-
PDA

عرض كامل الموضوع : البطالة والفقر


Danito
11/07/2006, 19:48
البطالة هي ظاهرة اجتماعية ناتجة عن تطور قوى الانتاج الاجتماعية التي تحكمها علاقات الانتاج الرأسمالية.
في النظام المشاعي البدائي ساد الجماعة إحساس فطري بأن قوة الجماعة وقدرتها على البقاء مرهونة بكثرة عديدها وقوة كل فرد فيها، فقامت العلاقات فيها على أساس الامتلاك والعمل والتوزيع المتساوي. أما في النظامين العبودي والاقطاعي فقد كانت التبعية الشخصية للطبقات غير المالكة (العبيد والفلاحين الأقنان) إلى أسياد العبيد والاقطاعيين تجعل أفراد تلك الطبقات جزءاً من ممتلكات الطبقة المالكة، إما ملكية كاملة (العبيد)، أو ملكية جزئية، بمقدار ما تتوقف حياتهم على حصتهم العينية من ناتج عملهم (الفلاحون الأقنان). وهكذا، لم يكن بالإمكان ظهور العاطلين عن العمل الباحثين عنه. وكان انخفاض متوسط العمر يتكفل، من جهة أخرى، بعدم ظهور الفائض البشري.
أما النظام الرأسمالي فقد «حرر» أصحاب قوة العمل قانونياً وشكلياً ولكن ليحولهم إلى عبيد لقوة غشماء أسمها قوانين السوق، إذ جعلهم إحدى السلع الخاضعة لقانون العرض والطلب. ففي السوق وحده تتحدد الحاجة إلى البشر كما تتحدد قيمة قوة عمل (أجر) كل منهم، وذلك بالتبعية لكون ما يقدر على تقديمه من سلع أو خدمات يلبي طلباً قائماً يوفر عائداً مرضياً لصالحب رأس المال وبغض النظر عن نوعية وأهمية القدرات والخصائص الشخصية للبشر أنفسهم. وأصبحت البطالة أخطر آفات الرأسمالية.
في الأنظمة الاشتراكية الواقعية التي شهدها القرن العشرون تحقق تقدم لا يمكن إنكاره في تحرير الإنسان من آفة البطالة وذلك نتيجة اعتماد التخطيط كآلية لعمل النظام الاقتصادي بديلاً عن آلية السوق. ولكن النظام الاشتراكي الواقعي انهار بسبب من عجزه عن انضاج الشروط السياسية والمعنوية المميزة له عن الأنظمة الطبقية، كما بسبب من كونه لم يتم على أعلى مستوى لتطور قوى الانتاج كما كان مفترضاً نظرياً، ولأنه، أيضاً، لم يستطع تطوير نظام التخطيط إلى نظام يضع خصائص العامل الانساني في صلب اعتباراته الانتاجية والاستهلاكية والأخلاقية.
وإذا كانت البطالة في الرأسماليات المتقدمة هي نتيجة لفرط النمو الرأسمالي، فإنها في الرأسماليات التابعة المتخلفة نتيجة لنقص النمو من جهة، ولشفط الفائض الاقتصادي إلى الخارج، من جهة أخرى، وذلك بدلاً من استثماره محلياً، كما في الرأسماليات المتقدمة في مرحلة صعودها، والتي كانت تضيف إلى الفائض الاقتصادي المحلي الثروات المنهوبة من العالم الخارجي، على عكس الرأسماليات التابعة المتخلفة التي تقوم الطبقات المهيمنة فيها بنهب فائض نتاج عمل شعوبها بل ومداخيلها الضرورية يومياً لتقدمها هدية مجانية للاقتصادات والمجتمعات المتقدمة. ولهذا تضافرت في الرأسماليات المتخلفة التابعة ظاهرتا البطالة والفقر لتشكلان آفة اقتصادية إجتماعية وأخلاقية مركبة، كنتاج للتخلف والتبعية، مما يجعل مهمة مكافحة البطالة والفقر مهمة سياسية من الدرجة الأولى، أكثر من كونها عملية تقنية أو قطاعية.
إن النظرية الكلاسيكية الجديدة التي تعتبر البطالة نتيجة لرفض العاطلين عن العمل القبول بأجور أدنى،، أي بطالة اختيارية، لا تصلح لتفسير ظاهرة البطالة، وبالتالي لا تفيد في شيء في معالجتها. أما النظرية الكلاسيكية التي تعتبر البطالة إجبارية وتربطها بالتراكم الرأسمالي وتضع في اعتبارها العوامل الاجتماعية والسياسية فهي أقدر من سابقتها على تفسير البطالة ومعالجتها.
فقد وجد آدم سميث وريكاردو، المفكران البرجوازيان، أنه بمقدار ما يتحول الفائض الاقتصادي إلى رأس مال مستثمر بمقدار ما تزداد ثروة الأمة ورفاه المجتمع، ليكتشفا وجود صراع ليس فقط بين الطبقة العاملة والطبقة الرأسمالية، بل وبين الطبقة الرأسمالية والطبقة التي تعيش على الريع، معتبرين مصدر عيش هذه الأخيرة (الريع) انتقاصاً من الربح الرأسمالي، وبالتالي، من التراكم، أي من طاقة المجتمع على التقدم.
وآخذاً بالاعتبار خصائص الأنظمة المتخلفة التابعة فقد ارتأيت توسيع مفهوم الريع، ليشمل، إضافة إلى التصريف الاقتصادي لحق الملكية، وهو الريع بالمفهوم الاقتصادي، جميع أشكال المداخيل الطفيلية المستحدثة غير الناجمة عن استثمار رأسمالي منتج أو عن عمل منتج، أي غير الربح الناجم عن استثمار حقيقي منتج أو عن أجر العمل المنتج، وأسميت هذه المداخيل، بـ «الريع المركزي»* (////////////// الروابط الي بيحطوها الأعضاء بيقدر فقط الأعضاء يشوفوها ، اذا مصرّ تشوف الرابط بك تسجل يعني تصير عضو بأخوية سوريا بالأول -///////////////_ftn1)، معتبراً أن القدرة على تحصيل المداخيل الطفيلية مرتبطة بالدرجة الأولى بطبيعة النظام الاقتصادي الاجتماعي ونوعية الدولة والطبقة القائمة عليه.
ومن بين أشكال المداخيل التي يشملها «الريع المركزي» هذا عوائد احتكار الموقع الجغرافي، أو القرار السياسي، أو القرار التنفيذي، وغير ذلك مما أصبح له تصريف اقتصادي يقدر مالباً، سواء في العلاقات الدولية، أو العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وربما الثقافية والأخلاقية، محلياً. وإذا كانت الأنشطة المولدة لمعظم أشكال هذه «الريوم ذات المنشأ غير الاقتصادي البحت». يمكن أن تندرج تحت عنوان «الفساد»، إلا أنه يمكن التمييز بينها والحكم عليها وفق معايير معينة. وعلى سبيل المثال، فإذا اكتشف مسؤول في بلد ما أهمية استراتيجة لبلده، سواء بسبب من امتلاكها لثروة نادرة، أو لموقعها الجغرافي، أو لغير ذلك من أسباب، وقام بتصريف هذه الميزات بتحصيل ريع عليها من الدول الأخرى، فإن المسؤول الذي يضع هذا الريع تحت يد الدولة التي توظفه في صالح الشعب هو غير المسؤول الذي ينفق هذا الريع على تمويل طغمة تقوم بقمع الشعب أو يضع هذا الريع في حسابه الخاص خارج الحدود بينما يدفع شعبه تكاليف هذا التوظيف لميزات بلده أولثرواتها.
وإن ارتفاع الطابع الريوعي لدولة أو لاقتصاد أو لمجتمع ما، أي ارتفاع نسبة هذه الأشكال من المداخيل إلى مجمل الدخل، إنما ينعكس سلباً على قدرة هذه الدولة أو المجتمع أو الاقتصاد على النمو والتقدم، بل ويضفي صفات سلبية على الحياة العامة مثل تقوية عوامل الانحلال والتفسخ، وقتل الصفات الايجابية الخلاقة.
وهكذا، فإن حجم أو معدل التراكم الرأسمالي لوحده لا يكفي لتفسير ظاهرتي البطالة والفقر، وإنما لابد من أخذ الخصائص المؤسسية للنظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي بالاعتبار، سواء عند توصيف الظاهرة أو عند البحث عن سبل مكافحتها.
في تطويره العميق لنظرية سميث وريكاردو اكتشف كارل ماركس القوانين الموضوعية للرأسمالية، مثل قانون التراكم، وقانون القيمة الزائدة، وقانون ميل معدل الربح العام إلى الانخفاض، وغيرها والتي تقود حتماً إلى تعاظم الثروة في يد القلة مما يجعل الكثرة عاجزة عن استهلاك ما أنتجته بسبب المحافظة على مستوى الأجور عند الحد الضروري للمعيشة، فتنفجر الأزمة، أزمة التصريف، عندما تتكدس القدرة الانتاجية غير القابلة للتغشيل والمنتجات غير القابلة للتصريف في جانب، ويتكدس البشر المنتجون في جيوس العاطلين عن العمل في الجانب الآخر، ويتحول بحث النظم الرأسمالية عن حل لأزمتها إلى خارج الحدود، وعلى حساب الآخرين، فيصبح هناك عالم ثان وعالم ثالث مستنزفان ويعيشان تحت الحصار والتهديد بصورة دائمة، وبإخراج العالم الثاني من المنافسة بقوى التخريب الداخلية، تحين الفرصة الذهبية للرأسمالية الاحتكارية، وبالأخص لقطبها الأكبر، الامبريالية الأمريكية، لتعلن «نهاية التاريخ». في شكل عولمة أمريكية، لكن مكر التاريخ يعود ليعلن أن كل نهاية هي في الوقت نفسه بداية لشيء جديد.
فالعولمة الأمريكية تلد نقيضها، العولمة الاجتماعية المضادة، التي بدأت تنظم صفوفها بإفشال اجتماعات قوى العولمة بدءاً من سياتل عام 1998، وتصعيداً في الحجم والقوة حتى اليوم.

Danito
11/07/2006, 19:50
ولئن كان الوطن العربي هو أقل مناطق العالم إحساساً بمخاطر هذه العولمة وتعبيراً عن مواجهتها، إلا أن صراعه مع الصهيونية وقوتها الضاربة اسرائيل المندمجين مع الطغمة العالمية الامبريالية اندماجاً عضوياً يجعل الأمة العربية في خندق المواجهة الأول، مما يدعونا إلى القول، بخلاف رؤيا الشاعر التركي ناظم حكمت، أن أسوأ الأيام هي الأيام التي لم نعشها بعد. وليس مبعث هذه الرؤيا اليأس والتشاؤم من إمكانيات الوطن العربي وطاقات الأمة العربية الهائلة بجميع المقاييس، وإنما المهمات التي تؤديها الأنظمة والطغم المهيمنة على حركة الجماهير العربية في إثقال الحياة العامة والخاصة بما يفوق الاحتمال من الكوارث والمعوقات والقيود، حتى أصبحت هذه الطغم المهيمنة، وقد مات فيها الإحساس بأي هم وطني أو أخلاقي تجاه بلدها، إنما تمثل مصالح الخارج في التعامل مع شعبها ولا تمثل مصالح شعبها في التعامل مع الخارج، مما يجعل جميع قراراتها وممارساتها تنتج نتائج ذات آثار سلبية ومدمرة على جميع نواحي الحياة في بلدها، من البيئة وحتى الاقتصاد والأمن الوطني ونوعية الحياة وشروطها الأساسية.
وبسبب من هذه الوظائف والأدوار التي تؤديها الطغم المحلية، ولإدراكها مقدار تناقضها مع طموحات ومطالب شعوبها، فقد أصبحت الحقوق والحريات الأساسية للمواطن خاصة وللشعب عامة حلماً دونه الأهوال، حتى بدت معارك التحرر من الاستعمار ومواجهة الامبريالية والصهيونية، على فظاعة هؤلاء جميعاً، أقل كلفة من سياسات وممارسات الطغم العربية المهيمنة، وأقل منها قدرة على اعاقة النهوض والتحرر والتقدم العربي، مما حرر الامبريالية والصهيونية من تكاليف المواجهة المباشرة مع الأمة العربية، هذه المواجهة التي أخذتها على عاتقها الطغم العربية، وبفعالية ووحشية تثاب عليها من الخارج كثيراً، من تقدير معنوي ومكافأة مادية وضمان أمني، بينما تلقي بأعبائها المادية المتزايدة بدون حدود على شعوبها، هذه الشعوب التي لم تعد تنتظر على يد هذه الطغم سوى المزيد من النهب والاستملاك والاحتكار والافقار والإعاقة والتهميش والتجهيل والتجويع، بل ولم تعد تسمع حتى الوعود الخلبية الكاذبة، والتي حل محلها الهجوم العلني الصريح على مقومات الوجود الأساسية، ودون خجل من أحد.
في حمى المواجهة بين الرأسمالية والاشتراكية، وعلى أثر الأزمة الاقتصادية الرأسمالية العالمية في الثلاثينات، تنطع مفكر رأسمالي بارز، وهو الاقتصادي الانكليزي جون مينرد كينز لمهمة انقاذ الرأسمالية، معترفاً أولاً، على خطى كارل ماركس، بأن أزمة الرأسمالية نابعة من داخلها، من عجز الطاقة الشرائية للجماهير عن تصريف الانتاج الكلي، واقترح تعويضاً لنقص الاستهلاك التمويل التضخمي، أي توسيع الانفاق الحكومي بالاصدار النقدي لتغطية عجز الميزانية العامة الناجم عن هذا التوسيع.
واستطاعت السياسات الاقتصادية القائمة على النظرية الكينزية تحقيق نمو وازدهار اقتصادي متواصل للرأسمالية الغربية على مدى ربع قرن بعد الحرب العالمية الثانية مما مكن هذه الأنظمة من استرضاء طبقتها العاملة بتأمين الضمانات الاجتماعية، وعلى رأسها الضمان ضد البطالة والفقر، وذلك لإبعاد شبح الشيوعية الذي سكن القرن العشرين بكامله. وأنتج التنافس الاقتصادي والرفاه الاجتماعي ثورة نوعية لم تكن هدفاً بحد ذاتها، وهي ثورة المعرفة، التي كشفت الأساس الذي يجعل فكرة المساواة الإنسانية حقيقة واقعة، وهو أن الخالق ساوى بين البشر مساواة مطلقة في أهم ما يميزهم نوعياً عن بقية الكائنات وهو عدد خلايا الدماغ، أداة انتاج المعرفة، ولتتأكد بذلك المسؤولية الذاتية للفرد أو للجماعة عن واقعها ومصيرها، وذلك بمقدار ما تستخدم من هذه الخلايا وبالكيفية التي تستخدمها والغايات التي تستهدفها من استخدامها. إن الفروقات بين الأفراد وبين الجماعات وبين الدول والأمم ستتحدد أكثر فأكثر في عصر المعرفة بهذه الثروة التي تساوى فيها البشر، والتي يعتبر من أهم انتاجاتها اكتشاف الشروط والسياسات التي تحقق المبدأ الاقتصادي البسيط: أفضل النتائج بأقل التكاليف، التكاليف المادية والمعنوية والزمنية. وأصبح من الممكن تصنيف الدول والحكومات والإدارات والجماعات والأفراد بين ثلاثة زمر: زمرة لا تستطيع، بسبب من تخلفها المصرفي، الإجابة على السؤال الاقتصادي البسيط أعلاه في مواجهة كل مهمة صغيرة أو كبيرة تواجهها، وزمرة تستطيع الإجابة الصحيحة عن السؤال وتعمل على هديها، وزمرة تعرف الإجابة الصحيحة وتعمل بعكس ما يتقضيه الحال منها، وهذه الزمرة خارجة على المألوف، خارقة لطبيعة الأمور، وببساطة هي زمرة خائنة، إذ أنها ليست ممن يجتهد بحسن نية فيخطئ، فله أجر، كالزمرة الأولى، وليست ممن يجتهد فيصيب فله أجران، كالزمرة الثانية، وإنما يعي ويعمل بعكس العلم والمنطق وبخلاف المصالح العامة للدولة والشعب، وأجره في كتاب محفوظ، خارج الحدود، ولن يأخذ منه شيئاً غير الخزي في الدنيا والآخرة، عندما إلى بارئه يعود!
* * *

Danito
11/07/2006, 19:52
ويقولون: فلان لا يحسن غير التنظير الفاشل البعيد عن الواقع والذي لا يقدم أية حلول، ولذلك عندما سمحنا له بالعودة إلى الجامعة وعرضنا عليه تولي مسؤوليات عملية رفض العودة والعرض معاً!!
وإنني اسمح لنفسي، باعتباري أجبرت وما زلت مكرهاً على التحول إلى عاطل عن العمل منذ ثلاث سنوات ونصف السنة، أن أزج بهذه القضية في موضوع البطالة الذي نتحدث عنه، والتي لا يمكن الحديث عنها في ظروف مثل ظروفنا إلا بربطها بالسياق المؤسسي للنظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. إن نسبة بطالة حقيقية بين الشباب تتراوح بين 25% و 50% وتتراوح بين 15 ـ 20% من مجمل قوة العمل وبالنظر إلى كونها تتصاعد منذ أكثر من عشرين عاماً دون أن تلقى أي محاولة جادة لتفهمها وإدراك أخطارها المدمرة التي تتفجر دورياً، وبالأحرى لوضع الخطط والسياسات العملية لمكافحتها، إنما تطرح أسئلة خطيرة تتطلب وبإلحاح إجابات عاجلة: لماذا وكيف سارت الأمور بهذا الاتجاه ووصلت إلى هذا الحد، ما هي القوى والمصالح التي تحكم مسار الأمور، ما هي النتائج المتوقعة منها، كيف يمكن استباق الأخطار المحتملة واصلاح المسارات غير المواتية، وبأية قوى وامكانيات واتجاهات؟
جواباً على الاتهام الشخصي أقول إنه لا فرق في الجوهر بين وضعيتي الشخصية والوضعية الاجتماعية العامة. فالوضعيتان هما نتيجتا قرار وسياسة واعية، الأولى قرار صرف من الخدمة لمواطن فرد والثانية سياسات صرف من الخدمة لجيل كامل أصبح يمثل الغالبية الساحقة من الشعب السوري، الذين ترتفع الأسوار بينهم وبين المشاركة في ملكية الوطن ومقدراته وإداراته وتقرير نوعية الحياة الحاضرة والمستقبلية على أرضه، مما أصبح حكراً على نسبة ضئيلة من السكان تعيش قطيعة وغربة كاملة عن شعبها وأرضها وأهلها السابقين.
ترى، لو كنت ممن ينظرون من خارج الواقع ولا يهتمون باكتشاف الحلول لمشكلات هذا الواقع هل كان هناك من دافع لإصدار قرار صرفي من الخدمة وللإصرار على التمسك به وعدم إلغائه رغم خطورة ما يعنيه أن تقوم الحياة العامة على اللا مبدأ واللا قانون واللا دستور واللا قضاء؟
تبدأ إذن معالجة قضية البطالة والفقر بإعلاء المبادئ الأخلاقية العليا التي تأنف الفساد والهدر والابتذال والتخريب والانحلال، وبسيادة الدستور والقانون الضامنان للعدالة والمساواة، واحترام الحقوق العامة للدولة والشعب والحقوق الخاصة للمواطنين وتوفير شروط ازدهارها، والتوظيف الأمثل لجميع الامكانيات والطاقات في تحقيق التقدم والرفاه العام، وإزالة جميع أشكال التوظيفات المالية والبشرية التي تحد من حريات المواطنين، وتحويلها إلى توظيفات أخلاقية وطنية منتجة ومبدعة.
وبديهي أن معالجة من هذا النوع للبطالة والفقر تختلف عن مجرد توزيع «الإعاشة» بالبطاقة على المحتاجين، إنها تستدعي إحياء شاملاً للدولة والمجتمع والفرد وتصويباً لجميع الانحرافات التي غشت مختلف نواحي الحياة.
ولطالما أشرنا في محاضرات الثلاثاء الاقتصادي وفي المقالات إلى التشوهات والانحرافات الفاقعة، والتي لا يمكن إدراجها في باب اختلاف الرأي والاجتهادات، وإنما في باب الاصطدام مع المصالح الخاصة التي تصر أن لا تتحقق إلا على حساب المصالح العامة والإضرار بحركة النهوض الاقتصادي والاجتماعي.
ولم تناقش مشكلة في هذه الندوة إلا وطرحت حلول مممكنة عديدة لها. لكن المشكلات تتفاقم يوماً بعد يوم بسبب من كون الحلول المختارة والقرارات المتخذة بعيدة عن، بل نقيضة، أي حل صحيح، وعلى طول الخط!
والسبب هو في أن الحلول الصحيحة لا تحقق المصالح الخاصة لبعض أصحاب القرار، ولا ترضي القوى الخارجية الآمرة لهؤلاء. فالإصلاح يحتاج إلى مصلحين، ولكن إلى مصلحين يصلحون الأوضاع العامة وليس أوضاعهم الخاصة على حساب الأوضاع العامة، ومكافحة الفساد بحاجة فعلاً إلى «الأيدي النظيفة» التي تنظف الطريق أمام المواطنين للعمل والإنتاج وإحقاق الحقوق وليس التي «تنظف» جيوب المواطنين من ثمرات كفاحهم وتتمسك بحرمانهم من حقوقهم وحرياتهم الطبيعية والدستورية والقانونية.

Danito
11/07/2006, 19:53
خطة لمكافحة البطالة والفقر:
تتضمن خطة مكافحة البطالة والفقر، برأينا، ما يلي:
1 ـ جرد وصيانة ما تبقى من الأملاك والأموال العامة ووقف الاعتداء المتصاعد عليها. ونقدر أن نصف الأملاك والأموال العامة قد انتهبت حتى الآن، ويتسارع استملاك ما تبقى منها.
2 ـ البحث عن الموارد الضائعة والمضيعة، وبالطبع ليس عند من يقل دخلهم عن الحد الضروري للمعيشة الذين يجب أن تتلزم لهم الدولة بهذا الحد، كما بتأمين العمل المناسب، وإنما تلك الضائعة والمضيعة على أيدي وعند من امتهنوا إدارة الضياع على مدى عشرات السنين. ونعيد التذكير ببعض الموارد الضائعة والمضيعة والتي تحدثنا وحاضرنا وكتبنا ونشرنا عنها عشرات المرات، ولسنا نحن فقط بل نخبة واسعة واعية وعالية الهمة والغاية من المخلصين:
آ ـ وقف التهريب الذي يجبر القائمون عليه الشعب السوري على تمويل أعدائه بمليارات الدولارات سنوياً، ومن أخطر هذه المهربات التبغ المسرطن، ونستطيع أن نوفر للميزانية الحكومية وللاقتصاد الوطني من هذا الباب ما يزيد عن ملياري دولار أميركي (100 مليار ليرة سورية) سنوياً تذهب الآن إلى جيوب الأعداء الخارجيين وشركائهم المحليين.
ب ـ تنقية العمل الإداري والمالي من الذين يؤدون عكس المهام المناطة بهم. ولسنا بحاجة إلى تكرار ما فصلنا فيه كثيراً من الثغرات المصطنعة والمفصلة لتكون أبواباً لمختلف أنواع الفساد، الذي أصبح شاملاً، أفقياً وعمودياً، حتى أصبح بالإمكان الحديث عن وجود نظام كامل لـ «تبييض الفساد» ليجعل منه نظام الحياة الطبيعي الذي يصبح كل خارج عنه شذوذاً منبوذاً.
لقد أصبح الأقوى والأكثر رسوخاً وثباتاً في كل مفاصل العمل الإداري والمالي والجمركي... إلخ هم الأكثر ضلوعاً والأكبر حصيلة والأشد تنظيماً في الفساد، حتى أصبح من السخرية الحديث عن مكافحة الفساد بأدوات البيروقراطية الفاسدة، وإنما الوسيلة الوحيدة هي إطلاق القوى الاجتماعية المناهضة للفساد وتمكينها من وسائل التعبئة العامة في حصاره ومواجهته.
وكنت قبل عدة سنوات قد قدرت حصيلة الفساد والعطالة المفتعلة بجميع أشكالها بـ 25% من الدخل القومي[1] (////////////// الروابط الي بيحطوها الأعضاء بيقدر فقط الأعضاء يشوفوها ، اذا مصرّ تشوف الرابط بك تسجل يعني تصير عضو بأخوية سوريا بالأول -///////////////_ftn2) [1] . إلا أنني، من كثرة اتصالي بالواقع المعاش، والكشف اليومي عن الذين يمارسون الفساد وضحاياهم، يتأكد لي يوماً بعد يوم أن النسبة السابقة تتصاعد بمعدلات مخيفة، بحيث أن حصيلة الفساد تتضاعف ما بين التوزيع الأولي والتوزيع الثانوي والتوزيع الثالثي... إلخ مع اتساع وتزايد حلقات دوائر الفساد وإحكام قبضتها على البلاد والاقتصاد والعباد. وهذا النوع من «الريع المركزي» يحرم التراكم الإنتاجي سواء في رأس المال أو في التنمية البشرية، بتقديرنا، من حوالي نصف الدخل القومي، الذي يذهب إلى الطبقات الطفيلية فيضيع على الاقتصاد الوطني وعلى ميزانية الدولة والقطاع العام والمواطنين كمنتجين وكمستهلكين، كمستثمرين انتاجيين وكأصحاب قوة عمل، ويجعل الدولة والنظام الاجتماعي في أدنى درجات الأمان.
إن التكاليف غير المباشرة للفساد من نوع الفرص الضائعة والانحلال والتفسخ وتهميش القوانين والمبادئ والأخلاق التي تقدر العلم والعمل وأصحابهما تعادل عشرات أضعاف حصيلته المالية المباشرة. والأخطر من ذلك كله آثاره على الأمن الوطني ومستقبل الأجيال، وهو ما أصبح نادراً ما يأتي على بال الغارقين في الفساد، الذين فقدوا البصر والبصيرة، وأصبحوا منذ زمن طويل يعيشون على حاسة الشم، شم النقود، وليس النسيم طبعاً!
جـ ـ وقف التخصيص الضمني الذي يتمثل بتجريف الأموال والثروات من خزائن القطاع العام، سواء بشكل «رسمي» ولكن مخالف لأصول الإدارة الاقتصادية، مثل التخصيص المجاني للأعمال المصرفية والبريد والهاتف وجزء كبير من التجارة الخارجية... إلخ، أو بشكل غير رسمي من خلال انتقاء الإدارات من نوعية محددة وتغطيتها بالقوانين والقرارات والأوامر والتوجيهات التي تجعلها تسرع عملية تسليم وظائف الدولة والقطاع العام إلى جهات مختارة ومجاناً، إما بشكل «تآمري» أو بشكل «تعاقدي» ومنذ محاضرتي في ندوة الثلاثاء عام 1986 عن «القطاع العام ودوره في التنمية» وحتى اليوم ونحن نتحدث عن مختلف أشكال التخصيص الضمني المجاني الذي إذا لم يوقف لن يترك القطاع العام والدولة إلا جثة هامدة، وهو ما يتسارع يوماً بعد يوم.
د ـ إخضاع جميع الميزانيات والحسابات إلى رقابة مستقلة وشفافية، بدءاً من ميزانية الدولة ونفقاتها الاستثمارية والجارية وحتى ميزانيات وحسابات مؤسسات ومصارف القطاع العام، يقوم بهذه الوظيفة ديوان للمحاسبة العامة غير خاضع للسلطة التنفيذية، وتقوم الجمعيات العمومية للعاملين في المؤسسات بالانتخاب الحر لممثليها في مجالس الإدارة وفي مناقشة خطط الإدارة وتنفيذها. ويجري نشر نتائج الحسابات وتقارير المحاسبة بصورة منتظمة في حينها، وتتاح الأرقام الفعلية للميزانيات العامة وليس فقط الأرقام التقديرية وسنة بسنة وليس بفاصل خمس سنوات!! أما المؤشرات المالية والنقدية والاجتماعية فيجب أن تنتشر دورياً وأولاً بأول كما في دول العالم المتمدنة.
وقبل أن يشاغلنا البعض في مدى دقة التقديرات، نقول؛ عليكم أن تبرهنوا على عدم دقة الأرقام بأرقام مبررة. وعلى سبيل المثال نقول: إن كل صاحب أجر أو راتب في سورية قد تعرض إلى سرقة ثلثي القيمة الحقيقية لدخله، بقوة السياسات والقرارات والممارسات الحكومية والبيروقراطية والفساد. فإذا حسبنا حصيلة هذه السرقة المكشوفة على مدى سنوات طويلة لاكتشفنا أنها لوحدها كافية لترقية مجتمعنا ومواطننا إلى مصاف العديد من الدول المتقدمة، وإذا حسبنا كم تخسر الميزانية العامة والاقتصاد الوطني من حصيلة السياسات والممارسات الواعية للقائمين على إدارتهما أو غض النظر عن الممارسات الجارية وحمايتها، فإننا تقول بكل ثقة، كما أكدنا ذلك مراراً في السابق بأن ميزانية الدولة والدخل القومي يجب أن يكونا الآن، ببساطة، أكبر بـ 2 ـ 3 مرة من حجمهما الراهن، وإنه بالإمكان الوصول إلى هذا الحجم بواسطة خطة تنفذ على ثلاث سنوات تقوم على صيانة الأملاك والحقوق العامة وحسن إدارتها واستثمارها، ذلك أن الحجم الراهن للدخل القومي والميزانية الحكومية والموجودات المصرفية وخزائن القطاع العام ومستوى الدخل الفردي للمواطن مختزل ومنتقص إلى حد كبير لا يحتمل.
إن إدارة عامة من نوع جديد في جميع المواقع تضع هدفها وخطة عملها تحقيق الاصلاحات أعلاه تستطيع نقل سورية خلال سنوات قليلة إلى مواقع متقدمة. إلا أن تأخير قيام مثل هذه الإدارة سيزيد من استحالة عملية الإصلاح مستقبلاً، ليستمر وضع البلاد المادي، والمعنوي وأمنها الوطني والاجتماعي بالتقهقر عاماً بعد عام، ولن ينفع الإعلام المضلل والأرقام المزورة المتسخدمان لطمس الوقائع الحقيقية، سوى في إطالة عمر الركود والفساد المستشريين، وتسريع الانهيار الشامل.
فلو أعدنا للدولة ومؤسساتها أملاكها وحقوقها المستلبة وأصلحنا الإدارة العامة والقانون والقضاء والإعلام، وأحيينا السلطات العامة التشريعية والتنفيذية والقضائية والإعلامية، ووضعنا أصحاب الكفاءات والخبرات في المواقع المناسبة لهم، بغض النظر عن انتماءاتهم الحزبية والأمنية، ليحسنوا استثمار الموارد العامة، لأمكن بهذه الطاقات والامكانيات المتنامية مضاعفة الاستثمار والانتاج الوطني والتصدير وعدد المشتغلين في الاقتصاد الوطني ومضاعفة المداخيل الفردية، والاستغناء عن الاستجداء وانتظار الصدقات والمعونات والقروض التي تضاعف تكاليف المشروعات وتضاعف الزمن المتوقع لإنجازها.
محاربة البطالة والفقر بسياسة مضادة للركود:
منذ الاجتماع الأول، وعلى مدى الاجتماعات المتتالية، للجنة التي اجتمعت بدعوة من السيد وزير التخطيط قبل حوالي عام مضى، من أجل دراسة مشكلة البطالة في سورية ووضع برنامج لمكافحتها، كنت أؤكد على ما يذكر الزملاء أعضاء اللجنة ومن بينهم الدكتور رزق الله هيلان والدكتور نبيل مرزوق، أن الإجراء الأكثر فعالية في مكافحة البطالة، وبالأحرى الفقر، هو وضع خطة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتحقيق أهدافها باستخدام الأدوات المالية والنقدية والتسليفية، والاصلاحات التشريعية والإدارية، وإعادة توزيع الدخل القومي، والتنمية البشرية والتطوير العلمي ـ التقاني في فروع الاقتصاد كافة، وأنه لا يمكن لأي برنامج طوارئ إسعافي أو إنقاذي أن يحل مشكلة البطالة بإجراءات جزئية أو قطاعية.
فأي مكافحة للبطالة يستطيع تحقيقها، مثلاً، برنامج لانفاق بضعة مليارات من الليرات السورية لتوفير فرص العمل لبضة آلاف من العمال بشكل مؤقت، بينما يقل الاتفاق الحكومي الاستثماري الفعلي عن الانفاق المقدر بمبلغ يعادل أضعاف ما يتوفر لمشروع مكافحة البطالة سنوياً.
وللعودة إلى استكشاف سياسات التثبيت أو التكيف الهيكلي المطبقة دون إعلان في سورية ولتحديد مسؤوليتها عن ظاهرتي البطالة والفقر، سنحاول قراءة بعض الأرقام المالية والنقدية ـ التسليفية.
(المصدر: النشرة الربعية (1 + 2) الصادرة عن المصرف المركزي السوري لعام 2000).

Danito
11/07/2006, 20:07
15612

15613

15614

Danito
11/07/2006, 20:09
قراءات في أرقام الجداول (1) و(2) و(3):
1 ـ في الجدول (1) بلغت نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية ما بين 1995 ـ 1999، 44% مقابل نسبة نمو في النقد المتداول خارج المصارف لنفس الفترة 26% وبما أنه لم يحدث تغير يذكر في نصيب النقود الجاهزة في الكتلة النقدية، أي أن انخفاض نسبة نمو النقود عن نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي لم يعوض بتداول الشكات، فإن الفراق الكبير بين النسبتين يفسر أزمة السيولة والانقباض النقدي وحالة الركود الاقتصادي، بل ويؤكد ع