل التركيبات اللفظية ، ويمكنك أيضا أن تستعين بالبلاغة اللغوية من علوم البيان والبديع والمعاني . دون التقيد بغرض محدد أو قضية محددة ويمكنك أن تكتب ما تشاء والحكم يبقى على من يتذوق .
والشعر فن . والفنون سبعة وهي
الموسيقى والدراما والغناء والرقص والنحت والمعمار والسينما .
ولكل من هذه السبعة فنون مجموعة من الفنون تنضم إليها
فالموسيقى مثلا تضم التأليف والعزف والتوزيع الخ
ومن هذه الفنون انبثقت أفرع كادت أن تصبح عنصرا منفصلا بذاته كما فعلت السينما مثلا
ومن الدراما خرجت الآداب ، فالدراما في الأصل هي عبارة عن مسرحيات مكتوبة
ولقد كانت المسرحيات تكتب ( وحتى ظهور فيكتور هيجو رائد المدرسة الواقعية)
بلغة شعرية بحتة .
ومن المسرحية الشعرية خرجت المسرحية الحوارية ثم الرواية ثم القصة ثم القصة القصيرة ولم يدعي أحد انه قد قفل الباب من وراء كل ذلك ...
قد يعترض أحد بأن هذا السرد إنما يؤرخ لتاريخ الفنون الأوروبي ولا دخل للشعر العربي في هذا ، وهذا رأي يبدو وجيها دون الإمعان فيه ، ولكن حقائق الأشياء تقول إن الفن لغة عالمية ، ونحن نشهد الآن كيف أن كل العالم اصبح يتذوق الفنون والثقافات المختلفة ويدرسها ، ولكننا لن نستطيع أن ننكر أيضا أن أوروبا قد قطعت شوطا (تعدى درجة القياس ) في مجال الفنون وان المناهج الأوروبية في الفنون أضحت لا تعد ولا تحصى . والشعر العربي قد مر ـ باعتراف الكل ـ بما يسمى
عصر اضمحلال الشعر وهو العصر العثماني وعصر المماليك حتى مجيء البارودي وشوقي والتجاني وحافظ ... أصحاب النهضة الشعرية العربية
وهذا الازدهار قد أثرت فيه الثقافة الأوروبية أيما تأثير فشوقي مما لا شك فيه تأثر بشكسبير بل حاول مجاراته في كثير من مسرحياته (مصرع كليوباترا) مثلا..
بل إن كل أصحاب النهضة العربية في كل المجالات تأثروا بالنهضة الأوروبية وهذا هو المطلوب بالضرورة .
إذن ..
الشعر هو فرع من الأدب له قواعده و أسسه وهذا ما لا شك فيه عندي .
ولكنه لا يولد إشكال البتة وهذا ما سنتوصل إليه بعد قليل .
الشعر الحر
أُختلف حول مَنْ كتب أول قصيدة حرة! ما بين(نازك الملائكة ، وبدر شاكر السياب)
ولكن وعلى العموم فان كاتبها كان قد تأثر بذيوع وانتشار هذا الشكل في أوروبا،
ثم انه أحس برغبة شديدة أن يكتب بهذا الشكل، ثم انه تملكته حالة إبداعية كبرى جعلته لا يستطيع أن ينفك من الكتابة ، ثم انه كتب . أي انه مر بكل ما يمر به الفنان
من معرفة ورغبة وتوتر ودافع ثم انه قدم شكله الجديد . وعند ظهور هذا الشكل وتسميته بأنه ( شعر حر) كانت المعارضة جاهزة له من قبل الأستاذ الجليل العقاد فقال بأنه ليس بـ(شعر ) وهنا تبرز المغالطة الكبرى بوضوح لكل من يرى فمن قال للأستاذ الفاضل من أساسه أن هذا الشكل هو (شعر ) لم يقم أحد ممن كتبوا هذا الشكل بتبويبه ضمن الشعر بل قال وبوضوح انه ( شعر حر) واعتقد أن الفرق واضح تماما بين اختلاف الحالتين كما هو أوضح بين المسميين .
وبدلا من أن يقوم أصحاب هذه المدرسة بدحض تلك بهذه ، ذهبوا هم أنفسهم لمغالطات لا معنى لها ، بل عندوا وقالوا ـ والكلام على لسان فاروق جويده معقبا على رأي العقاد الذي قاله في تلفازهم القومي ـ ( العقاد نفسه كان صاحب ثورة تجديدية في الشعر ، والشعر الحر.. شعر. وشعر جميل ) وبدلا من أن يرفض الرد على كلام العقاد ـ لأنه نفى منفي أساسا ، ونحن جميعا نعلم ما هو حكم نفي النفي ـ دخل هو أيضا في مغالطة لا داعي ولا لزوم لها .
الشعر الحر أو شعر التفعيلة هو أيضا له وزن وإيقاع (كل الفنون لها إيقاع حتى النحت والمعمار والرسم) وينتهي بقافية في بعض الأحيان ولكن ليس بالضرورة ذلك وللقصيدة عدة أوزان أو وزن واحد هو باختصار حرية بين التعدد والتفرد . أي حرية مقيدة .
وهو شكل أدبي جميل يمكنك فيه أن تعرض قضايا متعددة في قصيدة واحدة كما يمكنك أن تدخل مفردات محرمة على الشعر ولكنها غير محرمة على الشعر الحر كما يمكنك أن تستعمل فيه مدارس (اللا عقل) (تعبيرية سريالية عبثية الخ)
الشيء الذي لا تستطيعه (إلى حد ما) مع الشعر وهذا لضيق المساحة الممنوحة ما بين البيت والبيت ( أي الصدر والعجز الأول والصدر والعجز الثاني ) هو على العموم اكثر تحركا من صاحبه الشعر (وان كنت اعتقد بأن الإبداع في الشعر يظهر أكثر منه في الشعر الحر وهذا لضيق المساحة الممنوحة ، وفي رأيي أن المبدع أساسا هو من يقدر على إدهاشك ) .
القصيدة النثرية
وهذه هي ما نريد في الأساس (أنظر إلى العنوان الرئيسي) ولكن كان لا بد لنا من التطرق لكل ما ذكرنا وهذا للتماس الواضح بين هذه الأشكال الفنية .
القصيدة النثرية هي(روح شعرية في صيغة نثرية) فهي قطعة نثرية تُؤلفْ فيها أساليب متعددة وحالات متغيرة وإيقاع ثابت في نهاية الأمر . ربما يكون الكلام المكتوب غير مفهوم لكثير من الناس ولكن هذا ليس بمدعاة لأنه باطل (كما قال سند)
فيحكى أن أبو تمام كان يلقي قصيدة لجمع فقال أحدهم
ـ لم تقل ما لا يفهم؟!
فرد عليه قائلا
ـ ولم لا تفهم ما يقال !
أنا اتفق مع سند أن هنالك بعض القصائد لا تفهم البتة بل اشك أن من كتبها يفهمها
ولكن هذا لا يجعلني أن احكم على فرع أدبي كامل بأنه كلام فارغ والغريب أن أكون قد وجهت لي هذه التهمة ظلما من قبل وذقت فيها ما ذقت ثم أتي بعد هذا والصقها بغيري فهل هذا من عبث الأقدار أم انه الزمن يعيد نفسه بصورة مريرة؟؟؟؟؟؟
هل لأن هنالك كاتب قصة تافه يعني هذا أن ماركيز تافه وان القصة ليست أدبا ولا فنا؟؟ { مالكم كيف تحكمون} ؟! .
هل لان هنالك من يتماهى ويقول ما لا تفهمه يعني أن من قال:
{لو كنت فارسا لعبأت نشابي بالفرح وصوبت نحو البشرية جمعاء .. لا أخطئ أحدا
لو كنت ملاك موت لصعدت عاليا وهويت على الأرض أدق عنقي }
هذا الكلام ـ هل يمكن أن يكون فارغا ـ . هل يمكن أن يكون من كتبه يلهو بالعقول ويكتب ما لا يفهم أم عندها نقول لك (لم لا تفهم ما يكتب)!!.
والقصيدة النثرية ليست هي الشعر ولا هي الشعر الحر ويجب على الجميع (من يكتبها ومن يرفضها ) أن يعلموا أنها شكل أدبي قائم بذاته و الآن اصبح لدينا المسرحية ، الرواية ، القصة ، القصة القصيرة ، الشعر ، الشعر الحر ، القصيدة النثرية ، القصة القصيرة جدا... هذا بالإضافة للمقال والخطاب والخطبة . ولا زلنا ننتظر أن يخر ج لون جديد فلم يظهر خاتم النبوة الكتابية بعد . ولم تكتب أي صفحة أخيرة في أي علم بعد . ولم يدعي أحد المعرفة المطلقة بعد . وكفانا أن نجعل هوانا حكما على الأذواق العامة وتحجيما للعلم والمعرفة والذوق .
سؤال
(( هل كل ما يكتبه سند ... يفهم؟؟!!)).
المدارس الفنية
يبدو أننا لا زلنا في بداية الدرج ، ومن الواضح جدا أننا نعيش في كل حياتنا على القشور ، وما يهمني الآن هو أننا نعيش على قشور المفاهيم الفنية فنحن نعد السريلة مثلا عبارة عن كلام غير مفهوم أو لوحة نكثر فيها التلطيخ أو مسرحية تجعل الجمهور يحكون بخروجهم منها قول الشاعر (دخلوا الدنيا فقراء، وكما دخلوا ، منها خرجوا) الخ..
ونعد العبث انه (عبث) . وهكذا ... دواليك ...
وهذا فهم ليس خاطئ فحسب بل وخطير جدا ولكن وللأسف انه الفهم السائد من (الكوة في السودان إلى وادي حميثرا بمصر )
والفن على التحقيق ما هو إلا رسالة فكرية جمالية .
والمدارس الفنية متعددة ولكل منها قصة تحكي سر وجودها ، وأول مدرسة وجدت على الأرض هي الكلاسيكية البدائية ـ عند البعض ـ أو الكلاسيكية الأولى .
ثم(الكلاسيكية العائدة ، الرومانسية ، الطبيعية ، الواقعية ،الواقعية الجديدة ،الملحمية الرمزية ، السريالية ، العبثية ، التجريبية ، ولن نقفل القوس عن قصد
هذه المدارس ليست حصرا ولا ترتيبا ولكني أردت أن اسرد اكبر عدد تسعفني الذاكرة بتذكره .
ولكل مدرسة رائد أو عدة رواد فرائد الرومانسية هو شكسبيرـ نحن نتكلم عن الأدب طبعا ـ ورائد الواقعية فكتور هيجو ومن رواد العبثية البير كامو وهكذا
ولم يقم أحد هؤلاء بتسمية مدرسته التي ينتمي إليها من قبل أن يكتب بها بل أن شكسبير لم يكن يدرك حتى مماته انه ينتمي لمدرسة تسمى الرومانسية، فالرومانسيين الذين أتوا من بعده هم من قاموا بِعَدِهِ منهم . إن المدارس الفنية تعتمد في أساسها التكويني على التجريب والزمن هو الحكم على استمرارها أو توقفها ولم نشهد مدرسة نشأت دون معارضة ولم نشهد مدرسة توقفت عن العمل حتى ألان .
كل المدارس لاقت ما لاقت من نقد وهجوم ولكنها كلها تعمل حتى الآن في كل أفرع الأدب فلا زال هنالك كتاب كلاسيكيون كما أن هنالك واقعيون كما هنالك عبثيون الخ
ولا يستطيع أحد الآن أن يقول بان السريالية (كلام فارغ ) أو أن الرمزية مدرسة لا معنى لها . ولكنه يمكن أن ينتقد عملا سرياليا لعلة أخرى أما أن ينتقده لصفته فقط فهذا إما جهل بالمدرسة نفسها أو جهل بعملية التجديد .
والمدرسة هي أسلوب لطرح الفكرة التي تنشدها .
أي أنها المنهج المتبع .. ولكل منهج شروط وقواعد
وهذا حديث آخر
أواصل
قصي مجدي سليم
القاهرة /22مايو2003
عاشق من فلسطين
20/04/2005, 12:13
مشكور كتير يا غالي .. على هذه المشاركة الغنية والجميلة .. والمفيدة .. :D :D
قصي مجدي سليم
02/05/2005, 13:27
تمرين خاص لكتابة نص خاص
معالجة نثرية [ 1 ]
أتمارين بعد كل هذا العشق في أمري ؟
--- كان ما سبق مدخل للحديث ---
ما قبل النص :
هذي الدنيا بركان أهوج
وأنا
في قمته استلقي
في وصف النص:
أو
خــارطة النص :
ألوم عشقي ، حيث انني اشرب قهوة موتي
افترض انكِ السكر ---
ولا ملعقة تقرب وجهة نظري
( النــــــــــص )
حواء استلقت على ظل شجرة تين عتيقة وأخذت تمشط ذهنها المعوج ، وانا اراقب فيها ضلوعي ، على ظل
شجرة تين عتيقة تمشط ذهنها المعوج . هناك رقيب علي يراقب فيّ ضلوعي ، على ظل شجرة تين
عتيقة اخذت تمشط ذهنها المعوج . ينادي : هناك رقيب عليك ، يراقب فيك ضلوعي . على ظل
شجرة تين عتيقة اخذت تمشط ذهنها المعوج . حجاب وصوت كثيف ينادي المنادي :
هناك رقيب عليك وانت تنادي : هناك رقيب عليك يراقب فيك ضلوعي ؟
على ظل شجرة تين عتيقة اخذت تمشط ذهنها المعوج .
وصوت مهيب يشق الحجاب ويرنو ينادي
منادي المنادي : هناك رقيب عليك
وانت تنادي؟؟ : هناك رقيب
عليك. اخذت تمشط
ذهنها المعوج .
إلخ إلخ..........
........................
مـــــــا بعد النص :-
أطير على محيط العالم ( ألا كري ) ، انتصف المكان
من المحيط الى المحيط ، امركز القدمين في خصر الزمان
من ذلـــــــــك البركان اقفل فوهة ........
..... وانام .
في القاهرة / 21 يناير / 2001 م
عاشق من فلسطين
02/05/2005, 13:30
مشكور كتير يا غالي ..
موضوع مفيد .. وجدير بالقراءة .. والتطبيق
:D :D
قصي مجدي سليم
02/05/2005, 20:51
مشكور كتير يا غالي ..
موضوع مفيد .. وجدير بالقراءة .. والتطبيق
:D :D
:) :) :) :) :) :) :) :) :) :) :) :) :) :)
شكرا كتييييير
وينك يا شاب .. ووييين بلك .. شو منقطع كل هالقد... معليش أنا مشغول شوية اليومين دول ما قدرت أنزل موضوعي لسه في القصائد البعتهالي
شكرا مرة أخرى على الارسال
عاشق من فلسطين
09/06/2005, 17:21
هذا الموضوع لك من يكتب الشعر النثري المجرد من القافية والوزن ..
مع احتفاظه بجماليته وموسيقيته الخفية بين السطور ..
أرجو ان ينال اعجابكم وأن يستفيد منه كل من يرى في نفسه الموهبة ليكتب لكن تتوه عنه البحور والأوزان والقوافي
فيرسى على شاطئ القصيدة النثرية التي تبدو بدائة أنها أسهل انواع شعر علما" بأنه أصعبه لشروط قاسية يجب توافرها فيها ...
عاشق من فلسطين
09/06/2005, 17:24
كلُّ قصيدةٍ هي جنس أدبي مستقل بذاته"
فريدريش شليغل
1
ما إن أطلق فنيلون روايته "تليماك" التي اعتبرها بوالو "قصيدة نثر"، حتى طفق النثر يسري في جسد اللغة الفرنسية وشرايينها الشعرية بحثاً عن توأمه: "النثر الأعلى". وها هو هودار دي لا موت يصرخ: "النظم مضايقة، فلنكتب بالنثر... فلنقدم للناس قصيداً غير موزون." لكنّ رغبة الهروب من البيت، من سقف القافية وجدران الوزن، أخذت تزداد حباً بفضاء النثر المفتوح حيث البلاغة حرة تتوزع الكلمات فيها جُملاً أشبه بقرى مستقلة ومتضامة في الوقت ذاته. وها هم الناثرون الفرنسيون يصبحون "هم شعراء فرنسا الحقيقيون، وما عليهم سوى أن يتجرأوا وسيكون للغة الفرنسية نبرة جديدة"، على حد عبارة سيباستيان مرسييه في كتابه "توليدات لغوية" (1801). حتى غوستاف فلوبير كان يحلم "بإعطاء النثر إيقاع الشعر شرطَ أن يبقى نثراً، جد نثر". حقّاً أن ناثرين كبار (روسو، نيرفال، شاتوبريان ) ثوروا النثر الفرنسي شعرياً عبر كتب خالدة يتمازج فيها التأمل بالأساطير، الخرافة بالموعظة الحرة، السير الذاتية بلغة الآخر الدخيل المترجمة بشكل يفضح محدودية النظم في اللغة المستهدفة وضيقها في نقل شعر هذا الآخر. لكن الترجمة، كالعادة في كل بلد وفي كل لغة، سيقع على عاتقها دور كسر الأبواب الموصدة في لغة التراث ونحوه المنغلق. وبالفعل أن النثر أطلقَ في سماوات جديدة من التركيب والتعبير والصورة، بفضل الترجمات التي عرفتها اللغة الفرنسية في القرن السادس، السابع والثامن عشر. لكن الرومانتيكية؛ ثورة الخيال هذه، كانت تحمل في رحم رؤيتها الجديدة إلى الأشياء، جنين نصوص نثرية تلبي رغبة قراء يتوافدون بفضل التمدين التحديثي لباريس، ملّوا من نصوص طويلة كانت تتلاءم وظروف النص البائدة. لقد لعبت الرومانتيكية دوراً كبيراً في "تليين الشعر وتقريبه من النثر"، أو بعبارة فكتور هيغو "ألقيتُ بالنظم النبيل إلى كلاب النثر السوداء". مع أن صعود النثر هذا توافق وصعود العقل وفلسفة التنوير، والذي سيجعل من سيّد الوزن، شاعر "أزهار الشر" بودلير يتحوّل إلى شعر النثر، تجب الملاحظة هنا إلى أن "النثر في منتصف القرن التاسع عشر"، يقول جوناثان مور، "بات النوع الذي تفضله البرجوازية بوضوح. وبتحوّله إلى قصيدة النثر، كان بودلير يشاطر البرجوازية انتصارها ويوسّع حقل هيمنتها ليشمل ميدان الغنائية المقدس سابقاً.
النثر الآن يحتل أرض الشعر، وفتوحاته هذه يمكن أن تُرى كرشق جمالي لانتصار البرجوازية على الارستقراطية. وهكذا تكون قصيدة النثر، في أيام بودلير، قد أسدت خدمة ايديولوجية كدليل على الانتصار النثري للطبقة المالكة لامتياز النثر، مثلما هي دليل الصورة الذاتية الشعرية للبرجوازية مقابل خيلاء الارستقراطية وادعاءاتها. ومن جانب آخر، يكشف المنظور الطوباوي أن قيام قصيدة النثر بإدراج الخطاب النثري المهمّش يمكن أن يُرى كتوجه صوب إعادة إدراج الذات الغنائية "السيّدة" في السياق الاجتماعي – السياسي وعلى نحو احتفائي، وكاستعداد لرؤية تلك الذات منخرطة في ميادين الصراع الجمالية والتاريخية-الاجتماعية على النقيض من الشعر الغنائي الأكثر تقليدية." (1)
إن الناثرين الذين يمكن فعلا اعتبارهم ممهدين لقصيدة النثر هم إيفاريست بارني في "أناشيد مادغشقرية"، حيث بناءات شعرية جديدة لم تُعرف من قبل؛ فيليسيتيه دي لا ميني في كتابه "كلمات مؤمن"، والفونس راب في كتابه الشهير إلى اليوم "ألبوم متشائم" الذي ينطوي فعلا على قصائد ستعتبر فيما بعد بقصائد نثر قبل الظهور. غير أن شاعراً سيكتب نصوصاً؛ محاكاة سخرية من كل الرومانتيكية، وفي تقطيع جديد للنثر، أتفق معظم النقاد على إعطاء كتابه الموسوم "غاسبار الليل" وثيقة ميلاد قصيدة النثر: ألويزيوس برتران. والفضل قبل كل شيء يعود إلى اعتراف بودلير بأن فكرة كتابة قصيدة النثر جاءته من قراءة لكتاب برتران "غاسبار الليل". وقد وضح هذا في رسالة إلى مدير تحرير مجلة "الصحافة" أرسين هوسييه ( رسالة بودلير وقصائد نثرية)
2
تراءت قصيدة النثر في "غاسبار الليل" كبعد تخيّلي وأساطيري بل جنّيا وسط مشاهد ليلية غوطية، فأظهرها بودلير بمثابة التعبير الأسمى عن كآبة باريس، والنموذج الأحدث لالتقاط الشعري في ما هو عابر وزائل في المدن الكبرى، وتناولها مالارميه كنادرة مهمتها التعبير عن عالم آخر ليس عالم الملائكة والأرواح، وإنما عالم الصمت المشيد داخل اللغة، حيث المجد شمس الألفاظ، وأستشفها رامبو وسيلةً مثلى للتعبير عن فوضى الأنا الداخلية ومشاريعها في خلخلة الحواس حيث حاسة السمع تؤدّي وظيفة حاسة النظر، وحاسة النظر حاسة الشم، وحاسة السمع حاسة اللمس... وفي غرفة داخل فندق، كان لوتريامون، مصدوعَ الرأس يكتب رسالة إلى أبيه ليزوده بالمال الكافي، ليجعل من قصيدة النثر سيلاً شعرياً في الكشف عن شيء آخر لا علاقة له بكل ما كُتب في التاريخ عن الشر... في الحقيقة، كانت هناك قصائد نثر تتدفق، طوال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، من دون أي رقيب، أعمالاً لا يحددها أي تعريف. لو لم يكن بودلير هو الذي أطلق التسمية، وإنما شاعر آخر، لربما واجهت قصيدة النثر معارضة ولأصبحت مجرد موضة تجديدية.
إن أول مقالة عن قصيدة النثر كانت (بعد أكثر من ربع قرن على ظهورها) مقطعاً في رواية ويزمانز "بالمقلوب" (1884) يفكر بطلها بإعداد أنطولوجيا لقصيدة النثر التي تحتوي، في نظره، "ضمن حجمها الصغير، جوهر الرواية حاذفة منها التطويلات التحليلية والحشو الوصفي". في الحقيقة، إن قصيدة النثر كادت تكون شبه منسية منذ أواخر القرن التاسع عشر إلى أن ظهرا، في عز الحرب العالمية الأولى شاعرا الحركة التكعيبية ماكس جاكوب وبيير ريفيردي اللذان منحاها تنظيراً واضحاً عبر نماذج ستطلقها إشكاليةً لكل القول الشعري حتى اليوم. إلا أن ماكس جاكوب يعتبر، بلا شك، هو أول من أعطى تعريفاً لقصيدة النثر محدداً استقلاليتها كجنس أدبي له قوانين واضحة وصارمة، وذلك في "مقدّمة 1916".
فالمقاييس والشروط التي حددها ماكس جاكوب وعليها أن تتوفّر في قصيدة النثر هي: أن تكون قصيدة النثر كتلة ذات قابليّة لتوليد انفعال خاص يختلف كلّياً عن الانفعال الحسّي أو العاطفي. وذلك باختيارها الأسلوب، أي الموادّ المركّبة للعمل المتكامل. وعليها إذن أن تكون قصيرة ومكثّفة خالية من الاستطرادات والتطويل والسرد المفصّل وتقديم البراهينَ والمواعظ. وهذا لا يعني أن كل نص قصير قصيدة نثر. فالإيجاز سياق متوتر تشتجر فيه الجمل المركبة خلال تلاحق جزافي وكأنها سهامٌ تقصد معنى معيناً يَنْسلُ معانٍ حال أن يغيب كمعنى ذي وظيفة محدودة. على قصيدة النثر أن تكون قائمة بذاتها، مستقلة في شكلها ومبناها، لا تستمدّ وجودها إلاّ من ذاتها هي، مُبعَدة ومنفصلة تماماً عن المؤلّف الذي كتبها. أي أنْ تتواجد تواجداً حرّاً داخل هامشٍ ما. ذلك أنّ اختيار الأسلوب وتحديد الموقع يفرضان ما يمكن تسميته "التأثير" و"الانغلاق". فقصيدة النثر ذات شكل متكامل، محصور بخطوط صارمة، وبنسيج مُحكم. إنها عمل مغلق على ذاته، مثله مثل الفاكهة أو البيضة.
3
لا يعترف النقاد والمتخصصون بأن كل كتلة نثر هي قصيدة نثر. وهم محقون في ذلك. وإلا، عندنا مثلاً، سيُسطّل رؤوسنا هؤلاء الذين لا يرون التراث إلا كعلامة اكتفاء ذاتي ضد الآخر، بآلاف المقامات، مواقف الوعظ الصوفي واشارات الدندنة الإلهية، كقصائد نثر: "أوقفني وقال لي: من أنت ومن أنا، فرأيت الشمس والقمر والنجوم وجميع الأنوار. وقال لي ما بقي نور في مجرى بحري إلاّ وقد رأيته، وجاءني كل شيء حتّى لم يبق شيء فقبّل بين عيني وسلّم عليّ ووقف في الظل. وقال لي تعرفني ولا أعرفك، فرأيته كله يتعلق بثوبي ولا يتعلّق بي، الخ..." كلا. قصيدة النثر لا علاقة لها بهذا الرعاف الساكن. إنها سرد متحرك حيث الإفصاح عن الفكرة متوتر الإيقاع، ذات مبنى محكم وإطار محدود، فهي لا تتحمل الاستفاضة في استعمال الأدوات الجمالية، أو المبالغة بالصور والتزويق. يجب أن تتحاشى كل تظاهر متعمد، مقوماتها تختلف عن النثر الشعري بمختلف أشكاله وتشعباته، الذي يعتمد على كل ما يعتمد عليه الشعر الموزون من إيقاعات ومحاسن لفظية واستعارات بلاغية. إنها النثر كنثر حيث الصورة لا تدل إلاّ على نفسها هي؛ نثر يشبّ من أعماقه شعرٌ خال من كل ما يجعل الشعر الموزون شعراً. وهي بهذا المعنى جنس أدبي لكنه يسعى إلى نسف مفهوم الجنس الأدبي كلّه. فهي "تبدو، من جهة أولى، وكأنها ترفض الامتياز وحالة الاستثناء التي تستمد بقية الأنواع منها. وهي، من جهة ثانية، تبدي مقاومة إزاء قَدَر التحوّل إلى مجرّد نوع بين الأنواع، لكنها مع ذلك تطالب بالاعتراف بها كنوع مشروع ومتميز بذاته. إن مفارقة وصية الموت الطوباوية الخاصة بقصيدة النثر، تكمن في الطموح الذي جسدته منذ بداياتها الأولى لإيجاد حلّ نهائي لنزاعات الجنس Gender والطبقة والنوع، تلك التي استولدتها وتواصل الاعتماد عليها في تحقيق وجودها ذاته، إذا شاءت أن تكون أكثر من مجرد شكل فارغ" (2)
4
يرفض معظم النقاد لكل ما ضمه، مثلاً، كتاب بودلير "سوداوية باريس" كقصائد نثر. إذ في نظرهم، وهم على حق، ثمة قصائد في هذا الكتاب أشبه بالقصص الفلسفية ونصوص تكاد تكون مستلة من يومياته تطغى عليها الانطباعات الشخصية والحكم الأخلاقية، وهذا ليس من شأن قصيدة النثر المحددة بموضوع مجاني غير شخصي. كما أن كتاب رامبو "الاشراقات" لا ينطوي في نظرهم (وإن هو ديوان نثري) إلا على بضع قصائد نثر حقاً، أما البقية فهي تنفلت من القفلة الضرورية، تسهب في كتابة آلية مثقلة كثيراً بالصور، أشبه بشظايا ذاتية، في إيقاع مفخّم يتقطع فقرات مما يكسر الإطار الضروري الذي يجعلها قصيدة نثر. الشاعر فكتور سيغالين، مثلاً، الذي أصدر مجموعة قصائد نثر تحت عنوان "أنصاب" الذي ترجمنا منها خمس قصائد. فقصيدة "مديح الغياب وسلطته " و"عاصفة متينة" يعتبرهما النقاد قصيدتي نثر، بينما "مكتوب بالدّم"، "الحرفيون الأردياء" و"ترتيلة للتنين المضطجع" فلا. لماذا؟ اقرأ هذه الأنطولوجيا من حيثما تشاء.
انطلقت في اختيار القصائد اعتبارا من وجهة نظر هؤلاء النقاد والمتخصصين (لوك ديكون، ميشيل ساندراس وإيف فاديه). لكنني سمحت لنفسي بأن أترجم أيضاً قصائد أخرى حتى يتعرف القارئ العربي إلى القصيدة النثرية التي يريد أن يفرضها الشاعر هو، كرامبو في كتابه "اشراقات"، سيغالين في كتابه "أنصاب"، أو بروتون في نصوصه الآلية "أسماك ذَوَبانيّة".
5
والآن كيف يمكننا التعرف على قصيدة نثر، كيف يحق لنا أن نطلق التسمية على هذه القصيدة وليس على تلك؟ فنحن نستطيع بسهولة، يتساءل اراغون، أن نقول عن قصيدة موزونة بأنها قصيدة رديئة، لكن لا نستطيع أن نقول عن قصيدة نثر إنها قصيدة نثر رديئة، بل نقول إنها ليست قصيدة نثر. أسئلة صعبة لا أعرف كيف أوضّحها مع العلم إني أستطيع أن أتعرف بكل سهولة إذا كانت هذه الكتلة التي أقرأها هي قصيدة نثر أم لا.
مما لا شك فيه هو أن قصيدة النثر يمكنها أن تتواجد كنادرة، كمثال، كتخطيط وصفي لحادثة-حلم ما، لكن لا علاقة لها بكل هذا، فهي تعمل بإصرار على تشويش التطور المنطقي للنادرة التي تتوسلها تحايلا على القارئ، ولكل تخطيط وصفي تلعب عليه من أجل استقلاليتها، وكأنها قصاصة نثر سقطت من عمل روائي طويل. صحيح كذلك إن قصيدة النثر تعتمد على عناصر سردية قريبة من عناصر الحكاية: "كان ذلك في... وبعد أن... فطوّفتُ في ذلك الليل الأخير حتى مطلع الفجر... ثم راح ... بقعة صفراء أشبه بقمر توقف عن الحركة"، ومع هذا فليست لها أبداً الغائية التي يهدف إليها السرد في الحكاية. كما أن قصيدة النثر ليست نتيجة مزج بين جنسين أدبيين مختلفين، الشعر والنثر فتتوسل المحاسن البديعية وكأن النثر يعاني عقدة نقص أمام النظم يجب تمويهها. كلا، إنها النثر المستمد شاعريته من توتره وكثافة تراكيبه ومن حضوره هو كنثر متمرد، في وجه ما يُسمّى الجنس الأدبي، على سياقاته الغابرة وعلى كل ما يجعل الشعر جنساً أدبياً منفصلاً عنه. وبما إن الوحدة العضوية، المُغَيّبة شكلاً مجازياً، في قصيدة النثر ليست الأبيات وإنما تكمن في الجمل المنحصرة في ذاتها كالأفعال اللازمة غير المتعدّية؛ فإنه من الضروري أن تتلاحق هذه الجمل حيث الإيقاع الطافر، الهابط، المستقيم، المتكسر، وبطريقة متدرجة ومكثفة مما تثير القارئ وتشغل باله، جاعلة منه كتلة من التوقعات بأن حادثاً ما سيقع، لكنه، - وها هنا يكمن الوتر الحساس في قصيدة النثر- يُباغَت بنهاية مفاجئة لا تنطوي على موعظة أو هدف أو حقيقة ما؛ مجرد قفلة مجانية صادمة تجعله وجهاً لوجه مع قصيدة نثر بامتياز. التحديدات هذه ليست كما في النظم عَروضاً لا مفر منها في خلق قصيدة موزونة ناجحة، بل هي "قوانين استُخْلِصَتْ من تجارب الذين أبدعوا قصائد نثر، ورُئِيَ، بعد كلّ شيء، أنّها عناصر ملازمة لكل قصيدة نثر نجحت، وليست عناصر مُخترعَة لقصيدة النثر كي تنجح"، على حد عبارة أنسي الحاج في مقدمة كتابه "لن".
هوامش
1 - انظر مقالة جوناثان مور: "قصيدة النثر: النوع والوظيفة التاريخية"، ترجمة صبحي حديدي، في "فراديس" العدد 6/7 (1993)
2 – نفس المصدر.
لكتابة هذا التقديم البسيط احتدنا الى قراءة المصادر التالية:
Maurice Chapelan: Anthologie du poème en prose، Paris، Julliard، 1946
Luc Decaunes: Le Poème en prose، Anthologie، Paris، Seghers 1984
Michel Sandras: Lire le poème en prose، Paris، Dunod، 1995
Yves Vadé : Le poème en prose، Paris، Belin 1996
Suzane Bernard: Le poème en prose، Paris، Librairie Nizet، 1959
Mary Anne Caws: and Hermine Riffatterre: The Prose Poem in France، Culombia University Press 1983
Jonathan Monroe: A Poverty of Objects، Cornell University Press،1987
Margueritte S. Murphy: A tradition of Subversion، U.M.P.، 1992
Barbara Johnson: Défiguration du langage poétique: la seconde révolution baudelairienne، Paris، Flammarion، 1979
عاشق من فلسطين
09/06/2005, 17:25
ألويزيوس برتران ( 1807- 1841) Aloysius Bertrand
3 قصائد نثر
لم ير كتابهُ الأول والأخير Le Gaspard de la nuit (غاسبار الليل) النورَ إلاّ بعد عام ونصف على وفاته. أشرف على إنجازه فكتور بافي ودافيد دانغر؛ صديقان وفيان لم يدركا أنّهما بتحقيق وصيته، يفتحان أفقاً لم يحلم به الشعر من قبل، وذلك رغم أن الكتاب فشل فشلاً ذريعاً على صعيد البيع وأُهمله النقّاد كلياً، إذ صرح فكتور بافي قائلاً: "يمثل هذا الكتاب أكبر كارثة في تاريخ المكتبات!" أمّا سيرته في قاموس المغمورين فلم تتجاوز السطرين. هكذا ظل اسم برتران منسياً حتى مجيء بودلير ومالارميه ليحظى بشرف المؤسس الأول لقصيدة النثر.
ينقسم "غاسبار الليل" إلى ستة أجزاء، يتضمن كلُّ جزء مجموعَ قطع نثرية. كلُّ قطعة مقسمة إلى أربع، أو إلى خمس أو سبع فقرات أو وحدات. وقد ترك برتراند تعليمات للمصمم بأن يترك بياضاً واسعاً بين الفقرة أو والحدة والأخرى وكأنَّ كل فقرة مقطع شعري، بل وكأنَّ النص النثري هذا شعر. وهنا تكمن أهمية هذا الشاعر في إعطاء النثر شكلاً شعرياً يدشن قطيعة مع النثر الشعري الذي كان سائداً آنذاك. ففي نثره، يؤلّف البياض وقفة صمت ناطقة كأن نشعر وكأننا وسط أشباح المقاصد، الاحتمالات والأفكار غير المُعبَّر عنها. ففي طِباق النص يتكون في ذهننا نص تحتاني غير مكتوب. وما أن نوحد المكتوب بحبر أسود والمفترض بحبر أبيض يبرز المعنى العام حقيقياً ومكملاً للنص. ولا ننسَ أن البياض (الفراغ بين المقاطع - الوحدات الشعرية) الذي كان برتران مهووساً به حتّى أنه ترك تعليمات إلى المطبعة، سيطوره مالارميه تطويراً راديكالياً في قصيدته الأخيرة: "رمية نرد" كأن يتوجب على القارئ أن يستقرئ كلّ جملة بنفسه مستضيئاً بالبياض ليُبصر الكل.
تجديدات ربما عفويّة وجمالية صرف لم يفطن صاحبها إلى انطوائها على بذرة تجديد ستغيّر مفهوم الشعر كلّه، خاصة عندما نلاحظ تصنّعه في عدد لا بأس به من النصوص وهوسه في خلق أجواء غرائبية. لكن عمله هذا يكشف عن أصالته في تقديم نص نثري ملموم ومؤطر في شكل لم يُعرف من قبل مادته موضوع مجاني عابر يتميز بتوتر خاص به وكثافة: لبنات أولى لقصيدة النثر في القرن العشرين.
الذهاب إلى سَمَر السَّحَرة
"أفاقت ليلاً، أشعلت شمعةً، فتحت علبة وتدهّنَت،
وما إن همهمت بضع كلمات
حتى نُقلت إلى اجتماع السحرة الليلي!"
جان بودان: هوس السحرة الشيطاني
كان هناك اثنا عشر يتناولون حساء ممزوجاً بالبيرة، ولدى كل واحد منهم عظمة ذراع ميت يستخدمها كملعقة.
كانت المدخنة تتقد جمراً، الشموع وسط الدخان أشبه بالفطر، ومن الصحون كانت تنبعث رائحة قبر في الربيع.
وعندما يضحك "ماريبا" أو يبكي، كان يُسمعُ له صوت يشبه أنين قوس كمانٍ مقطوعة أوتاره الثلاثة.
على أنّ جندياً منحطاً راح يبسط بطريقة شيطانيّة على الطاولة، تحت بصيص مصباح الوَدَك، كتابَ طلاسم سقطت فوقه ذبابةٌ مشوية.
كانت الذبابة هذه لا تزال تطنّ عندما خرج من بطنها الضخم والأزغب عنكبوتٌ تسلّقَ حوافيَ المجلد السحري.
إلاّ أن السحرة والساحرات كانوا قد طاروا سلفاً من خلال المدخنة، بعضهم امتطى المكنسة، والبعض الآخر الملاقطَ، أما "ماريبا" فامتطى مقبض المقلاة.
الغرفة الغوطية
"في الليل، غرفتي تكتظ بالشياطين"
آباء الكنيسة
- "آه! – همستُ لليل – الأرضُ كأس عطرةٌ مدقّتها قمرٌ وأسديتها نجوم."
أغلقت،ُ والنعاس أثقل جفنيَّ، النافذة المُطعّمة بصليب الجلجلة، أَسودَ في الهالة الصفراء للوح الزجاج الملوّن.
كما، لو لم يكن سوى العفريت - في منتصف الليل، الوقت المُزيّن كشعارٍ بالتنين والشياطين ! – يَسكرُ بزيت مصباحي!
لو لم يكن سوى الحاضنة التي تهدهد بغناء رتيب، في ترس أبي، طفلا صغيراً وُلدَ ميتا.
لو لم يكن سوى الهيكل العظمي للجندي الألماني المرتزق المحبوس في خشب الحائط، يضرب بصدغه ومفرقه وركبته.
لو لم يكن سوى جَدّي ينزل بكل شخصه من إطار صورته الذي نخرته الديدان، ويبلل قُفّاز يده الواقي في جرن الماء المقدس.
لكن، كلا، إنه "سكاربو" الذي عضّني من عنقي، وحتى يكوي جرحي الدامي، غرس فيه إصبعه الحديد المحمّر في الأتون.
Ondine *
"كنت أعتقد أني أسمع
لحنا خفيا يخلب نومي
وبجانبي ينتشر همسٌ يشبه
أناشيد يتخللها صوت حزين ورقيق"
شارل برونيو
"اسمعْ! – اسمعْ – هذا أنا، أُوندين التي تلامس بقطرات مائية الألواح الرنانة لنافذتك التي تضيئها أشعة القمر الكامدة والكئيبة؛ وهاهي بثوبها المتموّج سيدة القصر التي تتأمّل من شرفتها الليل الصافي المرصَّع بالنجوم والبحيرة الهاجعة الجميلة.
كلُّ موج هو حوريٌّ يسبح مع التيّار، كلُّ تيّار طريقٌ تتلوّى نحو قصري، وكلُّ قصر بناءٌ مائي، في عمق البحيرة، في مثلّث النار والأرض والهواء.
اسْمَعْ! اسْمَعْ! يضرب أبي الماءَ النقّاقَ بغصنٍ من الراسن الأخضر، وأخواتي يداعبن بأذرعهن المجبولة من الزبَد جزرَ أعشابٍ ونَيْنَوفَرٍ وسوسنٍ، أو يسخرن من الصفصاف البالي والملتحي الذي له صنّارةٌ يصطاد بها."
بعد أن انتهتْ من همهمة غنائها، توسّلتني أن أضعَ خاتمها في إصبعي فأكون زوجَ حوريةٍ، وأن أزور معها قصرها لأكون ملك البحيرات.
وعندما قلت لها إني أفضِّل الزواج من امرأة فانية، ذرفتْ، بامتعاض واستياء، بضعَ دموع ثم أتبعتها بضحكة، وهي تتوارى وبلةَ مطرٍ بيضاء تسيل على طول زجاج نافذتي الزرقاء.
* حوريّة البحر، والمذكر Ondin حوري البحر
جول لوفيفر دومييه (1797-1857) Jules Lefevre-Deumier
3 قصائد نثر
شاعر رومانتيكي فرنسي. نشر عام 1854 "كتاب المستطرق" وهو مجموعة متكونة من 366 نص موزعة على أيام السنة. والغريب أنّ معظم النقاد وجدوا تشابها قوياً بين بعض نصوصه وقصائد بودلير النثرية (حتى في العناوين: "ساعة الحائط"، "المرآة"، "المرفأ")، مما حدا بالبعض إلى التصريح بأن بودلير فضل ألاّ يذكر دومييه أبداً وكأنه غير موجود، مكتفياً بذكر برتران الذي لا تأثير له في ابتكار قصيدة النثر.
أصوات الليل المنخفضة
يحاول الإنسان عبثاً التمرد على أحلامه، فهي أقوى منه بكثير. انطباع، ليست في قدرة الإنسان السيطرة عليه ولا على فهمه، يناقض مراراً وعلى حين غرّة أعظم تأملات فكره، بل يكذّب هذا الانطباع كلّ قدرات النفي الشجاع لدى الإنسان. تُرى هل من فيلسوف جريء لم يسمع أحياناً في دامس الليل، وبشيء من القلق، هذه الأصوات المبهمة، وكأنّها تتواعد في الظلام. يقال إنّ شيئاً ما يعيش في المادة خِفيةً بلا صوت، ويتّخذ، ما إن يصمتَ كلُّ شيء، صوتاً حتّى يكلّمنا: لغةٌ لا تُحدِّد، وقورة كالصمت، ظلماء ظلمة الدياجير. رسالة المستقبل أو الماضي المُلغزة، لغة تقلق العقلَ أيضاً. إنّ ما لم يعد يروّعنا لهو بقدر ما لم يكن: إنّه المجهول على الدوام.
الماضي
نتساءل ما الذي يحصل للأيّام التي لم تعد وهل يقوم قلب الإنسان مقام القبر لها. كلا، صدّقوني؛ إنّ كلّ شيء ليبدو ميتاً، لكن في الحقيقة ما من شيء يموت. فالأمس لا يزال موجوداً، بالرغم من أنّكم لم تعودوا ترونه. أيّامكم المُغمى عليها غائبات لن تعود، لكنّها ليست ضائعة. فهي تُعلِّقُ صورَها في نفوسكم، كما في محراب، وكثيراً ما تعود إليه لتتعاطى كؤوس الحديث كما في السابق، حالما تنامون، وحالما تحلمون، وتغيّر ترتيب الغبار الذي يغطّي صورتها. الماضي يعيش تحت ثلج الأعوام. إنّه الماء الجاري الذي يتدفّق تحت ترس الجليد، الماء الجاري حيث يتعرّج فيه، كالأسهم الأرجوانية والذهبيّة، مثل لفيف الأحجار الكريمة الجوّالة وكالأزهار التي تهرب ولا تذبل، ألفُ سابح صامت هم الذكريات.
السفينة المتجمّدة
يروي بعض الرّحالة أنّهم صادفوا، وسط أصقاع الجليد الشماليّة، سفينةً قديمة جمّدتها شتاءات. لقد ولجوا، بذعر ممزوج بالتهيّب، هذا المركبَ الفارغ والبارد، حيث بدا أنّ الزمن بدّل كلَّ شيء: الأشرعة، العتاد والحبال. إنّهم يرسمون بأسلوب رصين وقوي، المشهد الذي كنّا لمحناه من الظَهر، عبر الفتحات الثلجيّة التي تبدو وكأنّها درابزين السفينة. كانت السفينة ثابتةً بلا حراك، وكنّا نرى إلى مدى بعيد الجبال الطوّافة، التي ينقضّ أحدها على الآخر محدثةً ضجّة هائلة. غالباً ما أتذكّر هذه الصورة، وأنا أدخل مساءً في كنيسة، في هذه البوارج الجسام المصنوعة من الحجر، مرساتها ملقاة وسط عواصف العالم وترنّحه، التي تتحدّى صواعق صواريها المنسوجة من الصوّان وأشرعتها المرمية؛ نشعر وكأنّ ذعراً غريباً يستولي علينا، ما إن يخطر في بالنا أنّ هذا المركب المتحجّر مع أنّه لا يتحرّك من السيول، يفضي بنا إلى مرفأ الأمان.
عاشق من فلسطين
09/06/2005, 17:28
عبدالقادر الجنابي
تبرهن الدراسات البودليرية منذ مطلع ستينات القرن العشرين على أن قصائده النثرية تحظى بدراسات أكثر مما ناله كتابه "أزهار الشر." وهذا لم يحصل فقط مع بودلير، بل مع مالارميه الذي أصبحت أعماله النثرية اليوم محط دراسات جدية أكثر من أشعاره التي تبدو وكأنها قد نسيت، وكذلك مع رامبو الذي لولا "الاشراقات" لكان في عداد المنسيين مهما كانت قصائده الموزونة كـ"القارب السكران" جميلة، ومع بول كلوديل الذي راحت أوزانه وقوافيه تتلاشى أمام هذا المد النثري الهائل في كتابيه "معرفة الشرق" و"الطير الأسود في الشمس الطالعة". أما ماكس جاكوب فلولا "كوب الزّار" لما عرف أحد ما الذي سيبقى منه! كما أن أحد المهتمين بالروحانيات قال إنّ "قصيدة النثر تعرّض مؤلفها إلى شر القوى العليا"، مؤكدا كلامه عن سوء حظ برتران الذي اختفى قبل أن يتمكن من طبع كتابه، وبالشلل الذي منع بودلير من استكمال مجموعة قصائده النثرية، نهاية رامبو الفظيعة الذي لعله لم يعلم أن "الاشراقات" قد طبعت. يقيناً إن نكد الطالع لم يراع شعور هؤلاء الشعراء، لكن عملهم لم يعرف، وهذه هي المعاناة، أين يختلف شكله من هذا الذي أرادوا إعطاءه. لكن نحن هنا في صدد هذا الذي وصفه رامبو بـ"الرائي الأول، ملك الشعراء، إله حقيقي" : شارل بودلير.
أولاً، يجب توضيح معنى كلمة Spleen. إنها لفظة انكليزية تعني "الطحال." على أن الرومانتيكيين حمّلوها معنى جديدا في كتاباتهم الشعرية، وهو المعنى الذي دخل اللغة الفرنسية: "المنخوليا" أو "السُويداء". وفي المناسبة إن كلمة "السَوداء" تعني بالعربية في آن الطحال ومرض المنخوليا. وفي العامية العراقية، عندما نريد أن نصف شخصاً سوداوياً وكئيباً نقول: "مطوحل". لعل أقرب ترجمة إذاً لعنوان قصائد بودلير النثرية Le Spleen de Paris هي "سوداوية باريس". ثانياً إن بودلير كان متردداً بين عناوين عدة لقصائده النثرية الصغيرة" هذه: "قصائد ليلية"، وهو عنوان أشبه برد الجميل إلى الزيويس برتراند. ثم العنوانان التاليان: "المتنزه المنفردُ بنفسه" و"الجوّال الباريسي" اللذان يختصران انهمامات حقيقية بباريس يتناولها بعض قصائد الكتاب. غير إنّ بودلير، اعتباراً من العام 1863، بدأ يفكر في عنوان جديد يتردد كثيراً في رسائله: "سوداوية باريس". لكن عددا من النقاد يرفض وضع هذا العنوان على مؤلَّف مات بودلير قبل الانتهاء منه. كما أن الكثير من القصائد التي جمعت في هذا الكتاب وهي قصائد بودلير، فكر، حقاً، في ضمها، لا تتناول باريس، بل لا علاقة لها البتة بهذه المدينة، وإنما ببقاع ومدن أخرى. لذا أتفق الجميع على وضع عنوان: "قصائد نثر صغيرة" (والمعنى هنا قصيرة) مع عنوان فرعي: "سوداوية باريس". وأفضل توضيح لمشروع بودلير النثري الملاحظة التي كتبها الناقد الفرنسي غوستاف بوردان (ويقال أن بودلير أسرّها إليه) في "الفيغارو" في 7 فبراير/شباط 1864:
"سوداوية باريس" هو عنوان تبنّاه السيد شارل بودلير لكتاب يحضّره، ويريده أن يكون خليقاً بـ"أزهار الشر". وبالطبع، إن كل ما قد أقصيَ من الصنيع الشعري المقفى والموزون، وما صعب عليه التعبير عنه، كل التفاصيل المادية، بل كل لحظات الحياة النثرية، تجد مكانها في العمل النثري حيث المثالي والمبتذل ينصهران في ملغمة متلاحمة. من جهة أخرى، إن الروح الكئيبة والمريضة التي افترضها المؤلف ليكتب "أزهار الشر"، هي تقريباً نفسها التي تؤلّف "سوداوية باريس". وفي العمل النثري هذا، كما في الديوان المنظوم، كل ما يوحيه الشارع، الظرف والسماء الباريسيان، كل انتفاضات الوعي، لواعج التخيّلات، الفلسفة، الحلم، وحتّى النادرة، يمكن كل هذا أن يأخذ دوره بالتناوب. فالأمر يتعلق فقط بالعثور على نثر يتكيف والحالات المختلفة لروح المستطرق الكئيبة. قراؤنا سيحكمون إن كان السيد شارل بودلير قد نجح في هذا.
يظنّ بعض الناس أن لندن لها الحظ الأريستوقراطي في أن يكون لها سوداوية، وإن باريس، باريس البهيجة، لم تعرف قط هذا المرض الأسود. لعل هنا، كما يزعم المؤلف، نوعاً من سوداوية باريسية؛ ويؤكد أن هؤلاء الذين عرفوها، وسيتعرفون عليها عددهم كبير."
توفي بودلير في 31 آب 1867 وفي اليوم الذي حُمل فيه إلى المقبرة برفقة شلة صغيرة من الأصدقاء والمعجبين، كان المطر شديداً والجو كئيباً، وعلى بعد خمسين متر، كانت هناك جنازة أخرى فخمة مصحوبة بالجوقات والطبول والهيئات الرسمية لأحد صغار موظفي الشرطة. ألا نرى هنا قصيدة نثر مُرة امتزج فيها المِثال، بودلير، بالعادي والمبتذل، رجل الشرطة الصغير؟
"مع بودلير"، يقول والتر بنيامين، "باريس أصبحت للمرة الأولى موضوع الشعر الغنائي. والشعر هذا ليس فولكلورا محليا؛ فنظرة الشارح الرمزي التي تقع على المدينة هي بالأحرى نظرة إنسان مغترب. إنها نظرة المستطرق الذي أضفت طريقة حياته على فاقة البشر المتنامية في المدينة الكبيرة بصيصاً إسترضائياً."
في الحقيقة إن ثورة بودلير الثانية هذه، حيث يتماهى الحدث العادي واللقطة السامية في نثر حياتي جديد، جاءت في عز تعبيد شوارع باريس وتحديثها. وشعر بودلير إن قصيدة النثر هي القادرة على التعبير عما ترسل المدن الكبرى من شعاع شعري وأبدي إلى معالم الحياة اليومية. وبما أن لكل حقبة شاعرها العرّاف الذي يُسرّ إلى أهلها بحقائق ظاهر ما تجدد وباطنه، فإن بودلير هو، عن حق، شاعر الحقبة البورجوازية. إذ هو أول من التفت إلى الدفق الشعري الكامن في هذه المعالم، وإن كانت هي عابرة وزائلة تاريخياً، فقد راحت تتلمح زخماً حسياً غرضه تحديث الإنسان ودفعه إلى الأمام. ولذلك عبر بودلير عن هذا الجديد بكلمة صارت عنوان الخلق والتقدم: الحداثة، مشيراً إلى كل ما يتأتى عن حسيّة جمالية لم تدركها الأزمنة السابقة، مُميزة بقدرتها على إدراك ما هو أبدي وشعري في هذا العابر والزائل. روبرت كُب الذي حقق كتاب بودلير كتب في مقدمته لـ "سوداوية باريس": "إن ديوان "أزهار الشر" يفتح الطريق إلى الشعر الحديث، بينما كتاب "قصائد نثر صغيرة" يستهل شعر الحداثة." والكلام هذا صحيح ، لأن البطل المضمر في كل قصائد بودلير النثرية هو هذا المُستطرق Le flâneur الذي يختلف عن المتسكع المتحول أثناء تطوافه إلى جزء من هذه المعالم المترامية مشهداً خلاباً، وهكذا يُحبس عن أية قدرة نقدية كامنة، ويصير جزءاً من هذا المشهد فيضيع فيه ضياعاً تاماً. بينما المستطرق متسيّب بإرادته في الطرقات والمعابر، تاركاً حاسته التشكيلية السوداء والعيناء تتفرج على هذه الأزياء، الزحام، واجهات المحلات، بائعات اللذة الخ...، راصدة في هذه المعالم العابرة والزائلة كل ما هو أبدي منفلت، وشعري عارض.
بيان قصيدة النثر الأول: رسالة شارل بودلير
هذه رسالة بعث بها شارل بودلير إلى مدير تحرير مجلة "الصحافة" أرسين هوسييه، تعتبر البيان الأول لجنس أدبي جديد سيكون التعبير الشعري الأسمى للغة، سمّاه بودلير: قصيدة نثر.
صديقي العزيز،
أبعث إليك بعمل صغير يمكننا أن نقول، من دون أي إجحافٍ، لا رأس له ولا ذيل، بما أن كلَّ ما يحتوي عليه يُكوّن في الوقت ذاته، بالمناوبة وبالتبادل، رأساً وذيلاً. أتوسَّلُ إليك أن تقدّر كم هي مريحةٌ وعلى نحو مدهش هذه التركيبة؛ لك ولي وللقارئ. يمكننا أن نقطع أينما شئنا! أنا في هواجسي، أنت في المخطوطة والقارئ في قراءته؛ لم أكبح جموح القارئ إزاء سياق لا منته لحَبكة غير ضرورية. اِنزعْ فَقارةً، وسَرَعان ما سينضم وبكل سهولة جزءا هذه الفانتازيا المتلوّية. قطّعها أوصالاً عدة، ترَ أنّ لكلَّ وِصلةٍ وجوداً مستقلاً. وعلى أمل أن تنبض بعض هذه الأوصال حياةً بما يكفي لتسلّيك وتُسرّكَ، فإنّي أسمح لنفسي بإهدائك الأفعى بأكملها.
أريد أن أهمسَ لك بهذا الاعترافِ الصغيرِ. بعد تصفُّح كتابِ ألويزيوس برتران Gaspard de la nuit للمرّة العشرين على الأقل (كتاب تعرفه أنت وأنا وشلّة من الأصدقاء يستأهل بكل تأكيد أن يُعتبرَ مشهوراً) جاءتني فكرةُ محاولةِ شيءٍ مماثلٍ، وتطبيق الطريقةِ التي استخدمَها في رسم الحياة القديمة العجيبِ الطرافةِ، على وصف الحياة الحديثة، أو بالأحرى حياةٍ حديثةٍ محدَّدة وأكثرَ تجريداً.
مَن مِنّا لم يحلمْ، في أيّام الطموح، بمعجزةِ نثرٍ شعري، موسيقى من دونَ إيقاع أو قافيةٍ، فيه ما يكفي من المرونة والتقطّعِ حتّى يتكيّفَ مع حركاتِ النفس الغنائيّة، وتموّجات أحلام اليقظةِ، وانتفاضات الوعي.
وُلدَ هذا المثالُ المستبدُّ بالذهنِ، خصوصاً من الاختلاف إلى المدن الضّخمةِ ومن تقاطعِ علاقاتها التي لا تُحصى. وأنت، يا صديقي العزيزَ، ألم تحاولْ ترجمة صرخةِ الزجّاج الحادّة إلى أغنيةٍ، والتعبيرَ عن كلِّ الإيحاءات المحزنةِ التي تُرسلُها هذه الصرخةُ إلى السطوحِ عبرَ ضباباتِ الشارع العليا.
لكنني أخشى أنّ غيرتي لم تجلب لي الحظّ، فسرعان ما بدأتُ بالعمل حتّى أدركت أني لست فقط في غاية البعد عن نموذجي الغامض والماهر الذي اقتديتُ به، بل كذلك طفقت أُولّف شيئاً (إن كان في إمكاننا تسمية هذا "شيئاً") في غاية الاختلاف، حادثٌ لأفتخر به غيري بلا شك، لكنّه يذلُّ ناصيةَ أي فكرٍ يعتبر ما ينسجُه شاعرٌ ما، كما ينبغي وكما خُطط لذلك، مفخرة كبرى.
مع مودّتي وإخلاصي
شارل بودلير
26 آب 1862
13 قصيدة نثر
النّوافذ
هذا الذي ينظر إلى الخارج خلال نافذة مفتوحة، لن يرى من الأشياء مقدار ما يرى مَن ينظر إلى نافذة مغلقة. إذ ليس هناك شيءٌ أعمقَ، أغمضَ، أخصبَ، أكثفَ وأبهرَ من نافذةٍ تُضيئها شمعةٌ. إنّ ما نستطيع رؤيته في وضح الشمس لهو، دوماً، أقل أهميّة مما يجري وراء النافذة. ففي هذا الجُحر الأسود أو النُّورانيّ، تعيش الحياة، تتألّم الحياة.
ألمحُ، في الناحية الأخرى من أمواج السطوح، امرأة ناضجةً، وجهها متغضّنٌ؛ فقيرة الحال؛ مُنحنيةٌ دوماً على شيءٍ ما؛ لا تُغادر منزلها أبداً. من وجهها، لِبْسِها، تلميحاتها، تقريباً من لا شيء، استعدتُ قصة هذه المرأة، بل سيرتَها، وأحياناً أرويها لنفسي باكياً.
ولو كانت شيخاً مسكيناً، لاستطعت أيضاً والسهولة نفسها استعادة قصّته. ثم أخلد إلى النوم فخوراً بأنّي عشتُ وعانيت في حيواتٍ أخرى غير حياتي.
وربَّ سائلٍ يقول لي: "أمتأكّدٌ أنّ هذه السيرة هي الأصحُّ؟" وماذا تهمّ معرفة الواقع القائم خارج نفسي، بما أنّه يساعدني على أنْ أعيش، أنْ أشعر أنّي موجود، وأنّي أنا نفسي؟
فقدان الهالة
"ما هذا! واعَجَباً! أنتَ هنا! أنتْ، يا صديقي، في مكان سيئ كهذا! أنت الذي يشرب من الجوهر، ويأكل من طعام الآلهة! هذا أمرٌ يدهشني فعلاً.
- تعرف، يا صديقي، كم أرتعب من الخيل والعربات. قبل قليل، وأنا أعبر البولفار على جَناح السُّرعة، خائضاً في الوحل خلال هذه الفوضى غير المُستتبة، حيث الموت يراودك من كل جانب، انزلقت من رأسي هالتي، إثر حركة مفاجئة، في وحل الشوارع المعبّدة. لم تكن لي شجاعة التقاطها. وجدتُ أن فقدان علامة مَجدي أقل هوناً من أن تتكسر عظامي. ثم، قلت بيني وبين نفسي: ربّ شرٍّ نجمَ عنهُ خيرٌ. الآن أستطيع أن أتجول خفيةً؛ وأرتكب أعمالاً خسيسة؛ أن أنغمس كسائر الفانين البسطاء، في الخلاعة والفسق. وهاأنا الآن، كما ترى، مثلك بالضبط.
- ولكن انشرْ على الأقل إعلاناً عن هذه الهالة؟ أو بلّغ البوليس ليدبّر تعويضاً؟
- لعَمري، كلا! أشعر بالارتياح هنا. أنت الوحيد الذي تَعرّفَ عليّ. ثمَّ إنّ الوجاهة أخذت تزعجني. ناهيك بأنّي أشعر بفرح شديد أن شاعراً رديئاً سيلتقطها ويضعها بكل صفاقة على رأسه. يا لها متعة، أن تجعل شخصاً آخر سعيداً، وسيجعلني بالأخص أضحك. فكّر معي في "هاء" أو في "خاء"! ألا ترى كم سيكون الحال مضحكا؟"
نِعَم القمر
القمر، النزوة عينُها، نظر من النافذة وأنت نائمة في مهدك، فقال لنفسه: "الطفلة هذه تعجبني."
نزل باسترخاء سلّمه المصنوع من السحاب، ودلف عبر الزجاج بلا ضجيج. ثم أستلقى عليك بحنان أمومي دمث، وحط ألوانه على وجهك. فاحتفظت حدقتاك بلونهما الأخضر، وخداك بقيتا شاحبتين كل الشحوب. وعيناك لم تتسعا بهذا الشكل الغريب إلا عندما تأملت زائرك هذا، وضمك برقة حتّى ظللت محتفظة برغبة في البكاء.
في هذه الأثناء، وفي انتشار فرحه، أخذ القمرُ يملأ الغرفة جواً فُوسفورياً، سماً لامعاً، وكان كل هذا النور الحي يفكر ويقول: "ستكابدين إلى الأبد تأثير قبلتي. ستكونين جميلة على طريقتي. ستحبّين ما أحب أنا: الماء، السحاب، الصمت والليل، البحر الأخضر الذي لا حدّ له، الماء العديم الشكل والمتعدد الأشكال، المكان حيث لن تكوني، العاشق الذي لن تتعرفي عليه، الأزهار الوحشية، العطور التي تسبب الهذيان، القطط التي يُغشى عليها فوق آلات البيانو، والتي تنوء كالنساء بصوت أجشّ وعذب!
"كما سيهيم بك عشاقي، تغازلك حاشيتي، ستكونين ملكة الرجال ذوي العيون الخضر، الذين هم أيضا ضممتهم من خناقهم إبان مغازلاتي الليلية، هؤلاء الذين يعشقون البحرَ، البحر الذي لا حدَّ له، الهائج والأخضر، الماءَ العديم الشكل والمتعدد الأشكال، المكانَ حيث لا يتواجدون، المرأة التي لا يعرفونها، الأزهار المشؤومة التي تشبه مباخر دينٍ غير معروف، العطور التي تشوُش الإرادة، الحيوانات الوحشية والشهوانيّة رموز جنونهم."
لهذا، أيتها الطفلة العزيزة اللعينة المدللة، إني أضطجع الآن عند قدميك باحثاً في كل كيانك عن انعكاس الألوهيّة المريعة والعرابةِ المنبئة عن الغيب والمُرضعةِ التي تسمم كل الذين بهم مسٌّ قمري.
ساعة الحائط
يرى الصّينيون الساعة في عين القطط.
ذات يوم وهو يتنزّه في ضاحية نانكين، لحظ مبشّرٌ بأنّه نسي ساعته، فسأل ولداً صغيراً "كم الساعة الآن؟"
تَردد صبيُّ الإمبراطورية السماويّة في بدء الأمر، ثمّ غيّر رأيه فأجاب "سأقول لك". وسرعان ما عاد حاملاً قطّاً ضخماً بين ذراعيه، وبعد أن حدّق، كما يقال، في بياض العين، أكّد من دون أيّ تردد: "إنّها ليست الظهيرة بالضبط"، وهذه هي الحقيقة بالفعل.
أمّا بالنسبة إلي أنا، فإذا انحنيت صوب سنَّوريتي الجميلة، اسم طبق المرام، التي هي في آن كرامة جنسها، كبرياء قلبي وعطر روحي، فإنّي أرى، سواء في الليل أو في النهار، في نور النهار أو في الظل الكثيف، الساعةَ بكل وضوح في أعماق عينيها الرائعتين، ساعة، هي ذاتها على الدوام، شاسعة، مهيبة، جسيمة كالفضاء، غير مقسّمة إلى دقائق أو ثوان – ساعة ثابتة لا تتحرّك، لم تشر إليها أيّة ساعة حائط، ومع هذا فإنّها خفيفة كنهْدة، وسريعة كلمح البصر.
وإذا جاء ثقيل لإزعاجي فيما نظري مستقر على هذه الميناءِ اللذيذة، أو جاء جنّيُّ فظّ ومتشدد، أو شيطانُ طارئٍ ليقول لي: "إلى ماذا تنظر بهذا الاهتمام الشديد؟ عمّ تبحث في عين هذه الكائنة؟ أترى، أيّها الفاني المُسرف الكسول، الساعةَ فيها؟" لأجبت بلا تردد: "نعم إنّي أرى الساعة: لهي الأبدية".
ألا تعتقدين، يا سيدتي، أن غزلية هاهنا تستحق التقدير، وهي مفخّمة مثلك؟ كم تمتعتُ بتدبيج المغازلة المتكلّفة حتّى أني لن أطالبك بأي شيءٍ مُقابل ذلك.
الرّغبة في الرّسم
لعلّ الإنسان سيئ الحظّ لكن الفنان الذي تمزّقه الرغبة محظوظٌ.
أتحرّقُ رغبةً في رسم هذه التي قلّما تراءت لي والتي هربت سريعاً كأي شيء جميل تركه متأسفاً مسافرٌ ذهب به الليل. لقد مضى أصلا زمن طويل على اختفائها.
جميلة، بل أكثر من جميلة، إنّها مدهشة. فهي تزخر بالسواد: وكلّ ما توحي به لهو ليلٌ وعميق. عيناها كهفان حيث يتلألأ الغيبُ بخفاء، ونظرتها تنير كالبرق وكأنّها انفجار في الظُلُمات.
كنت لأقارنها بالشمس السوداء لو كان من الممكن تصور نجمٍ أسودَ يسكب النور والسعادة. لكنّها تذكّرني أكثر بالقمر الذي وسمها بلا ريب بتأثيره المخيف، لا بالقمر الشاحب قمر الغزليات الرعويّة الذي يشبه عروساً باردة، وإنّما بالقمر المريع المثير للحواس، المعلّق في أعماق ليلة عاصفة يتدافع فيها الغيم الراكض، لا بالقمر الهادئ والمحتشم الذي يزور منام الناس الأبرياء، وإنّما بالقمر المُنتزَع من السماء، منهزماً وناقماً، كأن تجبره بالقوّة ساحرات "ثيسالي" على الرقص فوق العشب المرتعد.
فوق جبينها الصغير تقطن الإرادة العنيدة وحب الافتراس. في حين أنَّ، أسفل هذا الوجه الذي ينمّ عن قلق، حيث مناخير رَجراجة تستنشق المجهول والمستحيل، تنفجر، بأناقة لا تُفسَّر، ضحكةُ فمٍ عريض، أحمر وأبيض ولذيذ، يجعلني أحلم بأعجوبة زهرة مدهشة تتفتّح في الأرض البركانيّة.
ثمّة نساء يشوّقن المرء إلى قهرهن والتمتّع بهن، إلا أنّ هذه تحفّز على الموت ببطءٍ أسفل نظرتها.
الزحام
لم يتيسر لكل إنسان أن يستحم في حشد من الناس: إن التمتع بالزحام فنٌ؛ ولا يستطيع القيام بعربدة حيوية، على نفقة الجنس البشري، سوى هذا الذي نفخت جنية فيه، وهو في مهده، طعمَ التنكّر والقناع، كراهية البيت وحب السفر.
حَشدٌ، وَحْدةٌ: مفردتان متعادلتان وقابلتان للتحوّل بالنسبة إلى الشعراء النشطين والغزيرين. هذا الذي لا يعرف كيف يجعل وَحْدته مكتظة، لا يعرف أيضاً أن يكون وحيداً وسط زحامٍ منهمكٍ في أشغاله.
الشاعر يتمتع بهذا الامتياز الذي لا نظير له، في أن يكون كما يشاء هو نفسه والآخر. مثل هذه النفوس التائهة التي تبحث عن جسد، يدخل، متى يشاء، شخصية أي كائن آخر. بالنسبة إليه وحده، كلُّ شيءٍ فارغٌ؛ وإذا بدت أماكن مغلقة أمامه، فلأنها لا تستحق في نظره أن تزار.
يستمد المتنزّهُ المتأمل والمنفرد بنفسه ثمالةً فريدة من هذا الاتحاد الكوني. ذاك الذي ينسجم بسهولة مع الزحام يتمتع بملذات محمومة، يُحرم منها الأناني، المنغلق على نفسه كخزانة، والكسول المحجوز كمحارة. الشاعر يتبنى، وكأنها خاصته، كل المهن، كل المتع وكل أشكال البؤس التي يتعرض لها بسبب الظروف.
إن ما يسميه الناس بـالحب هو فعلاً شيءٌ صغيرٌ، محدود وضئيل، مقارنةً بهذا الفجور الفائق الوصف، بعهر الروح المقدس هذا الذي يستسلم بأكمله، شعراً وإحساناً، للطارئ الذي يتجلى، للمجهول الذي يمر.
من المستحسن أحياناً إعلام سعداء العالم، فقط لتحقير كبريائهم التافه للحظة واحدة، بأن ثمة سعادة أكبر وأفسح وأرفع من سعادتهم. مؤسسو المستعمرات، رعاة الشعوب، المبشرون المنفيون في أقصى العالم، يعرفون بلا شك بعض هذه الثمالة الغامضة؛ ومن المحتمل إنهم، في حضن العائلة الكبرى التي خلقتها عبقريتهم، يضحكون أحياناً من هؤلاء الذين يشفقون عليهم بسبب حظهم المضطرب وحياتهم العفيفة.
الغريب
- "قل، أيّها الإنسانُ اللغز، مَن تُحبّ أكثر؟ أباك، أمّك، أختك أو أخاك؟
- لا أب لي ولا أمّ، لا أخت ولا أخ.
- أصدقاءكَ؟
- هاأنت تستخدم قولاً بقي معناه مجهولاً لدي حتّى اليوم.
- وطنكَ؟
- إنّي أجهل في أي أرض يقعُ.
- الجمالَ؟
- لأحببته تلقائيّاً، لو كان ربّاً وخالداً.
- الذهب؟
- أكرههُ كما تكرهون اللّه.
- آه مَن تُحب إذنْ، يا أعجب الغرباء؟
- أحبُّ الغيومَ... الغيومَ التي تعبر... هناك... هنالك... تلك الغيوم الساحرة!"
العزلة
قال لي صحافي محب للبشر بأن العزلة مضرة للإنسان، وليدعم أطروحته، أخذ يستشهد، كما يفعل جميع السذّج، بأقوال آباء الكنيسة.
أعلمُ أن الشيطان يتردد بكل سرور على الأماكن الموحشة وأن روح الغدر والإثم تلتهب بإبداع في العزلة. لكن من المحتمل أن هذه العزلة لن تكون خطرة إلا للنفس الباطلة والتائهة التي تغمرها أهواؤها وأوهامُها.
من المؤكد أن ثرثاراً لذته العليا هي أن يخطب من منصه عالية أو منبر، يعرض نفسه للجنون في جزيرة روبنسون. لا أطالب هذا الصحافي بأن تكون له شجاعة كروزو، لكنني أطلب منه أن لا يصدر حكماً على عشاق العزلة والغموض.
يوجد في أجناسنا المجعجعة أفراد يقبلون المقصلة بقليل من النفور لو سمح لهم أن يخطبوا في الجماهير من أعلى صقالة الإعدام غير خائفين أن خطبتهم ستقطعها في وقت غير مناسب طبول الجلاد.
لا آسفُ عليهم لأني أدرك أن خطاباتهم تأتيهم بلذاتٍ تساوي ما يجتنيه الآخرون من الصمت والخشوع؛ لكنني أحتقرهم.
أودُّ بالأخص أن يتركني هذا الصحافي اللعين ألهو على طريقتي. "ألا تحس مرة"، قال لي مدندناً بنبرة رسولية، "بالحاجة إلى مشاطرة الآخرين ملذاتك؟" انظروا إلى هذا الحسود الخفي. إنه يعلم إني أمقت ملذاته وها هو يتدخل في ملذّاتي! ياله من منكود ذميم.
قال لابرويير في مكان ما: " شقاء كبير هذه اللاقدرة على الوحدة"، وكأنه يندد بكل أولئك الذين يتسرعون لينسوا أنفسهم في الحشد خائفين، بلا شك، من عجزهم عن تحمل أنفسهم.
ويقول حكيم آخر: " معظم شقائنا يتأتى من عدم قدرتنا على البقاء في غرفتنا". أظن أنه باسكال متذكراً في صومعة الخشوع والتأمل، كل أولئك الجزعين الذي يبحثون عن السعادة في الضوضاء والحركة، في دعارة أستطيع أن أسمّيها "أخوية"، إذا أردتُ أن أتحدث بلغة قرننا الجميلة.
المرآة
رجلٌ مخيفٌ دخل وأخذ ينظر في المرآة.
- "لِمَ تنظر إلى نفسكَ في المرآة، وأنت لا تقدر أن ترى صورتك إلاّ متقزّزاً؟"
أجابني الرجل المخيف: " إنّ الناس، يا سيدي، بناءً على مبادئ 1789 الخالدة، متساوون في الحقوق. إذن، لي حقّ التمرّي، بلذة أو بتقزز، فهذا أمرٌ ينظر فيه ضميري وحده".
باسم التفكير السليم، كنتُ على حقٍّ، لكن من وجهة نظر القانون، لم يكن هو على خطأ.
الكلب والقنينة
- "يا كلبي الجميل، يا كلبي الجميل، تعال يا عزيزي توتو! اقترب، تعال استنشق هذا العطر الممتاز الذي ابتعته من أجود بائعي العطور في المدينة."
اقتربَ الكلب، وهو يحرّك ذيله، وهذه علامة على ما أظن، عند هذه المخلوقات المسكينة، تدل على الضحك والابتسام، ووضعَ بفضولٍ أنفه المبلل على القنينة المفتوحة، ثم أخذ، وهو يتراجع فجأة فزعاً، ينبح نحوي بأسلوب عتابي.
- "آه، أيها الكلب التعيس، لو كنتُ قد أهديتكَ علبة غائط، لشممتها بلذة ولربما لالتهمتها. وها أنت، يا من ليس جديرا بأن يكون رفيق حياتي، تشبه الجمهور الذي لا ينبغي أبداً أن تُقدَّم له العطور الرقيقة التي تغيظه، بل قاذورات اُنتقيَت بعناية."
المرفأ
كلُّ مرفأ هو مثوى خلاب للنفس التي أنهكتها معاركُ العيش. رحابة السماء، تشكّلات الغيم المتقلّبة، تلاوين البحر الحرباويّة، إشعاع الفنارات، إنّه مَوْشورٌ ثر بما يكفي لتستأنس العينُ به من دون أن تضجر أبداً. فالأشكالُ الوثّابة لمراكب معقّدة التركيب يسمها التموّجُ بنَوَسان متناغم، تعين النفس على تكريس ذائقة الإيقاع والجمال. وفضلاً عن ذلك، ثمّة بالأخص، متعة غريبة لهذا الذي لم يعد له طموح ولا فضول، في أن يتأمّل وهو جالس في مطلّ أو متكئ على رصيف بحري، مجملَ حركات المغادرين والعائدين، الذين لا تزال لديهم قوّة الإرادة، والرغبة في السفر والإثراء.
كونوا ثملين
عليكم بالثمالة إلى الأبد. هذا كلُّ ما هناك: إنّها المسألة الوحيدة. وحتّى لا تشعروا بأوزار الزمن الفظيعة التي ترهق كواهلكم وتحني ظهورَكم، عليكم أن تسكروا بلا هوادة.
لكن بمَ؟ بالخمر، بالشِّعر أو بالفضيلة على هواكم. لكن اسكروا.
وإذا حدث أن استيقظتم، مرّةً، على دَرَجات قصرٍ، أو على عشب مجرى ما، أو في وحشة غرفتكم الكئيبة، وقد خفّت النشوة أو آلت إلى الزوال، اسألوا الريحَ، الموجَ، النجمَ، الطيرَ، ساعةَ الحائط، كلَّ ما يجري، يعول، يدور، ينطق، اسألوها كم الساعة وستجيبكم الريحُ، الموجُ، النجمُ، الطيرُ، ساعةُ الحائط: "إنّها ساعة السّكر وحتّى لا تكونوا عبيدَ الزّمن المعذّبين، اسكروا، بالخمرة، بالشِّعر أو بالفضيلة، كما تشاؤون.
الحساء والغيوم
وصغيرتي الهوجاء تقدّم لي العشاء، طفقت أتأمّل من خلال نافذة صالة العشاء المفتوحة، التكوينات الهندسيّة المتقلِّبة التي يصنعها اللّه من الأبخرة، أبنية اللامحسوس العجيبة. قلت لنفسي، عبر تأمّلي:"إنّ كلَّ هذه الأطياف لهي جميلة تقريباً جمال عيون حبيبتي الجميلة، هذه الصُغَيْرة الهوجاء المريعة ذات العيون الخضراء".
وإذا بي أتلقّى لكمة على ظهري، وسمعت صوتاً أجش وفاتناً، صوتاً هستيريّاً وكأنّه مبحوحٌ من كثرة الكحول، إنّه صوت حبيبتي الصغيرة العزيزة، يقول: "أتتناول حساءك يا... أيّها ال ... تاجر الغيوم؟"
انا من جهتي بحب النثر كتير
وبحسوا معبر اكتر بكتير من الشعر المزون بالقوافي
وانشاله يطلع معي واكت كم قصيد ة ثنر
ومشكرو حسام
:D :D :D :D :D :D :D :D
عاشق من فلسطين
09/06/2005, 17:29
عبدالقادر الجنابي
ستيفان مالارميه
(1842-1898) Stéphane Mallarmé
إن كانت قصائده النثرية الأولى تكشف عن تأثيرات بودلير وبرتران، إلا أن مالارميه يُعتبر صاحب ثورة شعرية خاصة به لا تقل عن ثورة بودلير الثانية المتمثلة في قصائده النثرية. وثورته هذه تتلخص في سعيه داخل اللغة إلى نسف ثنائية نظم/نثر. ففي نظر مالارميه "ليس هناك نثر وإنما هناك الأبجدية ثم أبيات متراصة إلى حد ما: مسهبة إلى حد ما، فأنّى يوجد جهد في الأسلوب، يوجد نظم." وفي الحقيقة أن كل ما كتبه مالارميه، حتى رسائله تكاد تكون أشبه بقصائد نثر: فأسلوبه يخضع لصرامة نحوية وتركيبية تنقيه من الكلام العادي. يقال أن مالارميه أنِفَ، وهو في العشرين، من أن يرى الشعر يُدرَّس في الثانويات ويباع بطبعات رخيصة. إذ في نظره "إن الشيء المقدس والذي يريد أن يظل مقدساً يتجلل بالسر."
كتب مالارميه ما يقارب أربع عشرة قصيدة نثر وفي فترات متقطعة. لكنها تشكل العمود الفقري في محاولته تشذيب قصيدة النثر من رومانتيكية "أنا" الشاعر الذي من الآن فصاعداً سيتلاشى خلف الكلمات. والكلمات، في مشروع مالارميه، هي القضية الأولى. ذلك إذا كان مقصود نيتشه، في طرح سؤاله على الفلسفة، "من هو المتكلم"، ليس في التوصل إلى معرفة الخير والشر في الجوهر، وإنما اكتشاف المعنى، أو بالاحرى المتكلم، يجيب مالارميه بأن المتكلم هو الكلمة، في وحدتها، في تذبذبها الهش، وحتى في عدمها ذاته – لا معنى الكلمة، بل كيانها اللغزي العابر" (انظر "الكلمات والأشياء" لميشيل فوكو). ومن بين سطور هذه الإشكالية الكيانية العميقة يولد تنافرُ إغواء بين القارئ والنص، بين غرضية الشعر الاجتماعية مثلا وعدم قدرة الشعر على تلبية أي مطلب يبحث عنه القارئ؛ بين الكلمة كذات تعمل من أجل نفسها كإيقاع، كفكرة قائمة بذاتها وبين القارئ الساعي وراء مجرد لذة نغمية أو إلى جعل الكلمة مجرد وسيلة لمُـثـلٍ يتصورها. والأروع أنه حتّى المُـثُـل التي تتناولها بعض قصائده النثرية تكشف عن استحالة التعبير. ولا مفر، إذن، من هذا الانشطار في اللغة بين نظم ونثر، الواقع ومدوناته. لكنْ، لعلّ مخرجاً واحداً، تجلّى له في آخر حياته: "رمية نرد"، قصيدة البياض هذه التي "ربما يخرج منها شكل، معاصر، يسمح، لما كان لوقت طويل، قصيدة نثر... وأن يفضي، ربطنا الكلمات بشكل أفضل، إلى ما يمكن اعتباره قصيدة نقدية". فالشعر، مادام منهله صوامت اللغة، حنينُ المتعدد، حنين خال من كل الأشواق المائعة، إلى وحدته: اللغة.
في الحقيقة، إنّ حياة مالارميه المسكونة بالأشياء الذاوية هي حياة الجملة الشعرية المسكونة بالعدم، ببياض الصفحة، ونضال هذه الجملة في التحرر من ظلال النظم ومن أحاسيس النثر العادية: الجملة الباحثة، في قبو التركيب وسلالمه المعقدة، عن نص تتحاشى فيه السرد. وقصائد مالارميه النثرية التي اعتبرَها ذات مرة "لاشيء"، تبقى الفترة الأكثر صموداً من فترات هذه الجملة المعاشة في محاولة امحاء الشاعر في لغته الخاصة، إلى درجة أنه يرفض الحضور فيها الا بصفته منفذا في مراسم الكتاب البحتة، حيث ينبثق الخطاب من ذاته" (فوكو). في لغة كل شاعر أصيل، ظل من مالارميه!
الظاهرة مستقبلاً
سماءٌ شاحبةٌ، فوق عالم من الهَرَم يتوارى، قد تمضي مع الغيوم: خِرقٌ من أرجوان المَغيبات البالي تنحلُّ في نهر راكد عند أفق تكتسحه الأشعّة والمياه. الأشجار تضجرُ، وتحت أوراقها المبْيَضّة (لا بغبار الطرق بل بغبار الزمن)، ترتفعُ خيمةُ عارض الأشياء الفائتة: فوانيس عدة تنتظر حلولَ الغسق فتنعش وجوهَ حشدٍ من رجال تُعساء، غلبتهم الأمراض الأبدية وخطايا القرون، بالقرب من ضالعات معهم سقيمات حَبَالى بثمار بائسة ستفنى معها الأرض. في الصمت الجَزوع، صمت كلّ العيون المتضرّعة هناك إلى الشمس التي تغور، تحت الماء، يائسةَ الصرخة، كلامٌ يملك القلوبَ، ها هو نصّه: "ليس من لافتة تُتحفكم بالعرض الداخلي، لأنّه لا يوجد الآنَ رسّامٌ قادرٌ على منحه ظلاّ كئيباً. أتيتُ بها حيّة (صانها العلم الأسمى عبر السنين) امرأة من سالف الزمان. جنونٌ ما، في حالته الأولى، نقيّ السريرة، انتشاء ذهبيّ، شيءٌ لا أعرفُ ما هو سَمّته شَعرَها، ينثني مع رشاقة النسيج مدارَ وجهٍ ينوّره عُري شفتيها المضرّج بالدم. لها جسدٌ مكانَ الثياب العديمة الجدوى. والعينان الشبيهتان بحجر نادر، لا تضاهيان هذه النّظرة الناتئ بها لحمها الهنيء: من نهديها البازغين وكأنّهما مفعمان باللَّبن الأبدي، والحَلَمتان نحو السماء، إلى فخذيها الناعمين المحتفظين بملح أوّل البحار". متذكّرين زوجاتهم المسكينات، الصُّلْعاوات، المعتلاّت والمرَوّعات، أقبل الأزواج متزاحمين: هنّ أيضاً، بدافع الفضول، كئيبات، يردن أن يَرَين.
عندما يكون الجميع قد تأمّل المخلوقَ الماجِدَ، بقيّة باقيّة من عصرٍ ما لعين أصلاً، فإنّ بعضَهم غيرُ مُكترثٍ، لأنّهم لن يقدروا على الفهم، أمّا الآخرون، وهم ساهمو الوجوه، أجفانهم مخضّلة بالدموع الذاعنة، فسينظر بعضهم إلى البعض الآخر؛ في حين أنّ شعراء هذه الأيّام، شاعرين أنّ عيونَهم المنطفئة تُضاء ثانيةً، سيتوجّهون إلى مصباحهم، مُخدّري العقل هُنَيْهةً بمجدٍ مبهم، مسكونين بالإيقاع ناسين أنّهم في عصر يدوم أطول من الجمال.
شكوى خريفيّة
مذ أن فارقتني ماريّا ذاهبةً إلى كوكبٍ آخر – أيّهما، يد الجوزاء، الطائر، أم أنت يا فينوس الخضراء؟ - دمتُ أهوى العزلة. كم من أيّام طوال قضيتها وحيداً مع قطّتي. وبـ"وحيد" أعني بمعزل عن أيّ كائن مادي، فقطّتي رفيق سرّيٌّ، روحٌ، لذلك بوسعي القول إنّني قضيت أيّاماً طويلة وحيداً مع قطّتي، ووحيداً مع أحد كتّاب "الانحلال اللاتيني" الأواخر؛ إذ أحببتُ، منذ أن لم تعد المخلوقةُ البيضاءُ موجودةً، بصورة غريبة ومُستَغرَبة، كلّ ما تختصره هذه الكلمة: سقوط. وهكذا فأنّ موسمي السنوي المفضّل، هو آخر أيّام الصيف المتراخية، التي تسبق الخريف مباشرة، أمّا في النهار، فإنّ الساعة التي أتنزّه فيها، هي عندما تهجع الشمس قبل أن تغيب، مصحوبة بأشعّة من نحاسٍ أصفر على الحيطان الرماديّة، ومن نحاسٍ أحمرَ على زجاج النّوافذ. كذلك، فإنّ الأدب الذي تنشد روحي منه لذّةً، سيكون الشِعرَ المُحْتضرَ لآخر لحظات روما، ما دام أنّه لا ينمُّ بأيّة حال عن دُنُوِّ البرابرة المجدّد الشباب، ولا يتعتع قطّ اللاتينيّة الصبيانيّة للنثر المسيحي الأوّل.
كنت أقرأ إذنْ واحدةً من هذه القصائد الأثيرة (التي تجذبني أطلاؤها التجميليّة أكثر من تورّد الصبا) ويدي تغور في فراء الحيوان الطاهر، عندما راح أحدُ الأراغن الجوّالة يشدو أسفل نافذتي بكل تراخ والتياع. كان العزفُ يجري في الشارع العريض المشجّر بالحَوْر التي تبدو لي أوراقُها، حتّى إبّان الربيع، كئيبةً منذ أنْ مرّت ماريّا من هناك، للمرّة الأخيرة، مع شموع طويلة. إنّها لفعلاً آلةُ أشجان: فالبيانو يتوهّج، والكمان ينير النياطَ الممزّقة، لكنّ الأرغن الجوّال، عند غسق الذاكرة، يجعلني أحلم مُتَيَئِّساً. الآنَ وقد هَبَّ يدندن بكل بهجة نغمةً شائعةً تبعث الحبورَ في قلب الضواحي، نغمة مألوفة، لا تجاري العصر: تُرى، من أين تأتّى للازمتها أن تؤثّر في نفسي، فتجعلني أبكي مثل أرجوزة رومانسيّة؟ لقد استأنيت في تذوّقها، فلم أُلق من نافذتي بدرهمٍ خشية أن أكلّف نفسي فأدركَ أنّ الآلة لم تغن وحدها.
قشعريرة الشتاء
ساعةُ "ساكس" الدقّاقةُ هذه، التي تؤخّر وتدقّ وسط أزهارها وآلهتها الثالثةَ عشرة، لِمَنْ يا ترى كانت تعود؟ فلتُراعي، إنّها جاءت من "ساكس" مع ربات الماضي البطيئة.
(ظلالٌ فريدةٌ تتدلّى من الزجاج البالي)
ومرآتكِ البُنْدقيّةُ النموذج، عميقة مثل سبيل ماء بارد مأطور بضفّة أفاعٍ زال تذهيبُها، تُرى مَن تمرّى فيها؟ أواه، إنّي لموقنٌ أنّ أكثرَ من امرأةٍ حَمّمتْ في هذا الماء خطيئةَ جمالها؛ إذ لو أطلتُ التحديق فيها لكنتُ رأيتُ طيفاً عارياً.
- يا لك من سافل، غالباً ما تردّد أقوالاً بذيئة.
(أرى أنسجةَ عناكب في أعلى الشاهقة.)
خِزانتُنا أيضاً عتيقة جداً: تأمّلي خشبَها الكئيبَ كيف تضفي هذه النارُ عليه حمرةً؛ الستائرُ الباهتةُ نالتها رثاثةٌ كذلك، وقماش الأرائك المتحلّلة الدهان، والصور القديمة على الحائط وسائر أشيائنا القديمة؟ ألا يبدو لكِ أنّ، حتّى طيور البنغال والطائر الأزرق، قد بهتت ألوانها على مرّ الأيّام؟
(لا تفكّري في أنسجةِ العناكبَ التي ترتعد في أعلى النوافذ الشاهقة).
إنّكِ تحبّين كلَّ هذا، وذاك هو السببُ الذي مكّنني من العيش قربكِ. ألم ترغبي، أيّتها الأخت التي لها نظرة الأمس البعيد، بأنّه كان يجب أن تظهرَ، في إحدى قصائدي، هذه الكلمات "رونق الأشياء الذاويّة"؟ الحوائجُ الجديدةُ تُنفّرُكِ؛ فهي تخيفكِ، أنت أيضاً، بوقاحتها الصارخة، مما ستشعرين بالحاجة إلى استهلاكها، وهذا صعب جداً على الذين لا يستطيعون الاضطلاعَ.
تعالي، اغلقي تقويمكِ الألماني القديم، الذي تقرأينه باهتمام، رغم أنّ مائة سنة مرّت على صدوره ولقد مات جميعُ ما يبشّر به من ملوك، و، ممدّداً على السّجّاد الأثري، مستنداً إلى ركبتيك الكريمتين في ثوبك الحائل اللون، يا أيّتها الطفلة الساكنة، سأحدّثك طوال ساعاتٍ؛ فلم تعد ثمة حقولٌ والشوارع خوالٍ، سأحدّثك عن أثاثنا... أنت شاردة الفكر؟
(في أعلى النوافذ الشاهقة تُقَفقفُ أنسجةُ العناكب هذه).
وَسواس المُماثلَة *
أمِنْ كلماتٍ غير معلومة غنّت على شفتيك، أوصالٌ منبوذة لجملة عبثيّة؟ خرجتُ من شقّتي بإحساس حقيقي وكأنني جَناحٌ مسترسلٌ وخفيفٌ، منسرحاً فوق أوتار آلة، يحلُّ محلّه صوتٌ ناطقٌ لكلمات بنبرة هبوطيّة: الماقَبْلُ الأخيرة على نحوٍ
الماقَبْلُ الأخيرة
ينهي البيت و
ماتت
ينفصل عن
التوقّف المحتوم أكثر عبثاً في فراغ المعنى. خطوتُ بضع خطوات في الشارع فميّزت في رنّة "ما" وترَ الآلة الموسيقيّة المشتدّ الذي كان منسيّاً والذي كانت الذاكرة الجليلة قد مسّته فعلاً بجَناحها أو بسعفه و، إصبعي على حيلة اللُّغز، ابتسمتُ ومتمنّياً أماني فكريّة طفقتُ أتلمّس تأمّلاً مختلفاً. عادت الجملة، تقديريّاً ومتخلّصةً من سقوطٍ سابقٍ لريشةٍ أو غُصْنٍ، مسموعةً من الآنَ فصاعداً عَبرَ الصوت، إلى أن باتت في نهاية المطاف بمفصلها وحدها، لتحيا من شخصيتها هي. أخذتُ (غيرَ مقتنعٍ بإحساسٍ) أقرأها في نهاية بيت شعريّ و، مرّةً، كمحاولةٍ، أوفّق بينها وكلامي، لا ألبثُ أنطقها بعد ماقَبْل الأخيرة بصمتٍ أجدُ فيه لذّةً مضنيّةً: الماقَبْلُ الأخيرة ووترُ الآلة، من كثرة امتداده في النسيان على رنّة ما، قد انكسر بلا شك، فأضفتُ بأسلوب ابتهاليّ: ماتت. لم أكف عن العودة إلى أفكارٍ مفضّلة، متعللاً، حتّى أهدئ نفسي، بأنّ ما قبلَ الأخيرة لهي، يقيناً، مصطلح معجميّ يدلّ على المقطع قبل الأخير للألفاظ، ويمكن تفسير ظهورها كبقيّة جهدٍ لغويّ لم تُنكَر كلّياً، جُهدٍ تنتحب خلَلَه يوميّاً حاستي الشعريّة النبيلة لتوقّفها: الرنينُ عينه ومظهر البهتان الذي تتحمّله سرعة الإثبات السَّهْل، كانا سببَ همّ شديد. ضائقاً بالأمر ذَرْعاً، صمّمتُ مُتمْتِماً بنبرة قادرة على العزاء: ماتت الماقبل الأخيرة، إنّها ماتت، فعلاً ماتت الماقبل الأخيرة اليائسة، ظاناً بذلك إرضاء القَلَق، وليس دون الأمل السرّي بدفنها في تضخّم الترتيل، عندما شعرت، يا لَلرعب – جرّاء سحر متوتر وسهل الاستنباط – أنّ لديّ، ويداي يعكسهما بابُ المحل المزجّجُ تؤدّيان حركات مُداعَبة تهبطان فوق شيء ما، الصوتَ ذاتَه (الأوّل، الذي كان الوحيدَ قطعاً).
لكنّ اللحظة التي يحلُّ فيها تدخّلُ ما فوق الطبيعة الذي لا يُعترَض عليه، وبدايةُ انقباضِ نفْسٍ يحتضرُ تحته فكري الذي كان سيّداً منذ حين، هي عندما، رافعاً عيني، رأيتُ، في شارع تجّار التحف والعاديّات الذي سلكته بحكم الغريزة، أنّني كنت أمامَ محل عوّادٍ يبيع آلات موسيقية عتيقة معلّقة على الحائط، و، على الأرض، سَعَفٌ أصفرُ وأجنحة منزوية في الظل، لطيور غابرة. لذتُ بالفرار، كمثل شخصٍ غريبٍ ربّما حُكم عليه أن يلبس ثوبَ الحِداد من أجل ما قبل الأخيرة التي لا يمكن تعليلها.
* فضلت أن أترجم Le démon بوَسواس عوضاً عن "شيطان." لأن المعنى المراد هنا هو الهوس الذي يسيطر على الذهن حدّ الشعور كأن شيطاناً يحرك الأمر. وأعتقد أن "وسواس" يؤدي معنى الشيطان وفي الوقت ذاته الهواجس الذهنية.
تنبيه: جل قصائد النثر الفرنسية المنشورة هنا وفي ملف قصيدة النثر، مأخوذة من كتابي "الأفعى بلا رأس ولاذيل" (دار النهار 2001)
عاشق من فلسطين
09/06/2005, 17:31
جان أرتور رامبو
--------------------------------------------------------------------------------
جان أرتور رامبو (1854-1891) Jean-Arthur Rimbaud
سبع قصائد نثر
ترجمة سركون بولص وعبدالقادر الجنابي
في العدد المزدوج (6/7) من "فراديس" والمخصص، لأول مرة في تاريخ اللغة العربية، لقصيدة النثر الأوروبية، نموذجا وتنظيرا، كتبتُ في مقدمة الصفحات المخصصة لرامبو مايلي: "ترك رامبو، قبل اختفائه – انتهائه من فعل الكتابة، مخطوطة قصائد نثر لدى فيرلين تحمل العنوان الانكليزي التالي: Painted plates ويقول فيرلين أن المعنى الذي أراده رامبو هو Coloured plates اشارة إلى الكتب السنيّة أي المنورة الجوانب التي كانت تصنع في بريطانيا. ويضيف فيرلين ان الكلمة البريطانية لهذا النوع من الفن هو Illumination وقد نطقها نطقا انجليزيا: Illuminascheun. وقد نفى عدد من الأنجليز، آنذاك، على أن يكون لهذه الكلمة معنى كهذا الذي يقصده فيرلين – رامبو بالانحليزية. مهما كان الأمر، إن غلطة فيرلين هذه، منحت شعر رامبو معان أخرى، ومع هذا فإن الأوروبي لا يستخلص من كلمة Illuminations ، كما هو الأمر في كلمة "اشراقات"، دلالة صوفية اسلامية... إذن، ليس حبا باختراع كلمات جديدة ، ومعارضة سوء الفهم المعمم لمجرد المعارضة، وإنما تبديدا لسوء الفهم هذا، وجدنا كلمة: "استنارات" أقرب إلى المعنى الرامبوي الحقيقي، ناهيك عن أن فعل illuminé الفرنسي يعني إنارة، وكلمة illuminisme تعني مذهب النورانية. والقارئ الفرنسي على وعي كامل بهذه الفروق. وحتى يصدر كتابنا "استنارات رامبو" الذي سيحتوي على دراسة لفكر رامبو البعيد كل البعد عن الشرق العربي، والقريب كل القرب من الفكر اليوناني. هنا ست قصائد قام بترجمتها سركون بولص عن الانجليزية، ودققتُ كلمةً كلمةً على الأصل الفرنسي".
والتدقيق تضمن تحديد المعنى المراد في النص الفرنسي، تفحص ضربة رامبو الأسلوبية التي ضاعت في الصياغة الأنجليزية، والعثور على مفردات دقيقة مدروسة بحيث تُلغى نهائيا فكرة الكلمات المترادفة. أوه لو ثمة ناقد يقوم بمقارنة هذه الترجمة مع كل ما موجود من تراجم انجليزية لها، لأكد صدق ما أقول! كان، فعلا، في نيتنا، سركون وأنا، أن نقوم بترجمة قصائد نثر أخرى لرامبو وإصدارها بكتاب، عبر هذه اللعبة الشعرية: هو يضع مسودة أولى من الأنجليزية ثم أقارنها على النص الأصلي الفرنسي، وعندها يبدأ الشغل الحاسم: الترجمة الحقيقية.... لكن يا لها من مشقة تلك التي عانيناها، أحيانا ساعات لفك شفرة جملة واحدة، بل جلسات نقاش معمقة مع فرنسيين، من أجل بعث هذه الجمل في مقابل عربي محمل بكل ما تحتويه من معان وحرارة الشاعر وبنائه المشدود بمرجعيته الثقافية... بحيث عانى سركون، مرات عديدة، ضرورة إعادة صياغة العبارات واستبدال التساطر الإيقاعي للجمل في النسخة العربية. ناهيك أن كل قصيدة تطلبت شروحا جعلتني أبحث في الكتب والمراجع والمعاجم المتعلقة بشعر رامبو لكي أعدّ هوامش إيضاحية لكل قصيدة. هنا مقدمة عن دور رامبو في اثراء قصيدة النثر مع ترجمة لسبع قصائد، ست منها نشرت في فراديس من ترجمة سركون بولص بالاشتراك معي، والسابعة "ملكية" من ترجمتي أنا سبق أن نشرت في "القدس العربي" عام 1994
مساهمة رامبو هدية أبدية إلى شعراء المستقبل
"كان العقل الكوني يلقي على الدوام أفكارَه بشكل طبيعي. كان الناس يجمعون بعض ثمار الدماغ هذه، فانطلاقاً منها يعملون ومنها يكتبون كتباً: وهكذا استمرت الأمور، الإنسان لا يشتغل على نفسه، ذلك أنه لم يكن قد أستيقظ بعد، ولم يكن قد أوغل تماماً في الحلم الكبير. موظفون، كتّاب: أما المؤلف، المبدع الشاعر، فهذا الإنسان لم يوجد قط! أول ما يدرسه الإنسان الذي يريد أن يكون شاعراً هو أن يعرف نفسه معرفةً كلّية؛ أن يبحث عن نفسه، يتفقدّها، يغويها، يتعلمها. وحالما يعرفها عليه أن يرعاها... أقول أن على المرء أن يكون رائياً. عليه أن يجعل من نفسه رائياً. فالشاعر يجعل من نفسه رائياً عبر اختلال مدروس طويل هائل لكل الحواس (1). لكل أشكال الحب، الألم، الجنون. يبحث بنفسه، يستنفد كلّ السموم في نفسه ولا يحتفظ منها إلا بالجوهر. عذابٌ لا يوصف يحتاج فيه إلى كلّ الإيمان، إلى كل القوّة الخارقة، حيث يُصبح بين الجميع، المريض الأكبر، المجرم الأكبر، الملعون الأكبر، والعليم الأسمى، لأنه يدرك المجهول، إذ أنه قد يثقّف نفسه، الغنية من قبل، أكثر من أيّ كان، لأنه يصل إلى المجهول، وعندما، وقد جُنّ، ينتهي إلى ما يعمي بصيرته عن رؤاهُ، يكون قد رآها. فليمت في وثبته بالأشياء الخارقة التي لا اسم لها!... الإنسانية كلّها في عهدته، حتّى الحيوان. عليه أن يجعل اكتشافاته، تُشم وتُحس وتُسمع. فإذا كان الشيء الذي أتى به من هناك له شكل، أعطى شكلاً، وإذا كان بلا شكل، أعطى اللاشكل. المسألة هي أيجاد لغة، وبما أن كل كلام فكرةٌ، فإن زمن اللغة الكونية آتٍ..." هكذا شخص رامبو المشروع الشعري الحقيقي، وذلك في "نثر حول مستقبل الشعر" الذي كتبه على شكل رسالة (انظر ترجمتها الكاملة، قام بها محمد شعيرات، في "فراديس" عدد 6/7، نوفمبر 1993) وهو في السابعة عشر من عمره. لقد كتب رامبو، في فترة لا تتجاوز الخمس سنوات، أكثر الأعمال الشعرية التي تغذت منها أجيال وأجيال، ثم تخلى عن كل شيء. وقد كتب رينيه شار تحية إلى رامبو جاء فيها: "... حسناً فعلت بذهابك، يا رامبو! سنواتك الثماني عشرة الخارجة على الصداقة، على سوء النيّة، على بلاهة شعراء باريس مثلما على دندنة النحلة العقيمة لعائلتك الشبه مخبولة، حسنا فعلت بتشتيتهم في رياح عرض البحر، برميهم تحت شفرة مقصلتهم المبكرة. كنت على حق في هجران شوارع الكسالى، مقاهي القرائح السيّالة، مفضلا جحيم البهائم، مخالطة المخادعين وتحيات البسطاء... حسنا فعلت يا رامبو! فنحن قلة تؤمن من دون أي حاجة إلى برهان بالسعادة الممكنة معك."
يمكن القول أن رامبو هو الممهد الأول لقصيدة النثر السوريالية. فهو أول من أنتبه إلى أن الحداثة الشعرية التي تجلت في قصائد نثر بودلير، تحتاج إلى لغة جديدة متحررة كلياً ليس من "المتطلبات المنطقية ومن القيود النحوية والعروضية" فحسب بل كذلك من "التراكيب والصياغات التي تهبنا إياها جاهزةً عاداتُنا النحوية". قصائد رامبو النثرية خصوصاً في "إشراقات" ("استنارات" كما أفضل أو "تناوير" كما اقترح سركون) تعلّمنا بأن قوة قصيدة النثر لا تتراءى من خلال كلمة أو صورة ولا من خلال معنى عام، وإنما هي تكمن في "عدم الترابط التناغمي" هذا (على حد عبارة بول فاليري)، في نظام مستتر يربط بين جمل خاطفة. وها هنا يكمن اللغز الخلاق لقصيدة النثر. "إشراقات" رامبو تقدم لنا، كما كتبت سوزان برنار، "توليف المبدأين الرئيسيين (الهدام والبنّاء أو – إذا شئتم - الفوضوي والفني) لقصيدة النثر: لقد وجد رامبو نقطة التوازن بين نثر جد مائع وجد "نثري" عند بودلير، وتناظرات جد شكلية ومصطنعة عند برتران، واعطى قصيدة النثر - المكثفة والسريعة – علامة نبلها الشعري."
مع رامبو، قصيدة النثر أخذت وجهةً لم يُسبق إليها، فقد شحنها بصور لم تطف بوهم شاعر سابق، جاعلاً منها شظايا متطايرة من حُمم المجهول فوق الصفحات، مجازاً مرسلا من سماء لغة جديدة لن تعود فيها القصيدة إيقاعَ حدث، وإنما ستستبقه.
1- غريب أن يترجم أدونيس ، دون أي احساس بخطورة الكلمات، في كتابه "الصوفية والسوريالية" عبارة رامبو: dérèglement de tous les sens ب"تعطيل فعل الحواس"، ويفهم من هذا موت الحواس وتوقفها عن كل وظيفة، بينما المعنى الواضح والبسيط لكل من يعرف اللغة الفرنسية هو "اختلال مدروس للحواس او انحراف متعمد لمهماتها. بحيث يمكّن الشاعر كل حاسة من الابتعاد عن مهمتمها المعتادة لتقوم بمهمة منحرفة: مثلا حاسة الشم، تعمل وكأنها حاسة السمع، والسمع وكأنها حاسة الللمس ... والخ وهكذا تصبح حواس الشاعر منحرفة السلوك، وليست "معطّلة" كما يتمنى أدونيس.
7 قصائد نثر خارقة
بعد الطوفان
حالما همدتْ فكرةُ الطوفان،
وقف أرنبٌ وسط البرسيم والأزهار ذات التويجات الجرسية المتأرجحة، وصلّى لقوس القُزَح من خلال شبكة العنكبوت.
يا لَلأحجار الكريمة التي كانت تتخفّى، - والأزهار التي رنتْ لتوّها.
في الشارع الرئيسي القذر، أقيمت الأكشاك وأُجريت القوارب إلى البحر ذي التدرجات العالية كما في الرواشم القديمة.
عند "اللحية الزرقاء" جرى الدّم – عبرَ المسالخ، في السيركات، حيث امتقعتِ ا