-
دخول

عرض كامل الموضوع : شظايا شعرية


عاشق من فلسطين
30/03/2005, 17:12
هذا القسم .. لأخبار الشعر والشعراء ..
من مدارس شعرية ونقدية .. الى اخبار الى مقتطفات .. الى سير ...

يعني كل ما يتعلق بالشعر ( عربيا" وعالميا" )

يرجى المساهمة بمعلومات ذات قيمة ...


مشكورين ..

عاشق من فلسطين
30/03/2005, 17:23
الناقدة المصرية عبلة الرويني تحتفي بدنقل وتهاجم شعراء السبعينات وتناقض نفسها بين فصل وفصل

القاهرة: محمد أبوزيد


اذا كان الخوارج تاريخيا هم الذين خرجوا من شيعة الامام علي بن أبي طالب عليه رافضين التحكيم، فان الخوارج الجدد الذين تقدمهم عبلة الرويني في كتابها الجديد «الشعراء الخوارج»، الصادر أخيرا عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة، هم قوس جمالي يتباين شعراؤه بالضرورة وباشكال خروجهم، كل بحسب بيئته وتكوينه ومشروعه.
واذا كانت الرويني تصف هؤلاء الشعراء بالخوارج فانها لم تحدد أسباب اختيارها لهؤلاء الشعراء بالذات من دون غيرهم وما هي الآليات التي اتبعتها في الاختيار ولماذا هذه التسمية. الملحوظة الثانية على الكتاب هي انه تجميع لمقالات وحوارات نشرتها الرويني في الصحف والمجلات عن ومع بعض هؤلاء الشعراء، وهي حوارات ومقالات يغلب عليها الانطباع الشخصي وتفتقد النظرة العلمية والمساءلة النقدية الصحيحة. وتسعى الرويني عبر الكتاب الى تفريغ كلمة «الخوارج» من مضمونها السياسي لإلصاقها بهؤلاء الشعراء الصداميين باعتقادها، في الوقت الذي لا تتحاشى فيه الحديث عن مجابهة عبدالمنعم رمضان لما هو عام وعمومي وخروجه المستفز على المعنى والوظيفة والايديولوجيا، وهو عنف يشبه عنف مقاومة احمد طه لكل ما هو قومي وعروبي، وهو سجال ـ في اعتقادها ـ جارح ووحشي.
كما تبدو لفظة «الحداثة» مضطربة في فهم الرويني، فهي تعلن انحيازها الصريح الى حركة الشعر العربي الحديث والى القصيدة الجديدة على اختلاف رؤاها، ثم تقول انه على الرغم من حضور الحداثة كعنوان للحركة الشعرية الآن، إلا ان حضورها محاط بالأسلاك الشائكة فهي حداثة ملتبسة ومتناقضة، يمزقها وعي شقي وازدواجية عاصفة، وبنية اجتماعية سياسية، غير قادرة على تحقيق التراكم المعرفي والعلمي، ازدواجية ساهمت في تعميق مأزق القصيدة، وغربة كثير من الشعراء بين طوباوية متعالية أو عدمية معزولة ومنعزلة.

* دنقل وأدونيس ودرويش

* أول الشعراء الخوارج الذين تقدمهم الرويني هو أمل دنقل ـ بالطبع ـ زوجها الراحل، الذي «ألح على التجربة كمقابل لاسقاط التجريد، فهي التحقق العيني للانخراط في التاريخ، ففي «العهد الآتي» كان اتجاه القصيدة نحو اعلاء قيمة الدخول في التجربة قيمة جوهرية داخل الديوان، وهو تحرك من المطلق السلطوي الى النسبي المشروط وانتقال من جمالية المشابهة والسكون الى جمالية الاختلاف والحركة من أجل إعادة الاعتبار لكلية الحضور الانساني».
ولذلك تظل الحرية ـ والكلام للرويني ـ جوهر ما يبحث عنه أمل دنقل طوال تجربته الشعرية، فهي صاحبة السيادة والأولوية المطلقة، حيث الحق هو الحلم بتحقيقها والجمال نتيجة لتحققها، بل هي شرط التحقق العيني والتاريخي للحضور الانساني، ولعل هذا التراكم يستند في مستوى الصورة الشعرية الى نوع من التفتيت. وفي الاطار الكلي العام يشير الى تفتيت الواقع داخل صورة شعرية مكتملة، يشير الى رؤية الشاعر المتماسكة لحساب اقامة عالم مواز ورمزي يصفه الشاعر داخل قصيدته.
أما محمود درويش في اعتقاد الرويني «فهو شاعر يحمي الشاعرية من الشاعرية، ويحمي العاطفية من العاطفية».
وتقول عبلة الرويني عن ادونيس انه مفتون بالقراءة، يحرص على التأويل وملاحقة الدلالات والاحكام، ويحرص على الامساك باللحظة لتثبيت الحكم واثباته، وهو خضع في تحليله لظاهرة الجمهور الشعري لفرضية ذهنية أقامها وسكن إليها، الجمهور هو في عمومه جمهور سياسي ايديولوجي، لا يتصل بالفكر بوصفه كشفا ومعرفة، جمهور قضاياه سياسية وهواجسه ايديولوجية، وهو بالضرورة مستلب الوعي، مغلوب على أمره، ومحاصر داخل مساحة ضيقة. وفي ظل غياب الجمهور عن القصيدة الادونيسية يقبل ادونيس بسهولة تفسيرات السلطة وسطوتها في صناعة الصورة ومحاولة امتلاك الجمهور وتوظيفه.

* اتهامات لجماعة «إضاءة»

* «عمر من النثر مضى، وعمر من الشعر يقبل، صف الهناءات واحدة جنب واحدة، وطيرها في فضاء الشرق حينما يتطابق البدنان، وانسها معلقة، كيف يكون جسمي موسيقيا بطغيانه عليّ؟». بهذا المقطع من قصيدة لحلمي سالم تستهل الرويني فصلها عنه في كتابه وهجومها عليه، بداية من اتهامه بالتناقض الى المراوغة التي تسمح بالعمل طوال الوقت خلف الاقنعة بمنهجية السوق السائد. وتتهم الرويني جماعة اضاءة الشعرية (جمال القصاص، حلمي سالم، ماجد يوسف، حسن طلب) انها عندما اعادت مجلة اضاءة اصدارها وضم اعضاء جدد إليها مثل الشاعرين صلاح اللقاني وفريد ابوسعدة بعد 20 عاما من الاستقلالية عن النظام ومؤسساته الثقافية فان جميع شعرائها الآن يعملون داخل شروط أو أطر المؤسسات الثقافية والحزبية، يمارسون التمرد هنا، ويمارسون الطاعة هناك أو يدمجون الطاعة بالخروج في نشاط مأزوم وهروبي، وهو قول يجافي الحقيقة في مناطق كثيرة، فليس جميع ابناء اضاءة ـ كما تزعم الرويني ـ يعملون داخل المؤسسات ولا جميعهم يعانون من مأزق هروبي.
ويبدو ان الرويني تفضل دائما ان تتكلم في المطلق وان تناقض نفسها بين الحين والآخر فبعد اربعة أسطر من الكلام السابق تعود لتقول ان جماعتي «اضاءة» و«أصوات»، قد اثمرتا في بداية السبعينات تيارا شعريا مختلفا، وجماعة شعرية تحاول ان تبلور خطواتها ورؤاها صوب قصيدة جديدة، وقد سمحت سنوات النضج والخصوصية بتمايز اصوات البعض وخصوصية قصائدهم. ثم تنتقل الرويني الى موضع آخر لتقول فيه انه مع كل فاعلية السبعينات وقوة حركتها الدافعة فلا يمكن فعليا الحديث عن اضافات محورية وتحولات شعرية حقيقية ومغايرة عما سبقها من قصائد، بل هي في كثير من الأحيان امتداد مباشر لقصائد سابقة بل وايديولوجيات سابقة، فلا يمكن قراءة «اضاءة» كلها بعيدا عن قيم جمالية تقليدية سابقة خصوصا في ذلك الاعتناء الشديد باللغة وبالايقاع والقيمة الصوتية للمفرد.
وما بين احتفاء وهجوم على حلمي سالم تنتقل الرويني الى عبد المنعم رمضان الذي تقول صراحة «لا أحب قصيدته كثيرا»، ومع ذلك تصفه بأنه خارجي بامتياز و«شاعر مضاد للايديولوجيا، للغاية، للوظيفة، للمعنى، للرسالة، لكل الجمل المكتملة أو حتى شبه المكتملة، يسخر من فكرة الجمهور، يناهض كل ما هو قومي وعروبي ويتأسى لحركات الاستقلال العربية وضحاياها».

* الحاج وإنتهاك الهوية العربية

* ومن مصر، تنتقل الناقدة إلى لبنان، فتقول عن حداثة أنس الحاج بأنها حداثة صادمة وعنيفة بكل ما تحتويه هذه الحداثة من التباس ومفارقة في المفهوم والوظيفة والدور. فقد بدأ أنسي الحاج حداثيا، ولم يصبح كما يتباهى .انتهك خطاب الهوية العربية بشكل عاصف، وهو ما استحق دائما نقمة العروبيين عليه أكثر من أي شاعر آخر، خاصة في رؤيته الشعرية المستندة على شرط (المجانية) كشرط أساسي للكتابة، وفي موقفه الحاد من الثقافة العربية. ولعل أنسي الحاج أحد الذين وصفهم الماغوط من شعراء مجلة شعر (قل لأحدهم ثلاث مرات: المتنبي، يسقط مغشيا عليه، بينما قل له جاك بريفير على مسافة كيلومتر فينتصب ويقفز عدة مرات عن الارض، كأنه شرب حليب السباع، لان هذا غربي وذاك عربي).
آخر الشعراء الخوارج هو وديع سعادة الذي تصفه الرويني بأنه «درب نفسه طويلا وبحسم على ادارة الاكتاف واحداث المسافة العميقة بينه وبين الاشياء وبينه وبين الآخرين، ودرب نفسه على قتل الذاكرة والتذكر والرغبة والوجود والامكنة، وعلى قتل نفسه تماما».
يحتوي الكتاب أيضا على حوارات مع الشعراء أمل دنقل واحمد عبدالمعطي حجازي، وسميح القاسم، ومحمود درويش وممدوح عدوان ومحمد الماغوط وادونيس.
انتهى الكتاب، ولم تذكر عبلة الرويني، لماذا هؤلاء شعراء خوارج؟ وما هي مبررات هذا التصنيف ؟

عاشق من فلسطين
30/03/2005, 17:26
ركن المقهى ..
صباح مشرق .. ونسمة حب أنيقة تطوف بأرجاء المقهى العتيق .. وفي ركنه الأيسر .. تضع يديها على يديه .. وشحنات حنين متقد تجذبهما في هدوء .. لم يشعرا بأحد من حولهما .. فهما في عالم الأرواح .. ولم يتبق منهم أمامنا سوى الأجساد ..
نظراتهما لبعض يسوقها الحمام أحلاماً وأغاني .. ولقاؤهما يخيم عليه عبير الشوق وقطرات من ماء الحياة الأزلي .. وكأنهما تحت عازل من الحب وخمر الكلمات تتسرب من شفتيهما .. وتفاحة القدر تتدلى عليهما بأناقة باردة .. وخجل عفيف ..
تابعتهما من بعيد .. مهنئاً غربتهم المثمرة في عالم الجسد .. في الركن القصي الذي جمعهم أمام الجميع .. وبعيدا عن الجميع .. ولم أرغب أن أعكر صفو المطر .. وإلا لتقدمت إليهما بسكين الحياة .. لإلتهام التفاحة ..


ركن الفقد ..
الإضاءة نار .. متجهة نحو شرايين المارة .. في شارع كبير .. وتأتي حبال الذكرى بخيلاء الأقوياء .. وتقيد المارة .. وتصلبهم بالنظر إلى ركن يسرق الحياة .. ليبثها في ركن الفقد .. ليعيش الأحبه بحياة المارة .. ويموت المارة .. وهم بلا حراك .. مقيدون بحبال الذكريات .. في ركن غير مقيد بمكان .. ولا زمان .. فهو في كل البلاد .. في البحر واليابسة .. في نهار الليل .. وليل النهار .. تحت لحاف الوجد .. وفوق وسائد الغياب .. بين الحروف .. وبين الكلام .. بداخل الشمع .. والشريان .. والدمع والهذيان ..
إنه الفقد وركنه الثابت كشجرة شريان .. تبث في الطين سخرية الحياة .. وحياة السخرية ..



ركن القاعة ..
وصلت إلى قصر الثقافة الملكي ( وكأن الثقافة أيضا تحتاج إلى تضخيمها بتاج الملك ) .. عند الساعة السابعة مساءً .. وظننت أنني تأخرت وأنا أسابق الريح لأصل أولاً في نشوة تختلف .. وكأنني على موعد مع الدمع .. في حفل تأبين الحياة ..وصلت وذهلت .. فالقاعة التي تتسع لأكثر من 2500 شخص ملئت تماماً .. إلا الأطراف اليسرى العليا .. وبقي منها بضع كراسي وكأنها فرحة مستبشرة وكأن الورد يسكنها .. أقتربت إليها وبلا شعور جلست في الركن .. وكأنني غريب .. وأنا كذلك ..
وما أن انتظرت قليلا حتى عجت القاعة بالأنفاس الحارة .. وامتلئت عن بكرة أبيها وكل عائلتها الملكية ..
ومضت الثواني ببطء .. وكأن الوقت يحارب الحضور بعنف .. وهو يبتسم لهم قائلا .. سأتعبكم حتى يحين موعد نزول القمر .. وبعد أن أثخنت الجميع عقارب الوقت ..جاء موعد الموت والحياة سوية .. في قمر طيني .. أنيق .. متعب الخطى .. وإذا بالجميع يقف في ثورة منظمة من التصفيق المتواصل لقمر المكان ( محمود درويش ) الذي أضاء القاعة بشمس روحه الطاهرة .. وبدأ بإطلاق الكلمات واقفاً على أنغام العود الأصيل .. كشجرة نخيل باسقة .. رطبها لذيذ وموجع في آن .. فجزيئاته تحمل السكر والبارود .. والماء والنار ..
ومضى الوقت بلا وقت .. وكانت دموع البعض تغالبهم وهو يطعنهم بخنجر من الماس .. حيث ختم طعناته وفصوله بقوله ( عراق .. عراق .. عراق ..) ..
ووقف الجميع يودعه وداع الروح .. وكأن الإحتفال كان إحتفالاً بإستمرار حياة الموت .. والدمع هو المتساقط الوحيد من شمع الأرواح الدافئ .. وأحسست حينها بأن الكل غريب .. وما أنا إلا رقم من قائمة الغربة الطويلة .. وروح واحدة سقطت دموعها في ركن القاعة ..



ركن الفوضى ..
هنا ..تختلط الأولويات بالمصالح .. بالرفض بالعنف .. وكأنما الماء يتجذر النار .. ويتفقان على تأسيس كرسي لهذا الركن .. ما أن يجلس عليه أحدهم .. حتى تجده عارياً من كل شيء حتى حقه بإستئناف العودة لأي ركن آخر ..
وتجد أحدهم يجلس ويتم تحريكه كقطعة شطرنج جامدة .. فيتجه نحو الظلام ومن ثم إلى الندم .. وفق رغبات مدير هذا الركن الذي يهدد الجميع بالسيف الأمريكي والدرع العربي .. والدماء المهجنة ..
فسحقاً ياركن الضياع .. ياركن الموت بعد الموت .. ياركن توالي الطعنات .. ياركن الذل وإمتهان البشر .. سحقاً ياركن بلا غاية .. ياركن بلا هوية .. ياركن الإنصياع تحت أشعة التغيير المنبثقة من شمس الصليب .. إلى جلود لم تعهد سوى الشمس .. ولكنها شمس الحرية ..



ركن البهو ..
ذات مساء فاخر .. يتمايل بنسمات باردة .. تباعدت الخطى بين الحلم وحقيقته الصفرية .. التي أذهلتني .. حين بدأ ذلك ( اليهودي ) بإلقاء التحية .. من خلال كلمات لم أفهم منها شيئاً .. ولم أفهم سوى حركة يده التي توحي بإلقاء السلام .. السلام الموبوء .. سلام الشيطان .. أو لنقل سلام بلا حمام ..
صدمت بعاصفة من الأسى حملت أشلاء الحلم لترتطم بأفكاري وواقعي المثير .. المرير .. وأندهشت .. ولم أفق من دهشتي إلا حين كرر ذلك الرجل تلك الجملة .. وأتبعها بجمل أخرى لم افهمها .. ولكنني أشرت بيدي .. وابتسمت .. كرد لتحيته .. تلك الإبتسامة التي لم يمر بحياتي أصعب منها .. ولن يمر ..
تلم الإبتسامة التي أحسست بأنها وأدت حلما .. وأسرفت البذخ في طعنات متوالية لروح هائمة .. غائمة .. عاودت الموت بركن البهو .. وحيدة بلا أجنحة ..



ركن السوق ..
سوق ملئ بالأشياء .. الثمينة تاريخياً .. الرخيصة عالمياً .. في أحد أركانه الكثيرة .. لم يلفت إنتباهي سوى نحيب ذلك العجوز المتواصل بملابسه المتسخة طهراً وألماً .. ويمر من حوله الماره وكأنهم لايرون شيئاً .. ولايسمعون سوى صوت (ديك تشيني) حين قال : أن المعركة ضد الإرهاب متواصلة وغير محددة بمكان أو زمان ..
وقفت أتأمل ذلك العجوز .. وتقدمت نحوه .. وحادثته .. ولم يجبني .. وأشار بيده إلى الممر الضيق المجاور لركنه .. وتقدمت بجانبه لرى ماذا يقصد .. فإذا بي أمام ممر منحدر بدرج إلى الأسفل على جوانبها ثلاثة أطفال وإمراة .. فرجعت إليه ( ....................) وعرفت أنه عراقي الجنسية عربي الهوية .. ومضيت في طريقي وأنا أقول أن هذا الركن هو ركن الحاضر الذي يجب أن نراه .. لنرى القادم بكل وضوح وإرادة .. في زمن اللاوضوح ..



الركن الهادئ ..
هوالركن المشاغب .. فجميع المشاعر .. تعيش الثورة بكامل أجندتها .. وإن جلس فيه الكثير .. في مقهى الحياة .. والتزموا بالهدوء جسدا .. فالعكس هو الصحيح .. فالماء في حالة غليان داخلي .. لايشعر به سواه .. والنار تضطرم جوعاً لأكل ماتبقى من صبر .. والذكرى تطوف الأرجاء وتقدم القهوة السمراء .. وتقدم الحياة لمن رحلوا بصمت .. ومن رحلوا بلا صمت .. وتزرع الموت لمن بقي بالركن الهادئ .. وكل الأركان ..
فهنيئا .. لمن يعيش بلا ركن .. فكل الأركان تشير إلى الغربة .. وإلى وحدة النبض .. وإن بدت الحياة أكثر عطفاً في ابتسامة طفل .. فهي أشد إيلاماً في دمعة رجل ..

عاشق من فلسطين
31/03/2005, 13:41
صفحات من الماضي القريب

شعراء مجهولون من غزة
ـــــــــــــــــــــــــ ـــ

محمد حسيب القاضي*



غزة قبل الاحتلال. مدينة أخرى لا تشبه كثيراً غزة بعد الاحتلال.. وقليلون من أبناء هذا الجيل يتذكرون تلك الفترة "الذهبية" من تاريخ المدينة حيث كانت تموج بحركة الاقتصاد والثقافة وشيوخ الأدب الذين خرجنا للحياة ووجدناهم بيننا.

وهؤلاء الشيوخ الأفاضل معظمهم شعراء.. إذ لم اسمع أن أحداً منهم له مؤلفات نثرية.. ولا أعلم سبباً لذلك اللهم إلا إذا اعتبروا الشعر أكثر مواتاة لذا ثقتهم التقليدية التي تربت على شعر الأقدمين وحفظت ذاكرتهم منه الكثير سواء أثناء دراسة بعضهم في الأزهر الشريف في مصر أو في معاهدها الدينية.

ولابد أن أشير هنا إلى أنني واجهت أسئلة كثيرة من شبان صحفيين وأدباء يستفسرون عن أحوال غزة قبل الاحتلال بقليل.

واعترف أن هذه الأسئلة أشعرتني من حيث لم يقصدوا بوطأة الزمن مع أنني لم أبلغ تماماً سن رواية التاريخ البعيد.. ولهذا السبب أردد دائماً إن كتابة تاريخ غزة الثقافي أمر مهم إنجازه حتى يكون بين أيدي الجيل الحاضر، يتعرف منه على حقيقة الصورة التي كانت عليها مدينة غزة في فترة الستينيات وما قبلها. وقد شعرت ببعض الارتياح عندما أخبرني الصديق الشاعر هارون هاشم رشيد أنه على وشك الانتهاء من كتاب يتناول فيه تاريخ غزة الثقافي والسياسي والاجتماعي.

ولا شك أن هذه بادرة طيبة تلبي الحاجة الملحة لوجود كتاب أو عدة كتب من هذا النوع تغطي بعض جوانب الصورة، ويرد على أسئلة الجيل الحائر المتعطش لمعرفة تاريخه البعيد والقريب. وما أحوجنا إلى مزيد من هذه الكتب التي تتوغل في تراثنا الأدبي والثقافي في فلسطين منذ بدايات القرن المنصرم.. فيما يشبه إعادة كتابة التاريخ الوطني الذي لا يتم بدون معرفة الحاضر والمستقبل، وبناء الإنسان الحضاري والواعي بمعطيات واقعه وعصره.

وفي تلك الفترة. فترة ما قبل الاحتلال كانت غزة تعج بعدد من المثقفين الذين يشكلون فيما بينهم حضوراً ما في مجالس الأدب والثقافة وعلى صفحات الجرائد المحلية.. ومن بين هذه الأسماء: الشيخ خلوص بسيسو ورامز فاخرة ومعين بسيسو وهارون هاشم رشيد وسعيد جعفر فلفل وفريد أبو وردة وصليبا الصايغ ومحمود سرداح وغيرهم.

ومن الأساتذة الذين تعلمنا منهم على مقاعد الدراسة في كلية غزة التي كانت قائمة أمام مدرسة الزهراء للبنات. وتحولت المساحة التي كان يقوم عليها مبناها المميز إلى موقف للسيارات. أقول من بين هؤلاء الأساتذة: ياسر الشوا، خالد شراب، عبد الحي الحسيني. رحم الله الذين رحلوا عنا من المربين الأفاضل. ومدّ في أعمار الباقين منهم على ما بذلوا من جهد وحب في سبيل تنشئة جيل جديد كانوا يرون فيه مستقبل غزة الأدبي والثقافي قبل أن يداهمنا الاحتلال في أواخر الستينيات ويعصف بكل شيء!! فالثقافة تحتاج دائماً إلى مجتمع مستقر كي تنمو وتزدهر وتعطي ثمارها في مجالات الإبداع المختلفة: أدباً ومسرحاً وروايةً وشعراً.. إلخ

وقدر الفلسطينيين أن يعيشوا ظروف الشتات والقهر في الداخل والخارج وأن تنقطع بهم سبل التواصل الطبيعي بين أجزاء الجسد المبعثر. وقد ساعد ذلك على اختزال مراحل النمو، وإجهاض إمكانياته المتاحة وتبديد القوة الكامنة التي لو اجتمعت في مكان واحد لأعطت الكثير وغيرت الكثير من مسارات الإبداع والصحافة والفن من حولنا.. وأتاحت فرص التطور والنضج لحياتنا الثقافية بشكل عام.

ولم تكن غزة، هذه المدينة التي في حجم الكف، سوى بؤرة نشطة وفاعلة على صعيد العمل السياسي والثقافي والاجتماعي. رغم ضآلة الإمكانيات وعسر حال الناس فيها. وخاصة في المخيمات المنتشرة في القطاع. فقد كانت هذه الأماكن الفقيرة مصدر الحلم الذي يضيء تحت أجفاننا، ويجعلنا نتشبث بالحياة ونقاوم مرور الزمن وقسوة الظروف المحيطة بنا. ونرى فلسطين من خلال مخيم جباليا والبريج والنصيرات ورفح والشاطئ قبل أن نرى فلسطين بعد ذلك مختزلة في بعض ما بقي منها!! إلا أنه برغم ما مرت به غزة من أحداث وظروف ناتجة عن الهجرة الأولى التي حولت القطاع إلى مخيم كبير.. فقد انعكس ذلك الوضع بشكل إيجابي على طبيعة العلاقات الحميمة التي ربطت بين الفلسطينيين ووحدت بينهم نفسياً وإنسانياً على هدف سياسي واحد في نهاية الأمر وهو العودة إلى ديارهم.

ومن المفيد الإشارة هنا إلى أن ارتفاع نسبة التعليم في القطاع كانت بين الأسباب التي أفرزت حالة من الوعي المبكر عملت على إنضاج مستويات الرؤية المرتبطة بظروف حياتنا. وزادتنا شعوراً بالمسؤولية تجاه ما يدور حولنا. وكان لهذا أثره في الجانب الثقافي والأدبي حيث تفتحت مواهب كثيرة في الشعر والقصة والنقد أخذت مكانها على صفحات الجرائد وفي الإصدارات. وإن كانت قليلة في ذلك الوقت. أذكر منها قصص محمد جلال عناية ومحمد آل رضوان. وكذلك علي لبد وزين العابدين الحسيني وهما من أنشط كتاب القصة في ذلك الوقت.

أما محمد آل رضوان فقد بدأ في كتابة رواية طويلة تؤرخ لغزة في العهد العثماني وأسماها "سفر برلك" وكان يحدثني عنها كثيراً أثناء وجودي معه في جريدة أخبار فلسطين التي كنت أعمل فيها. وكنت شديد الحماس لهذه الرواية التي تتعرض لفترة غائبة عن وعي الكتابة الروائية عندنا. وأعني في فلسطين. ومن المؤسف أن الراحل آل رضوان قد أهمل إتمام هذا العمل الروائي. أو أنه قد أتمه خلال فترة الاحتلال. وطواه في أدراج النسيان. وأذكر أنه نشر جزءاً منه في جريدة أخبار فلسطين. ولم ينشر الأجزاء المتبقية لأسباب لا أعلمها فقد أغلقت الجريدة بعد الاحتلال، وتفرقت بنا السبل. وتم إبعادي بعد فترة اعتقال إلى الأردن. ثم إلى مصر بعد ذلك. المهم أن محمد آل رضوان الصحافي النشط قد هجر الكتابة، وتوقف تماماً خلال فترة الاحتلال الطويلة والممتدة.

أما جلال عناية فقد أصدر مجموعة قصص قصيرة لا أذكر عنوانها الآن، وكتبت عنها دراسة نقدية نشرتها في جريدة أخبار فلسطين. وعلمت فيما بعد أن هذا الكاتب المبشر غادر غزة إلى الولايات المتحدة للعمل والإقامة هناك. وتوقف عن الكتابة نهائياً.! ولم نعد نسمع عنه شيئاً.

أما زين العابدين الحسيني وعلي لبد فقد نشر كل منهما عدداً من قصصه في صفحة الأدب التي كنت أشرف على تحريرها في أخبار فلسطين وأصدر زين العابدين بعد فترة من الزمن مجموعة بعنوان "خميس يموت أولاً" ثم "سر البرى" ولم يصدر بعد ذلك شيئاً. في حين أن علي لبد لم ينشر أي مجموعة قصصية. وأعتقد أنه توقف هو الآخر عن الكتابة.

أما توفيق المبيض فقد نشر عدة قصص ومسرحيات في مصر وتوفى هناك وهو في سن صغيرة نسبياً.

وفي الشعر ظهر في غزة عدد من الشعراء عرف منهم على نطاق واسع: معين بسيسو وهارون هاشم رشيد وعلي هاشم رشيد. والسبب أنهم نشروا قصائدهم في مصر وبيروت. ومن الشعراء الأصغر سناً أحمد فرحات وعبد الرحمن بارود.. وقد غادر الاثنان غزة إلى السعودية في بداية الخمسينيات بحثاً عن لقمة العيش. ولم يكن لهما أثر في الحياة الشعرية في غزة.

إلا أن من مفارقات حالة الثقافة والشعر في القطاع وجود عدد من الشعراء الذين لم يسمع عنهم أحد في الخارج وبين الجيل الحالي لأنهم لم ينشروا دواوين شعرية مطبوعة. ومن هؤلاء: الشيخ خلوص بسيسو ومحمد برزق وابنه يحيى ورامز فاخرة وسعيد فلفل ومحمود الصايغ وهو شاعر ومدرس للغة العربية. والشيخ محيي الدين الملاح محامٍ وشاعر (وقيل لي أنه أصدر ديواناً واحداً في حياته) وهؤلاء الأساتذة من محبي الشعر اختاروا أن يكتبوا لأنفسهم ويقرأوا أشعارهم على الخاصة من أصدقائهم ومعارفهم.. فلم يشاركوا في ندوات عامة، وأكثرهم لم ينشر شعره حتى في جريدة أو مجلة. وكنت استغرب من ذلك ولا أجد له سوى تفسير واحد وهو أنهم كانوا مشغولين بحياتهم الوظيفية والعائلية أكثر من انشغالهم بالشعر وهمومه. إذ لم يكن الشعر هو شاغلهم الوحيد الذي يدفعهم إلى تجويد الكتابة فيه وتطويره ونشره على الناس. وربما لهذا السبب اكتفوا بأن يقرأوا الشعر لأنفسهم خلال مجالسهم الأدبية. ومن هذا الشعر ما جرى مجرى التندر على سبيل الفكاهة التي لا تفسد للحب قضية.

سألت ذات مرة المربي الفاضل رامز فاخرة، رحمه الله، وكان يشغل وظيفة مدير عام في دائرة المعارف.. وكنت يومها أعمل في التدريس إلى جانب العمل الصحفي. قلت له: لم تكتبون الشعر؟ فوجئ بسؤالي.. ونظر إليّ من تحت نظارته ذات الزجاج الأزرق في استغراب، وسأل بعد برهة: ماذا تعني؟ قلت: أعني أنكم شعراء سريون. لم نقرأ لكم شيئاً مطبوعاً سوى بعض ما نسمعه من مقاطع شعرية في مجالسكم الخاصة. ضحك بصوت مرتفع وهو يعدل من نظارته وقال: إن أقل واحد من جيلنا له ديوان أو ديوانان من الشعر غير المطبوع (مخطوطات) ولكننا لا نقول عن أنفسنا أننا شعراء متفرغون لكتابة الشعر. وبالتالي لا نسعى للشهرة ولا نرغب في ذلك! سألته على الفور: هل يوجد، في نظرك، ما يحول بين أن تكون موظفاً كبيراً وشاعراً في نفس الوقت؟ ما المشكلة في ذلك؟ أجاب ضاحكاً: يبدو أنك تتدرب عليّ كصحفي، وتريد أن تستدرجني. قلت له: ليس تماماً. ولكني أسأل. واعتقد أنني حصلت على الجواب.

كان ذلك الجيل ينظم الشعر على استحياء. حتى أكاد أقول أنهم في الغالب يجارون بعضهم بعضاً دون هاجس حقيقي يملي عليهم ضرورات الكتابة، ناهيك عن تحسين الشرط الإبداعي والفني في قصائدهم. هم رواة جيدون للشعر يحفظون الكثير مما تعجز الذاكرة عن حفظه بين أبناء جيلنا والجيل الحالي.

ولا عجب أن يتأثر هؤلاء بالشعر القديم من حيث تراكيبه وبلاغته سواء في قصائدهم الغزلية أو الوطنية أو "الأخوانيات" المتبادلة بينهم. مع ذلك نطالع قصائد تلامس الهم الوطني والاجتماعي، إلى جانب قصائد تنخرط في الحنين إلى الديار، والحث على الكفاح والتحرر. إلخ. شأن تلك الحقبة.

وما من شك أن ظهور شعراء احتلوا مكانتهم في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي نالوا حظهم من الانتشار من خلال دواوين المطبوعة في القاهرة أو بيروت. قد قلل من فرص هؤلاء الأساتذة "محبي الشعر" من الدخول في منافسة قد تكون غير متكافئة. وفي ظني أنه كان يمكن أن يضاف إلى دائرة الضوء شاعر أو شاعران وهما يحيى برزق وسعيد فلفل لولا أنهما لم يتحمسا كثيراً للنشر سواء في المجلات، أو في دواوين شعرية مطبوعة.

وأشير إلى أنه يوجد ديوان شعر للراحل يحيى برزق لم ينشر بعد وبالمناسبة أدعو اتحاد كتاب فلسطين لنشر ما يتوفر من إنتاج شعراء غزة المجهولين. حتى يتعرف عليهم أبناء الجيل الجديد ويكونوا في متناول الدراسة والبحث أمام الطلبة في جامعاتنا الفلسطينية.

وعندما نقرأ إنتاج ذلك الرعيل الأول من شعراء غزة نجد اتجاهين واضحين: الأول يسلك طريق الشعر المبني على التراث من ناحية التزامه الأوزان والقوافي. وهو يعكس الثقافة الأدبية التي تربى عليها هذا الجيل ومعظمه من أساتذة المدارس وخريجي الأزهر الشريف. ولهذا نجدهم محافظين على تقاليد القصيدة: العمودية كما نعرفها في كتب التراث.

أما الاتجاه الآخر. ويمثله معين بسيسو وهارون هاشم رشيد من بين شعراء كانوا أكثر معايشة واستلهاماً وتعبيراً عن الهم السياسي العام سواء من خلال القصيدة التقليدية أو شعر التفعيلة. وإن كان "معين" يشكل حالة خاصة بسبب انتمائه العقائدي الذي أمده برؤية تعكس تأثره الواضح بشعراء يساريين (بابلو نيرودا، افتوشنكو، لوركا، أراغون.. الخ) الذين كان لهم أثرهم العميق في بلورة أسلوب وتركيب صوره وأخيلته التي تميل إلى نوع الكاريكاتير أي الشعر الساخر الممزوج بخطابية حادة ومحرضة لم تعد مرغوبة لدى شعراء الجيل الثالث (جيل السبعينات) وتجديداته على صعيد كتابة قصيدة تواكب ما طرأ على الشعر في العالم العربي من إنجازات هامة (وهذا موضوع آخر).

وفي رأيي أن هذا الجيل وما تلاه من أجيال الشعر، لم يأخذ حقه في ميزان النقد الغائب بل والمفقود عندنا. وهذه المهمة من استحقاقات الشعر المؤجلة. إلى متى؟ لا أدري.

تلكم هي بعض جوانب صورة الأدب والثقافة في غزة قبل الاحتلال.. على الأقل الجانب الذي عشناه وكنا شهوداً عليه في فترة ما قبل وقوع كارثة عام 1967 التي أطاحت بالشعر والأرض على حد سواء..! ولكن إلى حين.

ـــــــــــــــــــــــــ ـــ

* شاعر فلسطيني

عاشق من فلسطين
31/03/2005, 13:50
أحاول هنا أن أقوم بتتبع خطوات بعض الشعراء - سودانيين وغير سودانيين - من أبناء مدينة ودمدني . وقد يستغرب البعض ويقول هل هناك شعراء غير سودانيين بودمدني ؟ ولعل المصادفة العجيبة قد جعلت اسم أحدهم (محمد مدني) وهو-أي صاحب الاسم- إرتري الجنسية .

من اعنيهم هنا هم شعراء أصحاب لونية مختلفة ، يكتبون الشعر الحر ، ويعالجون القصيدة النثرية ، ويمارسون أدب الحداثة بصورة عامة، برز من هؤلاء كثيرون ولكن جهلي جعلني اذكر منهم القليل، ولذلك اسأل المولى عز وجل أن يعينني على أن أوفيهم حقهم في هذه الصفحات .

محمد محي الدين

محمد عز الدين

محمد الشيخ (مدني)

عادل عبد الرحمن

مصطفى محمد عثمان (ساكس)



محمد مدني

شاعر وثوري في المقام الأول، يقيم الآن بالمملكة العربية السعودية، شارك في تحرير إرتريا مع أخويه الشهيدين

(عمار) و (حكيم ) ، فأثبت أنه بحق فارس الفوهتين (البندقية والقلم ) .

ورغم أن السودان كان بالنسبة له وطنا لا يقع في شرك الترقيم الحسابي، إلا أن الاغتراب يبدو - كحالة شعرية- واضحا في قصائده:



أنا غاضب يا رسول

فبعض الحكومات

تختار ان تشترينا بحسن الجوار

وبعض الرفاق يبيعوننا بالحوار



ورغم أن مدني قد بدا كتابة الشعر في السبعينيات إلا انه ظل مجهولا، إلا للقاصدين، بل ربما يجهل البعض انه صاحب الرائعة التي تؤديها فرقة ( عقد الجلاد ) والتي تقول:



احتاج دوزنة وترا جديدا

لا يضيف إلى النشيد سوى
النشاز

إلا أن هذا الجهل به يقابله حالة من الاندهاش (الحميد) لمجرد سماع شعره، فهو بحق شاعر الكلمة المدهشة الأخاذة . ولقد برع مدني في التصوير الشعري البليغ، وْضرب النماذج البشرية والطبيعية:

((لملاكي)) بعض الاغاني

و (( تمساح)) يرتاح بين القصيدة

والاجتياح .



وإدخاله لمفردات جديدة داخل بنية النص:

للبنات الجميلات في مكاتب الأمن

وللاجئين

وللصبية الضائعين

بين صوت المغني وبين الكمين



كما تميز بموسيقاه الشعرية المتفردة:



فقط إفهموا ألا وثيقة أو وفاق

ولا خديعة أو نفاق

نخفي عن الأطفال عورة من دفنتم

من رفاق



هذا بالإضافة إلى ثورته الدائمة على كل شئ ، فهو الثورة عندما ننسى وجود الثورة فعلا ، فنراها أين ما حل شعرا وفعلا:



الرسالة قبل الاخيرة لمن لا

يهمهم الامر

(إنذار أول : قصيدة لن تتم )

للبنات الجميلات في مكتب الامن واللاجئين

وللصبية الضائعين

بين صوت المغني وبين الكمين

وللمغنين من الشعراء يهزون عرش الخلافة

بالشعر والخمر والاعتراف

لتلك الضفاف

التي عمدتني نبيا يخاف

على الحرب من ضدها

وعلى العشق من حامليه الخفاف

وللقائمين ثلاثة ارباع ليل الغريب،

وكامل ليل البلاد ،

مقابل خبز الجفاف

- وفي احسن الامر –

موت الكفاف

ومن اجل من؟

كيف نفعل؟

ماذا ؟
نواجه فصلا جديدا تماما ، كما ندخل الان في موتنا من جديد

ولا الوطنية لا الباطنية اجدتْ

لا الملكية لا المالكية افتتْ

لا العمرية لا العامرية مدتْ

-ستار-

فقد ندخل الان في مشهد المستفيد

وقد يدخل الموت فينا قبل صلاة العشاء

يفاجؤنا قبل بدء المسلسل او يتريث حتى انتهاء النشيد .

فيا ايها الموت

يا ايها الصرت منا

اعنا على كل شيء سواك

فإنا نفتش عن نبضة في القتيل

وعن وردة في عروق الحديد

ويا ايها العشق ، يا ايها المستبد نود ..

إذا غبت بين البنادق او غيبتك البنادق ، ان نستعيد ملامحك الشوهت

نوهت ،

ان نعيد صياغة هذا النشيد ، نرى وجهنا ونراك

فيقترب الوعد ذاك البعيد .

ويا ايها الوعد يا ايها الكنت فينا إلينا

فبعض القبيلة يهتز

والبعض يلتذ

ان قد احالك يا وعد، جهرا، وعيد .

ويا ايها الامراء شيوخ القبيلة هل فاتكم

ما فعلتم ب (اعلى*) و (عامة*)

وفالول*، منكع*، مبعوث باعوث

ويا أيها المراء فناء قضاء عليكم به قد يضاء على

الدرب خط لرهط العبيد .

ويا ايها الشهداء هنا الداء مستفحل بعدكم

فالبنادق ليست

بنادق

اما الجيوش

فصارت بيادق

((ان المسافة في فهم امي

ليست بعيدة

بين الشهيد وبين البليد ))

************************

( لملاكي*) بعض الاغاني ، (وتمساح*) يرتاح بين القصيدة
والاجتياح

اذا اتفقنا على نشر كل الغسيل علام السكوت ايا شهرزاد؟

ولم يات بعد الصباح ؟

وهل جاز للبعض ان ينتقوا ( هيلى قرزا*)

وينسون ان ميكائيل فوضه الرب امر الرياح .

اذن يا شهيدي تعالى ونم فوق حد الرماح الكسالى

وسمي الذي لا يباح ،

فكل الكتوف تساوت،

وبعض الرؤوس تهاوت،

فلا فرق بين السكوت وبين الصياح .

انا غاضب يا رسول

( ...............................................)

ايا رب هذا الكساح

فبعض الحكومات تختار ان تشترينا بحسن الجوار

وبعض الرفاق يبيعونا بالحوار

ورفع المصاحف فوق

الرماح

اذن :

يا عنادا تجلى ،وقاوم ، حتى لعل ، وهدد، فلت.... والا ..

وتف السماح

هوامش القصيدة
اعلى وعامة قيادتان تاريخيتان لجبهة التحرير الارترية . فالول ومنكع تنظيمين قاما احتجاجا لبعض اخطاء الثورة الارترية . ملاكي وتمساح وهيلي أسماء لبعض شهداء الثورة الارترية .



عادل عبد الرحمن

(الفنان هو الذي لا يتعطل عن صنع الجديد)

وهكذا فعل بنفسه عادل .

فهو من رواد القصيدة النثرية في السودان - بل لعله أول من كتبها في السودان .

ولد بودمدني (1958) ، وكان كثير التنقل ، وصديقا لعدد كبير من الشعراء السودانيين والعرب ، محمد مدني، القدال، محمد عبد الخالق ، عادل القصاص، محمد محي الدين، يحيى فضل الله الخ.......،، الشيء الذي ساعده أن يدرس كل المدارس السودانية الحديثة عن قرب، وهو لا يقل عن رصيفه محمد مدني في الثورية بل تعدت عنده حدود قضيته الضيقة فحمل السلاح مع اخوته في إرتريا إيمانا منه بقضيتهم التحريرية، ومع هذا فقد كان لا يتوانى عن خدمة السودان وفق ما يراه ويتفق معه من مبادئ وأفكار:



(( أسمه السودان ، في العام 1986 كانت مساحته مليون رطل من

الفقر . به ثمانية عشر مليون جاهل . ومليونان من المغتربين و
الانتهازيين . أنا أحد من يدعون حبه . من اقسموا على خوض

الحرب بكل شراسة ضد الظلم والقهر ))



هكذا بدأت القصيدة النثرية عند عادل ، محاولات مستميتة للتمدد في اللغة و إخراج كل ما هو ممكن منها ولكن وفق القاعدة الجمالية التي يضفيها الشعر - بطبعه - على الأشياء . ولعل البعض يعتبره مغاليا أو متطرفا في تشاؤمه تجاه العالم:



(( هذا العالم كذبة ، وانا أتان مشلوح

هذا الوطن غربة، وأنا تعب مستريح ))



أو في قوله :



(( أخ .... رائحة الكون تزكم أنفي

أين ما ذهبت تلاحقني أخبار الكواكب

كلما ما مت تلسعني انشوطة الانتباه ))



ولكن هؤلاء بنفسهم - وهذا إذا إتفقنا مع زعمهم هذا - لا ينكرون انه شاعر الحب وقاصه . وهو أينما يكون لا يبعد قيد أنملة عن أنين الضعفاء ومحاولاته المستميتة لقتل الحزن والقهر والاستغلال:



(( هذا العالم ليس كذبة بل فرح

مٌحتل

وأنا الآن بي رغبة كي أصير
ملكاً للقبل ))



ويتجلى حبه - كأي فنان - حين تصبح أمانيه معتقلة لدى الآخرين:



(( لو كنت فارساً لعبأت نشابي بالفرح

وصوبت نحو البشرية جمعاء

لا أخطئ أحدا ))



وعادل من الشعراء المفكرين، فهو أين ما يذهب يخلف من وراءه الأسئلة الحائرة الساخرة. ويجعل الجميع في حالة تفكير ، تكتنف ما تبقى من اليوم أو ربما قد تكتنف حياتك كلها:



( يا شعوب العالم " ضعوا المعاول والطباشير ، اتركوا مقابض المكاين

وعد النقود ، عطلوا المجاديف ولحظات العشق ،

اجلسوا حلقات حلقات ، ضعوا إبهاماتكم على أطراف

الجباه ، قطبوا قليلاً ، فكروا معي .....................

في البدء كان الناس أم

المسخرة ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ " ))

minime1967
31/03/2005, 13:57
nothing to say,, but 600,000 thanks for you Ya asheq...

عاشق من فلسطين
31/03/2005, 14:02
nothing to say,, but 600,000 thanks for you Ya asheq

:D :D

to live is to die
15/04/2005, 09:50
مبارح عرضوا مسرحية بإسبانية تأليف سعد الله ونوس

minime1967
15/04/2005, 10:51
nothing to say,, but 600,000 thanks for you Ya asheq

:D :D


600000 hi from Amsterdam,,,,,

عاشق من فلسطين
15/04/2005, 13:58
from Amsterdam,,,,,

لك أييييييييييييه سافرت وتركتني وحدي .. الله يسرلك .. :D :D
تبقى سمعنا أخباراك .. :D

عاشق من فلسطين
17/04/2005, 15:14
لنزرعهم, شهداءنا في رحم هذا التراب المثخن بالنزيف, فدائما يوجد في الأرض متسع لشهيد آخر.

إما عظماء فوق الأرض, أو عظاما تحتها.

لا تمت قبل أن تكون ندّا .

لن أرتدّ حتى أزرع في الأرض جنتي, أو أنتزع من السماء جنتها, أو أموت, أو نموت معاً .

الدموع لا تسترد المفقودين ولا تجترح المعجزات كل دموع الارض لا تقويان على حمل زورق لابوين يبحثان عن طفلهما المفقود .

عاشق من فلسطين
17/04/2005, 15:19
كاندثار وثاق الضوء في أول المغارة

جسدي

كتشبّث جذور الخرقة بتراب الصحارى

شعبي

كتوعّد الحزن الغريب لي في جميع الأزقة

روحي

كدمعة أخرى تتسلل بين الهدوء والغربة

ثورتي



قتلوني يا أمي

كما يقتل القلم , الفكرة

وعصا الجلاد , الصمت

أحرقوني يا رفيقي

كما يحرق السلام , الثورة

وذوبان الكلام على الجدران , النَفَس

لا أريد أن أسقط كالكلمة

لأنني أكاد أن أتمزّق قهرا

وأهديك شظاياي يا وطني

أهديك صوتي المرتجف !! وبندقية

إشتقت إلى بقاياي يا حجري

فكيف الأموات صاروا أسياد وملوك ؟!

والأحرار يأكلون التراب

ويغمرون الصحارى خنادق , للمقاومة

ويسوّرون الواحة بالخناجر , للصمود أمام الدبابة

وسيشهد العالم علينا

وسيسمع العالم موسيقانا

وإن لم يسمع !!

نقطع أذنه .

عاشق من فلسطين
17/04/2005, 15:51
المخرج كريم رشيد
يقدم قصائد أدونيس مسرحيا
أغاني مهيار الدمشقي ..فضاء للشعر والمسرح
د. حسين الأنصاري - السويد



إذا كان الشعر هو جهد لأعادة بعث اللغة أو لأفناء المألوف منها واختراع لغة جديدة تقصي الزمن والتأريخ المتمركز فيها، كما يذهب إلى ذلك (مرسيا الياد) فأن تحويل الشعر إلى المسرح، مسرحته يفتح أمام القصيدة آفاقا جديدة ويمنحها كينونة أخرى في فضاءات متخيلة تتوالد عبر نصوصها قوى احتمالية وعلاقات متشابكة تضاعف مديات التعبير والتخيل والتوليد الدلالي الذي تحققه تقنية التجسيد واللعب وتسهم في إعادة إنتاجها مستويات القراءة والراهنية التي يتيحها خطاب العرض وعلاقته المباشرة بالمتلقي.

أسوق هذه المقدمة لتكون مدخلا لقراءتي للسيناريو وللعرض المسرحي الذي شهده مسرح

Kirseberg Teater في مدينة مالمو السويدية ثم استضافه متحف الثقافة Kulturen في مدينة لوند.

العرض مستمد من قصائد (أغاني مهيار الدمشقي) للشاعر العربي الكبير أدونيس، حيث قُدم باللغة السويدية,ترجمة هشام بحري و الشاعران السويديان Ingemar & Mikaela Leckiusوكان العرض من إعداد وإخراج الفنان العراقي كريم رشيد وتمثيل كل من:

Nina Hope, Maria Vel, Petra Oesch , Elianor Morge, Midia.

يؤكد أدونيس أن الشعر لا ينتهي، يظل مشروعا قائما وان وعي الشاعر لا يرتبط بالتأريخ أو الماضي، بل يبدأ من الذات اليقظة المتقدة بالوعي والاستباق.

وفق هذا المنظور تتشكل ملامح البحث النصي لدى الشاعر، تدعمه موهبته العالية وخصوصيته المميزة التي تتجلى بلغة مكثفة ورؤية عميقة وشعرية طاغية تستند إلى الموروث الحضاري من جانب ولصور الحداثة ومضامينها الكونية من جانب أخر، وهذا كله يقودنا إلى أن النص الأدونيسي فلسفة يشكلها الشعر وشعر تعمقه الفلسفة. ويتجسد هذا الوصف واضحا في مجموعته الشعرية (أغاني مهيار الدمشقي) التي يتجاوز فيها البناء اللغوي الشكل الكتابي إلى ابتكارات فنية ولغوية وفلسفية، صياغات يصعب الإمساك بها، لا تمنح ذاتها بيسر، مفردات تتلبس الغموض وتنأى في الرمز والفراغ المقصود. ومن هنا تأتي صعوبة التلقي لهذه النصوص ما لم تُملأ فجواتها بالخيال البصري والتجسيد المرئي على خشبة المسرح وبما يحقق التواصلية بين أنظمة العرض ومستقبليه، وهذا ما سعى إليه معد ومخرج العرض كريم رشيد الذي وجد في أعاني مهيار الدمشقي ما ينسجم ومبتغاه الفكري والجمالي لما تختزنه من أسرار ورؤى ذهنية ونفسية ولغوية تتفاعل مع العالم ومكوناته.

اختلف نص العرض عن بنية القصيدة الأصل، فالحوار الدرامي الشعري له شروطه ومقتضياته الخاصة، وهذا ما عمل عليه المعد والمخرج عبر إخضاع النص الشعري الأصل للانتقاء والترحيل والتبديل والاختيار المناسب لما يتفق والبناء الفكري والدرامي عبر تكوينات سمعبصرية تمازجت فيها الرؤية الشعرية والمواقف النقدية والأشكال الجمالية، لكنها في الوقت ذاته لم تتجاوز نبع النص الأصل، المتدفق برموزه واستعاراته وغرائبيته وإيحاءاته، إنه تأثيث بحساسية جديدة، يتداخل فيها الأسطوري مع التاريخي والواقعي مع الخيالي تحركها شخصيات أستولدها المعد من بنية النص- البولوفينية – فإلى جانب شخصية مهيار المحورية تطالعنا شخصيات أخرى شكلت بمجمل علاقاتها وتمثلاتها الحركية والصوتية مستويات تعبيرية متنوعة ضمن الصياغة المسرحية للقصائد الشعرية. إن معاينة السيناريو المُعد سرعان ما تحيلنا إلى نص جديد، بل أنه نص داخل نص، كتابة تنتج شعريتها الخاصة وفق منطق (المسرحة) تقوم على سياق علامات تماثلية تحيط بمدونة النص اللفظية، تحولت إلى نصوص مجاورة أو أنساق موازية استمدت خصائصها السيميائية من إمكانات الخطاب المسرحي حيث يغدو المشهد وبمختلف نصوصه(شخوص،لغة،أزياء،موسي ى،حركة، تشكيل،رقص،إضاءة،وغيرها) يغدو غابة من العلامات الاستدلالية والجدلية في التكوين المسرحي، وهذا ما يتفق مع رأي (( كير إيلام)) الذي يشير إلى أن القدرة التوليدية الفعالة التي يملكها الدال المسرحي تعود جزئيا إلى أتساع دلالاته المصاحبة، وهذا ما يفسر لنا التعدد الدلالي لخطاب المسرح الذي ينفرد عن النص اللغوي بفعل ديناميته وتحولاته مما يجعل تحثثه ماديا وإدراكه عيانيا مباشرا. وهذا ما توفر عليه السيناريو بمختلف لوحاته التي لم تبارح البنية العميقة للشعر وثيماته المتعددة التي تنتجها طبيعة النص المفتوح.

إن أعاني مهيار الدمشقي تقدم طروحات فكرية عميقة صاغها أدونيس بوعي تاريخي متأملا فيها الواقع ومستشرفا المستقبل. ثم جاء النص المعد مسرحيا ليقدم ميكانزمات كتابة درامية تستهدف تثوير العقلي والجمالي معا وتحمل أسئلة صعبة ومستفزة، فمهيار الشاعر،الحالم،القلق، المتمرد،المحتج،الثائر،يسع ى لتأسيس عقلانية جديدة في التعامل مع الواقع وتفكيك آلياته وفق رؤاه الذاتية ومنظوره الخاص المتمرد.

- انه الريح لا ترجع القهقرى

والماء لا يعود إلى منبعه

يخلق نوعه بدءا من نفسه

لا أسلاف له

وفي خطواته جذوره

يمشي في الهاوية وله قامة الريح.



يتخذ الشاعر من مفردة ((الحجر)) رمزا أثيرا ويجعل منها مركزا للتشفير الدلالي الذي يهيمن على فضاء النص، فتتكرر المفردة عبر مقاطع عديدة في قصائده، وضمن تحولات النص بما يعمق دلالة وإيماءات المفردة ذاتها التي تتنوع عبر النص الذي أعده كريم رشيد عن قصائد المبدع الكبير أدونيس ليقدم صورة مسرحية مكثفة لأزمة إنسان العصر وعذاباته في عالم لا تتواصل فيه ولا منطق غير أن هذا الإنسان المأزوم لما يزل يقاوم، يحلم، ويتحدى:



- هاأنا أتسلق

اصعد فوق صباح بلادي

فوق أنقاضها وذراها

هاأنا أتخلص من ثقل الموت فيها

هاأنا أتغرب عنها ، لأراها

فغدا قد تصير بلادي.



شعرية الفضاء في العرض المسرحي



فضاء المسرح عار إلا من تلك الأضواء المعلقة التي توحي وكأنها نجوم وسط سماء صحراء، تعمد المخرج إقصاء قطع الديكور الثابتة ورفع الستائر والكواليس عن منصة العرض متشبثا بعري الخشبة وانفتاح فضائها ليقيم بذلك مقاربة مكانية مع المكان المتخيل حيث الصحراء وأتساع مداها. ابتع العرض عن بهرجة ومدونات السينوغرافيا الجاهزة واتخذ من جسد الممثل عنصرا أساسيا في بناء تكويناته الدلالية, وكان يمكن تشغيل تلك الأضواء المعلقة بوصفها رمزا ذا دلالة مزدوجة جمالية /فكرية ضمن الفضاء المسرحي لا أن تظل علامة أيقونية رغم التحولات الزمكانية في العرض.

يطالعنا المشهد الاستهلالي بانسحاب البساط الممتد في وسط خشبة المسرح ناحية الجمهور، فينسل أمام مهيار مثل طريق يضيع، ثم تتواصل اللوحة البصرية حيث يجلس مهيار ساكنا متأملا بينما تدب الحركة في جسد راقصتين تنهضان مع إيقاع موسيقي غنائي لتشكلان لوحة خلفية راقصة بنمطين مختلفين من الرقص التعبيري، هذا التباين الذي يعمقه المخرج من خلال الحركة التعبيرية واستثمار مفردات سينوغرافية مثل الحبال ووشاح كبير يربط بين جسدي الراقصتين ، رابط تتنازعان حوله في الوقت الذي يوحي بصلتهما ببعضهما برباط مثل الحبل السري، عزز ذلك ما لحظناه من تباين في تصميم الأزياء حيث تتسم ملابس الأولى برموز مشرقية فيما طغت الرسوم التجريدية والألوان الباهتة والأشكال المموهة على زي الراقصة الثانية.أما مهيار فقد زينت الحروف العربية والأشكال التجريدية زيه المشرقي الملامح وكأننا بمهيار قد توحد مع الحرف في تشكيل جسدي واحد.

فضاء العرض يمتد خارجا إلى ما هو خارج الحيز المرئي للمشهد، مستوى علويا حيث تهيمن القوة وآخر أرضيا حيث يقيم البشر مع عذاباتهم الأبدية. تناقضات وصراعات محورها ومادتها الإنسان.

ومن أجل توليد المزيد من الدلالات ينوع المخرج بإيقاع اللوحة الأولى بنزول عشرات الكرات البيضاء الصغيرة من أعلى فضاء المسرح، تظل تتقافز على الخشبة لتبدو وكأنها تمثلا عيانيا لأفكار وهواجس مهيار الذي هو الشاعر نفسه أدونيس. وما أن تهدا الكرات من قفزاتها حتى يفاجئنا هبوط المرأة/القصيدة وكأنها قادمة من كوكب علوي، أنها القصيدة بكل تلاوينها ..صوتا وحركة ،إيقاعا وألوانا، تحاور الشاعر/ مهيار، تستنطقه وتصبح ندا له. تحيلنا بحركاتها التعبيرية الغرائبية الراقصة التي تجسد صورة (الجسد،المرأة ،الأفعى، الفكر) هواجس الشاعر بأسراره وأحلامه وأسئلته التي تواجه عالما غريبا وعصرا يظلله السراب.

كانت المرأة/القصيدة هي المحفز الذي يدفع مهيار على مواصلة مشواره التأملي وارتحالاته الفلسفية وأحلامه بالقادم الأفضل، وذلك ما حاول المشهد البصري تجسيده من خلال تعامل مهيار مع تلك الكرات الصغيرة التي تحيط به حيث يجمعها في حقيبته البدوية السمات وما أن يكمل جمعها حتى يفاجئنا ثانية برميها في الفضاء حيث تملأ المكان بقفزاتها وكأنها زخات مطر

راقص.ثم نزول الحقيبة الذي أرى انه لم يكن منسجما مع نسيج العرض البصري المتدفق إذ أن مهيار يحمل سلفا حقيبته التي كان يمكن أن تفي بالغرض.

وينقلنا المخرج بعد هذا المشهد إلى لوحة أخرى تقوم على فكرة الصراع المستمر بين (قوة الفكر) و(فكر القوة) حيث يظهر (المحقق) الذي يبعد تلك الكرات ويهيئ المكان لاستجواب مهيار، وبينما يجرف المحقق تلك الكرات لا يتردد في اختلاس بعضها ليظهرها ثانية عند استجوابه لمهيار.

يجد مهيار نفسه وحيدا وسط عالم متوحش غريب ينبئ دوما بقدوم كارثة. في هذه اللحظة تدخل شخصية تستمد وجودها من عالم اللاهوت على كرسي المعوقين تدور يه على المسرح باحثة عن (نوح الجديد). إنها صورة افتراضية لشخصية(الرب) تعلو وجهه ملامح غامضة حيث تؤدي هذا الدور ممثلة ترتدي ثوبا ذهبيا تضع على عينيها نظارات سوداء فيما يغطي وجهها قناعا واقيا من الغازات الكيماوية، ذلك القناع الذي سرعان ما تخلعه لتهبه ل( نوح الجديد) داعية إياه لإنقاذ العالم.

ونوح هنا هو إحدى تحولات مهيار وارتحالاته الفلسفية، صورته الأخرى، يبدأ عندها رحلة لا تنتهي، ففي ذلك المشهد الذي اعتبره محور العرض يشد المخرج كل مفرداته السينوغرافية محققا كثافة دلالية عبر تركيبات بصرية وسمعية توحي بطوفان ناري، أو شلال عنيف يتصاعد مده بوجه مهيار.

استخدم مخرج العرض قماشة حمراء كبيرة تموجت مثل الهبة نيران يغطي فضاء العرض وتلتهم سفينة نوح الذي نراه مرتديا طاقية وبدلة مطفئي الحرائق.يرمي حبال الإنقاذ في كل اتجاه لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، والى جانبه نرى حمامته البيضاء بملابسها وحركتها التعبيرية الراقصة البالغة التأثير، وهي تشارك نوح عملية إطفاء الحرائق ،ترصد الخطر وتستشرف الأفق.

وإذ تغادر حمامة نوح خشبة المسرح لتعود وهي تحمل بين يديها بعض اللقى التي تحاول إنقاذها. في نهاية المشهد نشهد نرى نوح وحمامته في حالة تعب ويأس بالغين.فهما لم يفلحا بإنقاذ البشر ولا البشر.

تدور حمامة نوح في المكان حائرة منكسرة ثم تخلع أجنحتها وترمي بها إلى الطوفان ، أنه الإحساس بالهزيمة أمام جحيم العالم المستبد ، تؤدي الحمامة رقصتها المأساوية الأخيرة(رقصة الموت) ثم تودع أحلامها في حطام المكان وتنتحر ملقية نفسها في لهب الطوفان. يحتضن نوح جثة حمامته والركام المحيط به وقد أغرقته المأساة:



نوح: ليس إلا جثة الليل وأشلاء يدي

في تقاطيع النهار

ليس إلا حجر تحت الجفون



صورة مسرحية معبرة جدا تذكرني بصورة المأساة التي رآها العالم على شاشات التلفاز، حينما قٌتلت الطفولة الفلسطينية ممثلة بموت الطفل الشهيد (محمد الدرة).إن هذا المشهد بعلاماته المتحولة والمتبادلة زمكانيا التي بنيت على جدل الثنائيات المتفاعلة حيث (النار/ الماء، الموت/الحياة، القديم/الجديد، الضوء/الظلام، اليأس/الأمل...) تكتمل لمسات هذه اللوحة برقصة ثانية لكنها وفق إيقاع وحركة مختلفين عن الرقصة الأولى ، حيث تؤدي الفتاة الثانية رقصة تجسد خالة الألم والنواح لموت الحمامة، إنه بكاء الجسد عبر حركة تعبيرية، مستمدة من الموروث القديم حيث ملامحها مستمدة من الأساطير البابلية التي تصف رقصات الندب والنواح والتذرع للآلهة.

وسط هذا الدمار والموت ينهض مهيار ثانية رغم جراحه فهو ما يزال يحلم بالتغيير، رافضا متمردا يبحث عن أسلحة جديدة للمقاومة، فلا يجد أمامه سوى الحجر. فيتحول لديه الحجر الذي تتكرر مفردته في القصيدة الأدونيسية إلى سلاح مدمر في وجه الطغاة.

وعبر صورة تعبيرية واضحة الأبعاد تتشكل المنظومة البصرية لمشهد يبدو فيه مهيار وسط حشود من المحتجين والمتظاهرين حيث الأصوات المدوية والهتافات وصافرات الإنذار. هذه الصورة سرعان ما تنعطف بنا إلى اتجاه آخر حيث الشرطي يمشك بيدي مهيار في تكوين ثابت أقرب إلى حالة الجمود.وظلت تلك اللوحة رغم شحنتها المضمونية العميقة بحاجة إلى شحنة جمالية إذ كان تأثير الضوء هنا محدودا لم يتجاوز حدود الكشف مقارنة بمؤثرات الصوت والموسيقى التي كانت عنصرا فاعلا ومعبرا عن جو المشهد ودراميته.

وقد تمنيت من المخرج لو عمد إلى إشراك شخصيات أكثر ضمن بنية هذا المشهد المنفتح بأبعاده لحقق بعدا ملحميا بالغ التأثير، وأعتقد أن المخرج يعي ما أقصد وهو الذي سبق له أن تعامل مع حركة المجاميع في أعمال سابقة له وبالذات مسرحية (الحر الرياحي) التي سبق أن أخرجها في بغداد قبل عدة سنوات.

في لوحة أخرى نتابع كيف يقوم المحقق بفحص الحجر بحذر وتوجس شديدين مصل سلاح خطير، يزيل عنه غبار علق به إثر قدمه غي التاريخ فهو ذلك الحجر الذي حمل نقوش المعرفة القديمة أصبح اليوم سلاحا للمقاومة.

حاول المخرج في هذا المشهد تفعيل مفردات العرض وفق دلالات متنوعة مع تنوع الاختلاف بين الرؤى والأرادات، الدين والدنيا، المطلق والنسبي، الفعل المحسوس والمبادئ المجردة، الجهل والمعرفة.

أتخذ الزمن في العرض ثلاث مستويات تداخلت ضمن صيرورة واحدة، فهناك الزمن الأسطوري ممثلا بنوح والطوفان، ثم الزمن الذي يتشكل فيه الحدث الدرامي آنياً(زمن الحدث) حيث مواجهة الشاعر لعذابات الواقع. ثم زمن الحلم الممتد من داخل الذات إلى العالم ، حيث الارتحال في مدن الكون وحلم العودة إلى الوطن الأول.

هذه الأزمنة الثلاثة تداخلت وتساوقت بعلاماتها داخل بنية العرض من خلال(لغة الجسد والرقص، الإيماء،التركيبات البصرية) لتنشئ بذلك دلالات مرتبكة بالعمق الميثولوجي من جانب وبالراهن من جانب آخر.



مهيار: لو كان لي في وطن الأحلام والمرايا

مرافئ، لو كان لي سفينة

لو لن لي بقايا

مدينة، لو أن لي مدينة

في وطن الأطفال والبكاء،

لصغت هذا كله للجرح

أغنية كالرمح

تخترق الأشجار والحجار والسماء

لينة كالماء

جامحة مذهولة كالفتح.



وفي المشهد الختامي للعرض يتأرجح الشكل الفني للصورة بين عناصر المأساة التي نشعر بها من خلال منولوجات وتداعيات مهيار عبر المرأة/القصيدة التي تجسد هنا الرؤيا وحلم الرحيل، تظهر المرأة وهي تحمل فوق كتفها حقيبة السفر ومعها بساط شرقي في إشارة إلى أصول المهاجرين وانتماءاتهم الشرقية العربية وتطلعاتهم في مدن الغربة والبعاد.

يعمق المخرج هذه الدلالات عبر علاقة الشخصية مع البساط الذي حمل معاني متععدة، وتمنيت لو أن المخرج قد أستخدم فرش البساط في مواضع واتجاهات مختلفة دلالة لضياع الدروب أمام الإنسان وضياعه بل وانسحاقه أمام صعوبات السفر والحصول على سمات الدخول بل انغلاق الحدود بوجهه ، وإذا ما وصل إلى ملاذ آمن فهناك تنتظره مصاعب ومشاكل الغربة والاغتراب.



مهيار: حيرتي أنا حيرة من يضئ

حيرة من يعرف كل شئ





الأداء التمثيلي


شارك في هذا العرض الذي أنتجته فرقة مسرحGranslosa Teater خمس ممثلات تقاسمن لعب الشخصيات المختلفة( مهيار، القصيدة، نوح، الرب،الحمامة، المحقق، والراقصتان) وقد اعتدنا رؤية هذه الشخصيات بأداء الرجال، لكن مخرج العرض كريم رشجيد قلب المعادلة وجعل من نص الأداء التمثيلي نسوياً خالصا ربما بقصد إزالة خصوصية التجنيس النوع للشخصيات وتعويمها في فضاء إنساني ارحب.

وغم اللمسات الشرقية الواضحة في سينوغرافيا العرض وارتباطها بالأفكار المنبعثة من بنية النص الشعري والتي حرص المخرج على تأكيدها نجد أن الممثلات اجتهدن في فهم تفاصيل المفردة اللغوية والبصرية وتقريب أبعادها وتجسيدها عيانياً، حسيا وجمالياً.

ساعد في ذلك أسلوب العرض غير التقليدي الذي أتخذ من مسرح الصورة منهجا له، بل أن المعد والمخرج كان يكتب نص ما قبل العرض بلغة الإخراج وهذا ما من شأنه أن يُغني ويعمق الكثير من التفاصيل والأفكار.

تنوع أداء الممثلات الخمس وفقا لتحولات النص الدرامية، فشخصيتا مهيار ونوح مثلتهما الفنانة

Nina Hope ، وشكلتا مركز التشفير العلامي بشكل مباشر أو غير مباشر، إذ نجد باقي الشخصيات تدور حول ذلك المركز، كما هو الحال مع شخصية المرأة / القصيدة التي مثلتها الفنانة Maria Vel

تميز أداء Nina Hope بالاعتماد على عنصر الأداء الصوتي وتلون طبقاته وكأنها تسعى لفك رموز المفردة الشعرية عبر تنويع الأداء الصوتي والإلقاء. في حين كانت لغة التعبير الجسدي هي اللغة الغالبة في أداء Maria Vel التي برعت تماما في رسم أدق تفاصيل الدور وتميز أداءها بلوحة (القصيدة/الأفعى).

أما الفنانة Petra Oesch التي مثلت شخصية المحقق فقد كان لها حضورها المميز الذي أظهرت فيه قدرتها الواضحة علة الارتجال الحركي والتمثيل الصامت فاستطاعت أن تمنح الشخصية ظلالا مختلفة أبعدتها عن النمطية المألوفة.

أما الفتاة العربية الوحيدة التي ساهمت في العرض(ميديا) فقد كانت مجتهدة بأدائها رغم حداثة عهدها في العمل المسرحي.فنفذت متطلبات شخصيتها ببراعة وأجادت في أداء الرقص التعبيري مستثمرة طقوس الندب الشرقية خصوصا في لوحة تأبينها حمامة نوح بعد موتها.



أما Elinor Morge الفتاة الثانية التي ناغمت زميلتها فقدمت رقصات تعبيرية من فن الرقص الغربي الحديث فقد برعت هي الأخرى في أدائها لدور حمامة نوح وتألقت في رقصتها المأساوية في مشهد الطوفان الناري.

وبالتالي يمكننا القول أن نص الأداء النسوي رسم بأناة تفاصيل كثيرة في بنية خطاب مسرحي مفتوح تضمن الكثير ويستوعب الأكثر.

إن عرض( أغاني مهيار الدمشقي) عرض تظافرت فيه الروح الجماعية والمحاولة المختبرية

بلغة مسرحية اعتمدت العناصر التخيلية والإدراكية لإنتاج نص ذي دلالات يتفاعل معها المتفرج وفقا لمرجعيته وإستراتيجيات تلقي التجربة المسرحية ذاتها.

عاشق من فلسطين
17/04/2005, 16:08
نبذة عن الشاعر ....

ولد في البحرين عام 1948.
تلقى تعليمه بمدارس البحرين حتى السنة الثانية ثانوي.
التحق بالعمل في المكتبة العامة منذ عام 1968 حتى عام 1975
ثم عمل في إدارة الثقافة والفنون بوزارة الإعلام من عام 1980.
شارك في تأسيس ( أسرة الأدباء والكتاب في البحرين ) عام 1969.
شغل عدداً من المراكز القيادية في إدارتها.
تولى رئاسة تحرير مجلة كلمات التي صدرت عام 1987
عضو مؤسس في فرقة (مسرح أوال) العام 1970.
يكتب مقالاً أسبوعياً منذ بداية الثمانينات بعنوان (وقت للكتابة) ينشر في عدد من الصحافة العربية.
كتبت عن تجربته الشعرية عدد من الأطروحات في الجامعات العربية والأجنبية، والدراسات النقدية بالصحف والدوريات العربية والأجنبية.
ترجمت أشعاره إلى عدد من اللغات الأجنبية .
متزوج ولديه ولدان وبنت (طفول - محمد - مهيار) وحفيدة واحدة (أمينة).
حصل على إجازة التفرق للعمل الأدبي من طرف وزارة الإعلام نهاية عام 1997.


--------------------------------------------------------------------------------

شارك في عدد من المؤتمرات والندوات الشعرية والثقافية عربية وعالمية منها :
ملتقى الشعر العربي الأول 1970
مهرجان المربد - بغداد - 1974
مهرجان أصيلة العاشر 1987- المغرب - 1986
مهرجان جرش - الأردن - 1997
المؤتمر الأول لاتحاد الكتاب اللبنانيين - بيروت 1984
مهرجان الإبداع - القاهرة
ندوة العمل الثقافي المشترك ( الكويت / الرياض )1985
المهرجان العالمي الأول للشعر - القاهرة
لقاء الشعر العرب الفرنسي- غرنوبل - فرنسا / الرباط - المغرب 1986
لقاء الشعر العربي في نانت - فرنسا 1990
الندوة الشعرية في مئوية جامعة جورج تاون - واشنطن 1989
ندوة الانتفاضة الفلسطينية - صنعاء 1989
مهرجان الشعر العربي -الأول مسقط - عمان
ملتقى الشعر العربي الأول- تونس 1997
مهرجان الشعر العربي الأسباني- صنعاء - 1990
مهرجان الجنادرية - الرياض -السعودية
المؤتمر الثاني لاتحاد الكتاب اللبنانيين - بيروت 1994
معرض الكتاب في الشارقة - الإمارات العربية المتحدة
معرض الكتاب في أبوظبي - الإمارات العربية المتحدة
مهرجان القرين - الكويت - 1994
ندوة أبو القاسم الشابي- فاس - المغرب - 1994
ندوة التنوير - أبوظبي
مهرجان الشاعر عرار - الأردن
مهرجان الشعر العربي في الرباط- 1997
مهرجان لوديف - جنوب فرنسا - 1999
مهرجان مؤسسة الهجرة للثقافة العربية- أمستردام- هولندا - 1998
مهرجان ربيع الشعر في معهد العالم العربي- باريس 2000
مهرجان الشعر العربي الألماني- صنعاء - اليمن 2001
مهرجان الشعر العربي الثاني - بيت الشعر -الأردن 2001
الأسبوع الثقافي لمؤسسة المدى - دمشق - 2001
ندوة الثقافة العربية والنشر الإلكتروني- الكويت 2001
أمسية شعرية في كلية التربية في مدينة عبري - سلطنة عمان - 2001
المهرجان العالمي للشعر في ميدلين- كولومبيا - 2001


--------------------------------------------------------------------------------

أطلق (منذ العام 1994) موقعاً في شبكة الإنترنت عن الشعر العربي باسم (جهة الشعر) :
////////////// الروابط الي بيحطوها الأعضاء بيقدر فقط الأعضاء يشوفوها ، اذا مصرّ تشوف الرابط بك تسجل يعني تصير عضو بأخوية سوريا بالأول -///////////////
--------------------------------------------------------------------------------

مؤلفاته :
البشارة - البحرين - أبريل1970

خروج رأس الحسين من المدن الخائنة - بيروت - أبريل 1972

الدم الثاني - البحرين - سبتمبر 1975

قلب الحب - بيروت - فبراير 1980

القيامة - بيروت - 1980

شظايا - بيروت - 1981

انتماءات - بيروت - 1982

النهروان - البحرين - 1988

الجواشن (نص مشترك مع أمين صالح) - المغرب - 1989

يمشي مخفوراً بالوعول - لندن - 1990

عزلة الملكات - البحرين - 1992

نقد الأمل - بيروت - 1995

أخبار مجنون ليلى ( بالاشتراك مع الفنان ضياء العزاوي )

لندن / البحرين - 1996

ليس بهذا الشكل ، ولا بشكل آخر - دار قرطاس - الكويت -1997

الأعمال الشعرية - المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت - 2000

علاج المسافة - دار تبر الزمان - تونس - ‏2000‏-‏10‏-‏29

له حصة في الولع - دار الانتشار - بيروت - 2000
المستحيل الأزرق (كتاب مشترك مع المصور الفوتغرافي صالح العزاز) ترجمت النصوص إلى الفرنسية / عبد اللطيف اللعبي، والإنجليزية / نعيم عاشور- طبع في روما - 2001



ما قاله الشاعر عن نفسه :
وصف الشخص


قاسم حداد
أضع المرآة على الطاولة. أحملق، وأتساءل : من يكون هذا الشخص ؟ أكاد لا أعرفه. أستعين بالمزيد من المرايا. وإذا بالشخص ذاته يتعدد أمامي ويتكاثر مثل الصدى كاتدرائية الجبال، فأتخيل أنني قادر على وصفه : إنه قاسم حداد .. تقريبا

منذ أن بدأت علاقته بالكتابة وأنا في جحيم لا هوادة فيه. أعرف أن عالم الأدب يستدعي قدرا من الإطمئنان والسكينة، أو على الأقل الثقة بالنفس. لكن هذا شخص لا يهدأ في مكان ولا يستوعبه شكل الحياة، مثل مجنون أعمى يبحث في غرفة مظلمة عن شمس ليست موجودة. لا يطمئن لجهة ولا يستقر في إقليم وليس له ثقة في ما يكتب. يسمي ما ينجزه من كتابة : التمرين الأخير على موت في حياة لا تحتمل. فهو في كل يوم وأمام أية تجربة جديدة يبدو كأنه يكتب للمرة الأولى والأخيرة في آن واحد. جسد يرتعش مثل طفل مذعور مقبل على الوحش. كثيرا ما تركته وحده في الغرفة مريضا يوشك على الموت، وعندما أعود إليه في اليوم التالي، يضع أمامي النص ويجلس مثل شحاذ ينتظر ردة فعلي. ينتحب كأنه الميت يرثي نفسه. وما إن أقول له الكلمة، حتى يستعيد صحته ويقفز مثل العفريت، مستعدا للحياة كأنه يولد توا

بالرغم من مظهره الذي يوحي بالرزانة إلا أنه عابث من الدرجة الأولى. يرى في أشياء العالم طاقة محبوسة يتوجب إطلاقها من أسرها، لا يترك شيئا على هيئته، ففي النص يتوجب أن تكون النقائض على آخرها. يشتغل على الكتابة كمن يبني جسده وروحه بالكلمات. يضع أمامه خرائط الطريق على الطاولة، وعندما يبدأ الكتابة ينسى ذلك كله ويصوغ شيئا لا يتصل بالخرائط ولا بالطريق، يذهب إلى النص مثل ضائع مفقود في أرض مجهولة. وفي المساء يضع رأسه على كتفي ويشرع في البكاء لأن الكلمة لم تزل عصية عليه. يكتب كأنه يولد كأنه يموت، مولع باليأس كأن الأمل خطر عليه. أقول له أن الكتابة هي ضرب من دفق الأمل في العالم، فيبالغ في تشبثه باليأس كمن يتحصن ضد أوهام لا يراها أحد معه. لا تعرف ما إذا كان يفجر بالكتابة أم تصلي به

تعبت معه وتعبت منه. كلما تقدم في العمر تفاقمت فيه شهوة النقائض وراح يتصرف مثل الفتى الأرعن. لم يعد جسده قادرا على عبء الروح التي تتفلت مثل نار تفيض على الموقد. كثير الإدعاء بالمغامرات في حين أنني لم أصادف جبانا مثله. يزعم التوغل في ليل المعنى وهو لا يخاف شيئآ مثل رعبه من الأماكن المظلمة. يدعي بأنه منذور لموج التجربة وهو الذي لم يحسن العوم أبدا . مسكون بفقد غامض للأشياء التي يحب

ماذا أفعل له. هذا شخص مشحون بالتناقضات. أشتهر بالتطرف في كل أشكال حياته، فيما هو عرضة للتلف أمام هبة الريح العابرة. يتظاهر بالصلابة وهو الكائن الهش لفرط حساسيته اليومية. لماذا يتوجب على دومآ أن أكون قرينا لشخص على هذه الدرجة من الغموض. قلبه طفل يراهق، ويتكلم مثل حكيم. يموت قليلا ، أحسبه مريضا فأحمله لنطاسي الجسد والروح، فيهز الجميع رؤوسهم أن لا فائدة، حالته مستعصية ويتوجب منحه رصاصة الرحمة مثل أي حصان مكسور القوائم. وفي الطريق إلى البيت يشب وينفلت مني هاربا إلى السهوب ولا أكاد أسمع عنه شيئآ . وفي اليوم التالي ينهرني لكي أقرأ كتابه الجديد. وحين أقول له عن الغموض، يبتسم بحذر ويقول : لو فهموا المعنى لأهدروا دمي

موهبته في التحول تجعلني في حيرة. ليس له صورة واحدة، ولا تشف المرآة عن شخص أعرفه في كل مرة. كلما ضاعفت له المرايا تكشف عن شخص آخر. فلا أنا أثق في رؤياي ولا هو يسعف توسلي أن يكف عن ذلك. ليس سهلا الحياة مع شخص لا يحسن شيئا مثل تضليل الآخرين عن السبل التي يذهب إليها. يشك في كل شيء ولا يرى في الكتابة سوى قناديل سوداء في يد كائن أعمى يقود سربا من الموغلين في النوم نحو أحلام تضاهي الكوابيس

أنصح به علاجا لرأس صحيحة ، لتحصل على صداع مضمون. عليك أن تتفادى شراكه المنصوبة في منعطفات دروبه، فلن تخلو من أسباب الغيظ من الذات بعد عبور أحد نصوصه عليك، في نوم ويقظة. يعبر راحة الآخرين فيمنحهم ما يفيض عن حاجتهم من القلق المقيم. يقول لك بلسان طلق ذلق غير منزلق : أن الجنة في المتناول، وما عليك إلا أن تصدق دعابات الجثة الرشيقة وهي تعبر نحو سريرك فهي جثتك. ولكن كلما طفق في حديثه عن الصدق وضعت يدي على قلبي، فأكاذيبه لا تحصى، ولن تجد شخصا يروي الأكاذيب بصدق فاتن مثلما يفعل. وهذا ما يضعني في مجابهة غضب الآخرين وهم يعلنون استنكارهم لشاعر عابث على هذه الشاكلة. ماذا أفعل له، ماذا بوسعي حقا أن أفعل لشخص لا يأخذني ولا يتركني وحدي

كلما حاولت استمالته للمجالسة والتفاهم قليلا أعلن : لست منسجما ولست مهيئا للإنسجام. أليف ونافر في آن. كأنه لا يكتب النص للإتصال بالآخرين ولكن لينقطع عنهم ويبتعد، ويبالغ في ذلك ويباهي به

مخبره أكثر ضراوة من مظهره. مغامر في الكتابة ومحافظ في الحياة، نصه أكثر تقدمية منه. أقول له عن هذه المفارقة ، فيهز كتفيه قائلا : لا يهم، أنا لست أنت، أنا غيرك. لديه أصدقاء كثيرين، وأعداءه لا يحصون. يردد : مادمنا لا نستطيع كسب أصدقاء جدد، فيتوجب الإحتفاظ بأعدائنا السابقين. موهبته في ابتكار الأصدقاء لا تضاهي، لكنه لا يفرط في العدو بسهولة. يقول : أن تحويل الصديق إلى عدو أسهل من كسب العدو صديقا . عنده، أن العدو أكثر صدقا في علاقته من الصديق، ربما لأنه أكثر وضوحا وصراحة. العدو لا يندم على كونه كذلك، الصديق يندم لكونه صديقا لك أحيانا

يهرب من كل مكان ليذهب إلى البيت. ثمة شعور بالخطر يهدده دوما خارج البيت. وهذا ما يجعله يحب السفر كفكرة، لكنه لا يحتمله في الواقع. ما إن يدركه المساء بعيدا عن البيت حتى تنتابه حالة الذعر الغامض، فيتصرف مثل وحش جريح ومحاصر. بعد سفره بساعات قليله يخالجه الندم على ارتكاب تلك الحماقة. لا أعرف حقا من أين تأتيه القدرة على كتابة الشعر وهو في مثل هذه الحالة من اللاأمن. طرحت عليه مرة هذا السؤال، فنظر لي بغضب وقال : المطمئن لا يكتب شعرآ ، إنه لا يخاف من شيء ولا تصيبه الرجفة الداخلية العص ية على التفسير. إنني أكتب الشعر لأنني خائف وفي خطر دائم. الشعر فقط يحميني من العالم. أنت لا تعرف ذلك، لأنك لن تشعر بفقد شيئ مفقود

فكر في الإنتحار غير مرة، لكنه لم يجد الوقت لتنفيذه. هذا ما يزعمه. أعرف أنه أجبن من أن يفعل ذلك. فهو لا يجرؤ على الحياة، فكيف على الموت. ولعه بالمنتحرين والمجانين يثير الريبة. لعله لا يزال يحسن التماهي في الكائنات الأخرى. وكثيرا ما كنت أخشى من أن أصحو ذات صباح فلا أجده موجودا في الحياة. وهو يلتذ بهذا الخوف الذي يسيطر علي ، كأنه يعبث بشخص آخر. تخيلوا شخصا ينهض من النوم ليجد نفسه موجودا في هيئة شخص منتحر. إنني لا أحتمل هذه الفكرة. لكنني لا أجد فكاكا من هذا القرين الذي يعبث بي ويزعم أنني هو
هذا هو قاسم حداد .. تقريبا

توهمت أنني رأيته في هذه المرايا، فيما كان متماهيا في الزئبق

ها أنا أثق بأنني لا أعرفه أبدا . من يزعم أنه يعرف نفسه

عاشق من فلسطين
17/04/2005, 16:18
ديوان الدم الثاني للشاعر قاسم البحريني ( كاملا") وهو عبارة عن ستة قصائد رائعة

1- قصيدة الدم الثاني

أنت . وهل يجهلك العاشق . أنت
تغسلين اللغة المزهوة اللون. هنا لغم
.وفي خديك أو في العطش الشمسي خيط
تنشرين اللغة المألوفة الغريبة
هل بيننا جسر من الخوف
استرح يا لهب الموت الذي يغزو غبار الوطن
الأول . تأتين من الأزرق حتى آخر الأرض
لتدنو طفلة مستعرة
كخدود الشجرة
اطلعوا من خضرة اليأس
فهذا الوطن الأنثى وأنتم
أنت
هل يعرفك العاشق أم يجهلك العسكر
هل يلتقيان
بين جلد الجسد المسحوب من آخرة الماء
وبين الشهداء
وأنا - أنتظر الوقت لكي يدخل في الوقت
وطير يحمل الأطفال في ريش من الطين - هنا
جالس ليست يدي صارية تعلو ولا كفي شرار
انه الليل الذي حو لني غصنا من النوم إلى الماء
فصار الماء نار
كيف لا يطلع هذا الوهم من نافذتي
كيف لا نافذة ت فتح في النوم ولا ريح تجي
كيف لا أعرف لا أعرف
تجلس الصرخة الآن بين الحدائق
تستصرخ الموت أو تستغيث
من الجرح بالرمح
لا تتركوا الصوت يمضي بعيدا وأنتم هنا
انها الصرخة المستعارة من نكهة القتل
لا تتركوها
سيبقى الجنون لنا راية
وتقبين أنت
وأنت التي ود عتني كثيرا ولكنها لا ت سافر
وأنت التي حو لتني قصائد خوف
ولكنها علمتني أ غامر
-وأنت
:أنا أذكر الآن - قلت
لم لا تبقى معي
لم لا أبقى معك
لم لا نبقى معا؟
ولكنها عذ بتني

خذيني إلى ضفتيك المحاصرتين
أخاصرك ثم نرقص
كي تمطر الأرض أسلحة
والحدائق نفتحها للمصابين بالعشق
هاتي . خذيني . هو الحب هذا السؤال
كما اللغم يصعقنا كل يوم جميل
وفي دهشة الخوف أجلس . أستنطق الوقت
لا وقت للكلمات المعارة من جدول الصمت
لا وقت للكلمات
لكني خذوا قدمي سوف تمشي على كل لغم
وتنسف كل الخرائط لكن خذوني
حو لني العشق شيئا من النار
شيئا من الماء
هل تسأل النار عن مائي الأول
أم يسأل البرق عن معطف الخوف
ندخل كالماء في الأرض أو نتداخل
نستوطن القبلة الخائفة
عادة نلتقي في الحروب المستهامة
بالنوم
أو في نهاياتها العاصفة
إذا حولتك السجون انتقالا من اللون
قل هذه حربنا الخاطفة
ليس في الحب نصف
جنوني عصف وأنت اجتياح
وهذا الوطن
حو لوه إلى عسل خاثر بالجريمة والحب رمز
سأعرف كيف أحاصر صوت ك عشقا
أ حوله أغنيات لأطفالنا المقبلين
فمن حمرة البحر يأتي مناخ الشجر
ومن خضرة الأرض تطلع رائحة الرعب فينا
لنخلع خوفا ونصنع للعالم الخوف منا
تعالي هنا سيد العشق أسطورة للعذاب
تعالي سيعرفك العاشقون المعارون للنار
يعرفك الناهضون من النوم
يعرفك التائهون

أنا شهوة الهدم
كل السلاطين أحذية للغزاة
:تساءلت
هذا مضيق يبرز خنا بين فخذيه
أم يستبينا؟
أنا أول البحر هل يبدأ البحر فيكم
وأنت
بلادي نوافذ ها للبكاء
وأبوابها للعساكر مفتوحة كالسماء
وأنت ي غازلك الشاعر الوهج
والشاعر الرهج
لكنك تجفلينز
قد قلت - ولتحمل الريح صوتي
هنا المهرجانات قائمة
كي تسمي للون لونين
للقوس عائلة كالقزح
وتمسح في الجرح طعم الفرح
وقد قلت :
مابين خط البياض وخط السواد
خصومة
نحن الطفولة للأرض أنت الأمومة
واللون سيدة مصطفاة من البحر
لا تتركوا العيد يأخذنكم غفلة
انه الحزن
هذا النبي الجديد
فلا العيد عيد ولا المهرجان الفجائي برق
ولا الصولجان
فقد علمتني البلاد الغريبة ايقاعها
أخذت من يدي مائي الأول المستريب
وأعطتني ماءا لأسرار ها
انها الآن تصغي لنا
علنا نستحيل النبوءة والانبياء
نصير خرابا يحول هذي الخرائب
حقلا وبيت
نحر ض هذا السواد على الأبيض النائم الآن في العين
نستصرخ المرأة كي تحضن اليوم عشاقها
والطقس كي نحضر العرس والمستحيل
ونستقبل الرعب في الصدر حبا
ولا نستقيل
أنت اذن
ترسلين الاشارات والرمز للغائبين عن الحلم
تستفردين بقلبي
فنمتد بين القصيدة والقبر فاكهة للبكاء
فكيف ألملم قافيتي من فناء البلاد الأليفة
وأكتب كي يقرأ الهدم جذر السكون
وكيف أغادر تاريخك الدموي المسور
بالشجر الانثوي
إ نهم يعرفون
فالخبز لا يشبه الخبز والصوت لا يشبه الفم
وهذي اللغات التي أرهقوها ستخذل أطفالنا
في الصباح
فكل الدفاتر وحشية كالجنود المعارين
للعرس والمهرجان
ولكنهم يهرفون
وأنت ولست وحيدا
فجيش الهجوم معي
في الأصابع والكتف والقدمين اللتين تصيغان
للغم صوتا
وللصوت دم

تعالي
تعالوا هنا لغة لا تخاف
وأرض ست شهر نصلا رهيفا وتسكن في الغيم
قبل الشتاء
تحاوركم
إنه العنف قابلة للولاد ة
تسألكم نزهة في السؤال
توزع أسمالها ثرة في الدخول
وتغلق فخدين جنا بوقت الخروج
لتفتح دفتر عشاقها الضائعين
ولست وحيدا

وقفت بين شعرة الحب وأول القراءة
كانت يدي صديقة العشاق كنت الشجر الخجول
وكان مائي طفلة الحقول
تمشي ويمشي خلفها البكاء
وكلما قرأت في حب يصير سيدي
وكل شكل أول البراءة

وقفت عند الرأس كان نزهة , وعرس
دخلت من يعرفني
إ سم من الأ سماء
أمتد من سورة ياسين إلى طفولة الأشياء
أبتكر الآية من أولها ياوطني المراق
كنت نهرا وشمس
تصعد فوق الهمس
كيف استحال صوتك الر اعد كالهجوم
بحيرة يغرقها الوجوم
ولست وحدي إنها النجوم
والكوكب الداخل في بكورة الهموم
والشجر الناعس فوق صدرها والعوسج المسموم
والوردة الضاحكة النهدين
والقلب في العينين
أنت وهذا الو له الشاهق والقصائد
بين حروف الرفض والقبول
تأصلي : كأنني الأرض التي تجوع للحقول
كأنك الغرسة أو كأنك الأ صول
هل صعب
وهل ضاقت بنا الأرض
هنا في القلب متسع تعالي
ماؤك الدموي تاريخي
يجيء الحب من شفتين زاهبتين
هل صعب
وهل بوابة للعشق ما ضحكت سوى للبحر
تسمعنا
وقبلتك الأخيرة دهشة في الخوف
ها زنزانتي تسع الفضاء
وليس صعب أن نكون
فأنت في جهة ستأخذ شكلها السري من لغتي
وتدخل في قميص الكون كوكبة وتخرج في جنوني
راية للهجم
أو للهدم
لا تستعطف الجلاد لا يأخذها الشرطي
من مذبحة الشارع
أنت جهتي الأخرى
طوى راحتيه على الحزن
تعود أن يحفظ الحزن سرا تعو ده الحزن
تحسس جرحا على الصدر ي سمونه القلب
قال للماء :
غير رداءك
خذ لون وجهي والبس قميصي
واصبح دمي
يا أيها الماء غاد ر فمي
واحتملني
قال للماء
ضيعت مني دما في الهواء
وقد كانت الأرض مشتاقة للدماء
وقد كانت الأرض مشتاقة
وقد كانت الأرض
قلت
من ينقذ الماء من لونه
يستحيل حريقا يحول هذي الحديقة حربا
فيا أيها الصمت يا أيها الخوف يا أنبياء الخصومة
مابين نهر الغزاة ونهر الغر ق
نزهة الأ صدقاء الذين يموتون حبا
ويستنجدون من الصوت بالصمت
لا يقرأون سوى الذاكرة
ويا أصدقاء الأنوثة هل تعرفون الغواية
بين البداية في الحلم والآخرة
انها المرأة المستقاة من الجرح محمولة كالرماح
وملجومة كالرياح
استفزوا الأقاليم كي تنهض الأرض من نومها
واستعيروا من البرق زو ادة للرحيل
وجيئوا من الصيف والسيف والقبلة الساهرة
هي الآن مرتاحة في ضميري
تراوح بين الدماء وبين المياه
تعالي دما آخرا سوف يقرأه الأنبياء
وينسجه الغيم بيتا لنا
انه الطقس يسرق أزياءه من بلادي
ويغوى
لنا الرمز يمشي على فوهة كي يفجر ما لا يقال

اذن هكذا تكتبون الطريق المؤدي إلى الظل
فوق الطريق المؤدي إلى الخاصرة
أيعرف هذا الشهيق المؤجل لوني
تداخلت في وله العنف جيئوا
إذا استوت الأرض كو رتها بغتة وانشطرت على صدرها
ليس غير الجنون الذي يلبس الحقل خوفا
وليس سوى شجر الغزو في الوجه
والشمس طاقية للعصافير
هل كل يوم يدوس علينا يؤجلنا للدخول
اذن سوف ندخل من حيث لا يدخل الآخرون
وأنت معي كوكب في الهجوم
سيقتلنا العصف
لكن سيغرق أعداؤنا في الوجوم
أحاول معرفة الجهة الواقفة
فأكتشف الوصل بيني وبين الرماد
وبيني وبين الفساد المؤسس في الدم
كيف أحول أعصابنا لهجة راعفة
وأسأل
هل جمرة القبر أنا أم ثلجة الحياة
هل أول الأرض أنا أم آخر المياه - وهل إلهي
حاكم أم انني إله

فتدخل الغزالة المحاصرة
في الأفق الشمسي والدهشة والمغامرة
وتبحر المراكب المسو رة
بالحلم الوحشي حبا واللغات الكافرة

تعالوا إذن غيروا شكل أجسادكم
ثم صيغوا الخرائط كي تضحك الأرض
كي يدخل الرقم في الحرف والوطن الطفل
في الأصل
ينتشر الوعد كالرعد والحزن سيدنا
فيالذة الفضح , لا شيء يفصل بين الوساوس
والصوت غير البكاء
ولا شيء يبكي سوى العورة النائمة
هو الخشب المر والرحلة الواقفة
ونافذتان على الكون
واحدة تعرفين اختياراتها الشائكة
وواحدة تعرفون السطوع الطفولي في الماء والسر
اخلعوني من القيد كي تنصبوني على القوس
لا يدخل الضوء إلا العصافير في الفجر
والمهرة الخائفة

هي الأرض لغم رهيف كحلم الطفولة
لو تستحيل الطفولة نافذة للكلام
لكنا قريبين كالفاجعة
وكنا علانية في الحدائق نستصرخ العشق
والحزن سيدنا
ثم أسمع رائحة الثورة الزاحفة
غيروا شكل أسمائكم
غيروا الشعر والخبز والعشب لكن
دعوني أغني دمي مرة قبل موتي
دعون أوقع تاريخي المستهام ارتعاشا
بصوتي
لكم صوتكم
وهي صوتي
أنت ورائحة الثورة الطفلة الوجه أنت
غيروا شكل أطفالكم
غير الصوت ايقاعه في دمائي تغيرت








2- قصيدة قصيدة غنغرينا . وأول الماء حلم


لو يسطع الرعب في راحتي و يمشي .
دوار يخض حنين الشهادة والبدء
مازلت في أول الموت
هذا تراب النبيين في ساعدي
سرير الطفولة يهتز
لكنه لا ينام.

وطن واحد. حولوني إلى قبعات وكوفية
إلى خوذة يغادرها كل يوم شهيد
وأدخل
سيدة الليل لا تفتحي نهدك الآن
سيدتي في مدار الفصول التي عذبت قيدها
اغلقي فجوة الصيف
لو يسطع الرعب
سيدتي
كل موت يشيل الغبار عن الأرض
والأرض محمولة في جبيني
هل أستعير اللغات المريضة كي أوضح الهمس.

لقد أرهقتني المحطات والحرب واقفة وحدها
أرهقتني المحطات والرعب واعدني في المساء
هنا المحطات مرهقة . غادرتني الغصون وأخبارها
واستل نوم العصور انحداراته واصطفاني على النعش
منذ احتلمنا على الأرض ما فارقتنا القبور
قبور تحكم أطرافها في الحياة
قبور تمد الجسور إلى الحلم
والقبر قاطرتي
والجيوش التي يهزم الجوع أحلامها الشائكة
أنا الوطن العربي الذي كان أغنية في الرماد
الذي صيرته الرياح احتضاراً توقعه اللغة الضاحكة
بخار يحوله الصمت أرجوحة للكلام
ودهراً من الدم يمتد في سور هذي الخريطة :
أفريقيا لهب مستثار
ونار الغصون التي تكتب الشعر مثل الهواء
أفريقيا
لماذا الكلام
يمتد نهراً من الدم . هذي الخريطة :
في كل أرض لي الآن عاصمة للخجل ، وعاصمة للبكاء
هو النيل دمع وماء الفرات دم واشتهاء
وتاريخ يافا المجفف يترك قاعات حظر التحول
من مومياء ، إلى أنبياء
لماذا البكاء
يمتد نهراً من الدم ، هذى الخريطة :
خليج من النوم والعاصفة
استداروا يغطون أطرافها بالعباءات
يستفردون بها نقطة نقطة .

حلم جامح يكسر الوقت ، والمجلس الآن منعقد
حلم يتحول من أول العمر حتى احتضار القتيل
والشرطة الآن منذورة كي تضبط الوقت فوق المعاصم
حلم تهجيته
ح ل م
في طرف الحلم قبر :
لقد كان سلطان نجمة صبح فصار في طرف الحلم قبراً
: إذا مر لغم على بابكم في المساء وغنى ، فهذا محمد في طرف القبر .
حلم : أنا الطرف الثالث للحلم. ماء يسير ويختصر الموت والمهرجان.

سأفصل مابين عصر الوقوف وبيني
لي الآن حرية في الرحيل
لغاتي ذائبة وحدها في الهواء
إذا شئت أدخل من فجوة الليل أو أستقيل

حوانيت توزع مرض الحزن والنوم. ومصحات بحجم السأم المرابط تنشر سلالة الشرطي والصلاة والشفق واحتقان الأمل في الوريد . وتحتل الغفلة جيلاً بلا أسئلة.

أنا خندق عمقته السؤالات والشك أن الطفولة ماء
وأن النخيل طريق إلى الماء .


وطن ! ؟
هذا انتظار مجرم
هل يخرج التمثال من أحجاره السوداء. هذا وطن
قولوا
لماذا ؟
كيف ؟
من أين ؟
إلى أين ؟
رجوع نحو كهف الله . من يأخذكم للتيه
هذي جثث تجلس فوق الحكم
والتاريخ في زنزانة البنك
وفي صمت الملايين التي تركع باسم الثورة الراقصة الآن على الحبل
وأخبار الملوك
تخرجون الآن من أكفانكم
حجر النوم إله. وتغنون لعيد القتل
تبكون تصلون من الهجرة حتى حرب تشرين التي حولها
الناطق باسم الخلفاء متحفاً
وقبيل الموت تنثالون كالرمل
هنا مستنقع الرغبة في زيف الفتوحات التي تصقل أبواب السجون.
شهي زهوك الطازج الرائق الآن ، مفتوحة النهد لا يحمل السيف دون انفجار الوقيعة ما بين أحداقك المستحيلات أشجار صحو وبين البكاء
شهي ،
والورد يبدأ عند الصباح بقامته الفارعة
والشمس مرتاحة
عكازها النخل ، والماء يسأل :
هل أدخل الآن جرح السماء
وأخرج من فتق كل السلاطين ؟
الماء يسأل الماء.

لو يسطع الرعب في راحتي ويمشي
ليعرف ماء السؤال احتمالاته الساهرة
ليرحل في وردة الليل سهواً . ونسمع في نشرة الطقس
عرس الأقاليم كي لا يموت الجياع على كاهلي
فيخضر قاع السماء
وتمشي الفصول إلى الماء حاملة قيدها
لو الرعب شكل يحدده الوقت
لو الرعب وقت له شكل خارطة
لاستحالت نوافذها شرفة للقاء
أنا الوطن العربي الذي جرحته الحروب الحكومية الختم
مازالت الأرض مفطورة بالسكوت
ومازال في خدها الوشم لغزاً يسمونه القدس
عرساً يسمونه كربلاء .


وطن
هذا اختمار شجر عاشره الدم
سباقات إلى الذبح تسمى فرحاً
والشعب في نهد بلا قاع
ولا رائحة الراحة تجتاح غصون الأرض
والأرض غبار .
جسد ،
تعب الماضي يغطي نفق الحلم ولا ندخل في الحرف
سوى لهث يموت
وطن . شاهدة القبر أنا
من هنا قتل وموت سيد يأتي وباب يغلق الأرض
على سكانها
من هنا شجر يأخذ شكل الجثث المصقولة الأطراف
والنوم الذي يشبه قتل الأنبياء
جسد مهترئ تزرق جدران المسافات بلا أذن
ويبقى عفناً للذكريات
ونفاق القبلات المستريبة
وعلامات من اللون الرمادي المقوى
بين رمز الجسد الأول للحلم وبين الشعراء
افتحي نهدك يا سيدتي للماء كي تغتسلي
ويظل الكون مزهواً لأن الكلمات
حولتها الثورة المفتعلة
كفناً للأسئلة .

الماء السري الذي يشبه البرق لا يمر من البرلمان ولا تكتبه السماء
الماء : هو بحر من هناك نهر من هنا وخليج يأخذ شكل الوقت .

يا وردة الليل يا لونها المستباح
يغطون أحداقك العاشقات برمز من الطين
يسمونك الحلم
والليل دهر قصير يغير عنوانه في الصباح
يا وردة الليل
غيرت كل اتجاهات هذي الحروف
تعالي من الطرف البكر
كل الدروب القديمة ملغومة
لي وحدي حرية في الرحيل إلى مدن الماء
والسر في جسد بارد
هل تسألون القتيل عن الرمز ؟

وحدي

تعالي شتاء له شهوة العرس . هذي الحديقة جبانة
والقصائد نعش وكل الشهود يقولون
أن الجريمة واضحة كالدخان
وأنت هنا وردة الليل متهم صدرك المستهام
ومزدانة بالرؤوس الفدائية أكتافهم
والقضاة يحنون أطرافهم بالدماء
قطرة قطرة
انه الدم العربي انبجاس من الوهم
يركض
يرسم
يلبس ثوب الحضور ويدخل نار الغرابة
ما بين عنق الكتابة والسأم
ليس أمام القتيل سوى الموت
يخرج من هذا التفسخ جسد
يبدأ في التفسخ .
الوطن يتكئ على الشهداء
يفتح باب ويغلق .
تطل نافذة وتسقط
لا أحد يدخل لا أحد يخرج
فتبدأ الرائحة .

دم عربي على ضوئه يدخل العسكر البيت يستدفئون
وطن عبد
والحرب مرهونة باللغات التي صقلتها الطفولة
جبانة كل درب تقود إلى حلمنا الأبدي
ساعة الحائط الآن تجهل وقت انتصاراتنا

لا يدخل الحرب إلا شريد
ويخرج في خوذة فارغة

ولا تعرف الساعة موعدنا الدموي
انه ضائع بين حبر المراسيم والصرخة الغارقة
دم عربي
أيسطع رعب على راحتي ويمشي
دواراً تموتون في رعشة الحلم

هذا سرير الطفولة يهتز لكنه لا ينام
فيا سيد الموت يا وردة الليل يا كل احتضاراتنا
لي الآن حرية في الرحيل
ولي لغة استقيها من الماء أبكي على صدرها
أرهقتني محطات أشعاركم
وحيد على زنبق الماء وقت يسمى

ق ا س م

قوس إلى سحر أمجادكم
افتحي نهدك
إنني أول الماء
موتي نبي يغادر قرآنه
ثم يغلق باب السماء
افتحي نهدك
أول الماء والماء يسأل

.أغسطس 1974











3- قصيدة نكهة الرعد


فجأة صار انتصاري خشباً في النعش ، صار النعش باب
وتساءلت عن الموت / هل الريح طريق ، والتراب
كيف .. ؟ / هذا شجر الدهشة في ثوبي
( هاجرت الثياب)
قلت من أين دمائي ؟
صوت هذا الشارع المزدان بالصحو ، وبالعنف
وغادرت الغياب
وأنا في أول الحلم / استحلنا غضباً
سرنا وصرنا صرخة في غابة النوم
ابتدأنا في نهايات الوقوف
تذكرون ،
قلت هذي الرئة الأخرى لهم ، هذا الرماد
تحته قنبلة موقوتة ، هل تذكرون ؟
أعرف الإيقاع ، أستنفر ، أعطي ، وأنا حلم العيون
( علمتني لغة البرق
دخول العصف والرقص
وأعطتني الحنين )
أعطني ساعدك الدامي ، أنا الطفل
وأنت الحلمة الملتهبة
شعبي المرتعش الملدوغ من كل الجهات
أعطني كل أغاني ، وأعطيك اللغات الهاربة
يا زمان الضحك والجوع أتينا
رافقتنا الجهة المختصرة
وحديث الشجرة
نحن من فاكهة الرعد وغصن الشمس ، نحن الثمرة
( أسأل الأرض ولكن السماء
سقطت وانكسرت ، صارت دماء)
يمطر الظل نحيباً في ضلوعي ، والبيوت
فرح في أول العمر / جلسنا في جدار الوردة الحمراء
غازلنا تواريخ القيامة
وتبادلنا حمامة
ريشها اللون الذي لا ينتهي
بيتها في آخر الصيف ، وحد السيف بيتي
إشتعلنا
( كذب العراف في القصر
وجاء الرعد في كوخ على ملح الخليج)
نحن في عشق العذارى والغصون
يا زمان القتلة
شارد من زهر الوالي وتقويم الخليفة
- هل تراقصنا وكنا جهلة ؟
كنت لا أقرأ غير الرمل ، لا أعرف لوني
أعذريني ، خائف من لغة الحزن عليك
إشتعلنا
عندنا نافذة للخوف / عندي لغة النار
وصوتي رحلة متصلة
ينبغي أن نرقص الآن على الإيقاع
أعطوا صوتكم صوتي ، ونادوني إلى العزف
تعالوا
ينبغي أن نحسن الرقص على رسم القصور الزائلة .
ألبس الشمس / اغتربنا عنك يا أخبارنا / هل عانقوني ؟
فجأة أصبحت في الحلم / ولي غصن العصافير
وعندي كلمة السر
ترجلنا عن الجسر القديم
دخلت أطرافنا في الضوء
وارتاحت / قتلنا مرة أخرى بلا جرم
وأعطوا لحمنا للطير ( هل رافقتموني ؟)
وليكن قيدي سجاني جنوني
خشباً للدفء ، هذي حلبة الرقص / ومن باب الجنون
تدخل الثورة أسمالاً وأطفالاً / لدينا كلمة في السر
أنتم
ولنكن سوسة هذا العصر / هذي المهزلة
ارفضوا أن يضحك الطفل من الحزن
اخرجوا يا فرحة مفتعلة
( هل ستعطينا مخاضات الغراب
قمراً أو قنبلة ؟)
حين صارت يدنا الجسر - عبرنا
واخترعنا لهجة يعرفها التاريخ / أصغوا
يكتب التاريخ صوتاً / لهب صوتي /
اتصلنا بجذور الغيم /
شادوا من عظام الناس أقفالاً / تطاولنا /
ترى هل أ سكنونا الوردة المنفردة
والزوايا الباردة ؟
قلت : لما يجيء الوقت ، وجاء الوقت .. جاء

تكدسوا في المداخل . اعتقلوا . اغتالوا. صدرت مراسيم الخوف .
واتكأ الحكم على مقصلة. من يرتق الفتوق الكثيرة ؟

عندنا خاتمة الرحلة / أمشي
معي الريح وعصف الجوع / أمشي
جهتي قافية يكتبها الجمع ، يغني لحنها الأطفال تمشي معنا الريح
/ هل الدهشة في ثوبي / هل في شجر العشق تجمعنا
/ وهل في ورق الورد

( اشتعلنا
علنا نستغفر الرغبة في الرقص ولغم الموت
هل ... ؟ )

أبريل 1972












4- قصيدة وقت الحلم الأول



من يعطي هذا الوقت الواقف صوته
قولوا
من يأخذ عن هذا الغصن الطالع موته ؟
من منكم يا أبناء النوم الساطع يخرج من دائرة الصوم
ويرج حياد الماء علانية ويفارق صمته ؟
أنتم يا رئة الله المائلة اللون
يا زمن الحلم الراجع خلف رماد الكون
هل يعرف هذا الحجر الجالس ما بين الكتفين
حدود الحلم الأول ؟
يا حجر الماء الأول
سأقول الليلة حملي الآخر
يا أبناء الحلم الأول
يا منشغلين بغزل قميص الحلم الأول
فضوا سيرة أبنائي
ودعوا صوتي المكسور يقول :

هذا الوقت المصلوب على صدري وقت مجنون
وأنا منتشر كالعطر الأخرس من خمس سنين
وقت جامح
غطوه بصبر الحلم الأول
وانفتح الجرح الأول
تساقط أغصان الشمس على الماء
وترسل أوراق الليل نشيج الأسماء
يترجل حبر الرغبة في الصوت الصارخ
ويكاد الرمل الأصفر يذبحني
وأنا منتصب كحروف النفي
قدمي الأولى في قبر الحلم الأول
قدمي الأخرى في وطني
ويكاد الرمل الأصفر يذبحني

قولوا
من منكم لا يلمح صورته في قاع الكأس
من منكم لا يتذكر تاريخ ولادته
وطول أصابعه
وملامحه منذ الصحوة حتى الرأس
في كل خيوط الثوب أراه يلوح لي جرحاً
وأراه ملوحة هذا الكون المائل
أنتم يا أبناء الحلم الأول خلف الباب
وأنا في حلمي الآخر منذور دون جواب
وأنا السائل
إن كان النوم ، الراحة ، حبل السرة
أطراف الفعل البارد ، غفلتكم
وتراث الميلاد ، وطعم الله
إن كنتم منسجمين معاً
إن كان المجلس ، والصحف الصفراء ، ونهر العمال
يصبون الأحلام معاً
إن كنتم مقتنعين بأن الشمس غداً
تشرق باسم القانون
إن كانت أقدام الطفل تضيع بأحذية السلطان
وأن الطلقة ضائعة مازالت تبحث عن عنوان
إن كنتم منسجمين معاً في نوم الحلم الأول
والنوم صلاة الزمن الواقف
لا تنتبهوا
سيجيء زمان الصحوة يا أبناء وحيد القرن
يا قوماً إن ماتوا انتبهوا
هذي الليلة أولها غيم أسود
آخرها مطر أخضر
هذي خاتمة البدء ونحن القطرات الأولى
فليمسح كل منكم قطرات الدم عن الياقات
وليدفن موتاكم موتاهم
في ظل سلام الليل الوطني
حين خرجت جريحاً من كهف الحلم الأول
عانقني الرمل الأصفر بالحب الغائص في الحقد
بالحب الطفل المقتول على مائدة الإفطار
يا أصحابي المرتاحين على تابوت الثوار
مابين حدود حناجركم وخناجركم قوس مكسور
من أعطاكم لغة تمشي في لهب الماء
من وحدكم في قنبلة عند الأعداء
من حولكم يا أصحابي رملاً أصفر
لا تلتفتوا خلف سرير الراحة
حين تعود الشهوة للأسرار الأخرى
ينفجر الوقت المنتظر الآن على طرف الفعل
قوم إن ماتوا انتبهوا
لا تنتبهوا حتى الموت
هل أسمع خطو الخشب المخلص في التابوت
هل تحمل شرفة أطفالي دمع الأحجار المرخية
فوق النار
يا أصحابي
حين تركت الكهف الحلم الأول في صدري
سيف السلطان
وفي إيقاع الشعر هدير الرايات التعبى
وطن يبكي
موسيقى النعش وحقد الخيبة
والأطفال المولودون قبيل الموت
وطير الغابات المحروقة لا ينقذه غير الفعل
يا أصحابي
يا من كانوا
يا من بكت الأيام علينا في حضرتهم
حين يغوص الثائر في خطأ الأحلام الأولى
تمشي الأحلام ويبقى الثائر مقتولاً
يا أصحابي
يا من كانوا
يا من حولهم حقد الحب النائم
سيفاً آخر في ظهري
يا أصحاب الراحة فوق توابيت الثوار
هل أسألكم
من ينقل هذا الوقت الواقف عبر الدم
من يعرف - يا أبناء اللغة الملعونة -
حجم الهم ؟
قولوا يا منشغلين بصقل مكاتبكم بأنين الشعب
من يدفع أيديكم بالسيف الآخر في الظهر
من أية أرض تأتي رايات اللعبة
هل تجرأ يا قنديل الرعب
هذي شرطة والينا حاضرة مثل الوقت
هذي كل جواسيس السلطان الأول صاغية
تلعق من عمر الأطفال
تسمح أو لا تسمح بالتحريض على اللعب
تسمح أو لا تسمح بالضحك على القانون
من يضحك في السر يموت
فلنملأ قاعة هذا الليل الباكي بالضحكات
ولنسرق فرحتنا الأخرى بين الأحزان
فليتعلم أصحابي
أو من كانوا
أن الكلمات الملعونة جرح في حلم الإنسان
لكن الفعل دواء لا يخطئ
إن كنتم منسجمين معاً
فالفعل دواء لا يخطئ
قولوا
من منكم يا أبناء وحيد القرن
من يعطي هذا الوقت الواقف لونه
أسألكم
من يعطي هذا الشعر الصارخ في البرية وزنه ؟

مايو 1974












5- قصيدة تحولات طرفة بن الوردة


منذ أن مزقت أوراقي أمام الليل واجتزت القبيلة
ركضت أشعاري العطشى وراء الماء
صرت الصوت يرقص حوله الأطفال والغزلان
والأرض البخيلة
جئت في موسم عرس الشمس لكني تأخرت عن الجلوة
لم أشرب سوى خمر السكوت
قلت :
هل أسكر أم أغسل وجه البحر
هل أضحك في حزن البيوت ؟
باغتتني صرخة القلب
انهضي يا مدن النوم
وهاتي يدك اليسرى فإن الرقص جاء
هل تناثرنا معاً في الماء واجتزنا القبيلة ؟

أخرجوني من الغمد
ناديت : هذي بلاد تآمر فيها السماسرة الخلفاء
على الأنبياء
هذي بلاد ستأكل من ثديها حرة
وناديت :
هذي بلاد ستخلع أبناءها واحداً واحداً
في الخفاء
ومازلت أعشق هذي البلاد التي قتلتني
مازلت أحملها كوكباً في قميصي
وأقبل أعذارها ، ثم أصرخ فيها
بلادي التي تشبه القتل مدعوة في المساء
لتحضر جلوة عشاقها حرة
ومدعوة لاختراق الدماء الخجولة.

رأيت الذي سوف يحدث حاورني
ما الذي حول الغصن بيتاً
و حولني ضحكة في البكاء .
وحيد وصحرائي العشق
مازلت أخلق في الليل باباً ونافذة للحوار
وأبحث عن شاطئ يرسم البحر
مثل البلاد التي سوف أقبل أعذارها
ثم أصرخ
أيتها الأرض لا تخذليني
أيتها المرأة المستقرة في القلب والقيد
لا تقتليني

تقدموا معي. هنا الكلمة التي من آلاف السنين أقف فيها . لم يكن بوسعي أن أجلس . لم يكن بإمكانها أن تعود. كل الجهات مغلقة. أنا والكلمة نقطة وحولها يدور العالم. تأتي عصور وتذهب . يتحول كل شئ وقضاة العالم حكموا بأن الكلمة جميلة وطيبة ومقدسة ، لكن يجب أن تقف . صلبوني في حدودها. ليس ذنبي إذا صرت قاسياً كالفراق ، غريباً كالفجأة لقد سحقوني بالعذاب .
وضعوني شرارة في الثلج ومضوا درجة البعد والاقتراب لا تكاد تقاس في حالة انعدام الوزن لكن تقدموا لا أدعوكم، لكن تقدموا لا أحذركم، لكن أعتذر عن هذا الحب . تقدموا في غبطة الأشياء لا تتوقفوا كثيراً مثلما وقفت .
الكلمة وأنا وأنتم إذا لم نتحول انكسرنا.

إقرأ بسم هذا الدم
ولنسكر معا في خمرنا الثوري
هذا العرس مفتاح لأسرار الأساطير . انطلق
لا توقف الصحراء سيفاً غارقاً في النوم
أو في الحلم
إقرأ بسم هذا الدم
أطفالي حروف تثقب التاريخ تبقى هجرة
في جرحنا الشمسي
تمشي نجمة
نمشي معاً في خمرنا الثوري
لا تفتح يداً أخرى سوى للماء
لا تعط السما لغة
هنا الكون الذي يأتي من الأسماء
والأسماء دامية
لتقرأ ، ولتصغ رعداً
لتقرأ ، ولتصغ أسطورة مفتوحة الأبواب
ولندخل معا رقصاً
فهذا الكون هذا الشارع المزحوم بالخيبة
وهذا الـ ...
.... كيف لي أن أفتح الرغبة في نفسي على الخذلان
يا نفسي التي هرمت وتاهت في صحارى العشق
يا نفسي التي تعبت من الألوان
يا قلبي المشرد في محطات البرودة يا ..
هنا وقت تسافر طلقة في الحبر أو في الدم
أحملها وأعرف أن في ثوبي وفي كتبي غرور البحر
قلبي راكض في الليل
خلف الليل
من يعطي لأعصابي دماً أخر ؟

هنا تهتز بين العين والأخرى لغات الطفل
تكبر ، تستحيل الشمس عصفوراً أغازله
وأعرف أن هذا القلب موثوق بحد السيف في كفي
وأعرف أن في خوفي
نوافذ تفتح الأيام.

أمشي على الأحزان . والأشجار
نوافذ للعالم الموصد للأخبار
تنقل صوتي أول النهار
تنقل موتي آخر النهار
في سفري أكتشف الحياة في مرآة
يكسرها الرصاص . والرصاص
مخبأ في كتب الحرب ، وحلم النار
في شفتي أطفالنا يهز هذا النخل
هذي اللغة البخار
يا لغة تحملني في أول النهار
تقتلني في آخر النهار .

أحمل اغتيالي ولا أدري. في المرة الماضية لم أقرأ. والآن ، من جنون الماء وبراءة الخنجر ، أرسلني الخليفة بهذا القتل إلى هنا :
( من الخليفة الدائم ، الذي لا ينام إلا بين فخذي امرأة ، ولا يتوضأ بغير الدم ولا تخلو سجونه من الشعراء والعشاق ، إلى عاملنا في البحرين ، حين يصلكم حامل هذا الكتاب ، اعملوا سريعاً على قتله من قبل أن يرف جفنه اليسار ، ولتحرقوا ما قال من أشعار ، وأتوا لنا بالرأس والأخبار والسلام ).

هكذا أخبرتني بلادي التي كتبت أسمها في القصيدة
وأعطتني صوتي وألوان حبري
ولكنها شردتني
وحين التقينا قبلت جميع اعتذاراتها
وقلت احمليني يداً للهدايا الجديدة

( هل أنا يا بلادي البتول
هل أنا هارب في الصحارى
وأنت انتظار لقتلي
وأنت طفول ؟)

تبدأ الأرض ،
يطاردني الليل والوحشة المائلة
هل الشعر والعشق جرح
وهل يقتل الحرف أن كان بحثاً عن الأسئلة
يا سماء البلاد الصغيرة يا أرضها القاحلة
لبست قميص الغرابة والدهشة القاتلة
تحولت شوكاً بأحداقهم في الصباح
وناراً وثلجاً وبابا
فلم يفتحوا لي كتابا
وقاومت قوساً من القهر والاحتضار
فتحت النهار
وما مت يا قلب هذى البلاد الصغيرة
يا دمعة سائلة.

كوني في اللقاء وردة تسكب ضوئها في أرجائي. أمنحك الحب .
حبي والسجن طريق مزروع بالوحشة والانتظار.
كوني في هذه الصخور المسنونة وردة أو لا تكوني.

شارد ، شهوتي العنف . تجرع لغتي .صرخة في الليل في الصحراء ماء
كنت مرسوماً على الضوء ، وكنا نشرب الضوء معاً
قلت تاريخي رماد وتراثي دمي المخلوع
كان الطقس يحمل رؤية الآتي
تقدم
لا تقف في الظل
كان الطقس يحمل جثة للبيت
يطرق كل نافذة ويدخل ساطعاً كالصوت.
من سماك مقتولاً ولا تقرأ
من أعطاك قتلاً قبل وقت العرس
هل تقرأ لون القتل في الصفحة في كفيك
في الدم الذي يفصد أو يركض
فوق النهر أو في ... ؟

أقرأ الآن عناوين السجون
وتواريخ الفتوحات التي تغلق أبواب الدخول
وليكن صوتي جسراً
يا طفول
طرفة الآن براق يكسر السقف السماوي
ويعطي الرعد إذناً بالنزول
فافتحي شباك زنزاناته العذراء
كي يجلس ضوء البرق في عينيك
يأتي طرفة الآن وبعد الآن في ماء الحقول

( من الذي يقرأ هذا الرمز والإضاءة
من الذي يصير التاريخ قطرتي دم
من الذي يحول الرماد من نار إلى براءة
من يعرف القراءة ؟)

لما جاءني الأصحاب
لاقوني قتيلاً فوق نهر الخمر
شالوني و أعطوا ساعدي المقطوع تفاحاً
وخلوا وردة في الصدر
لما قمت لم يبق سوى التفاح
أين الورد
هل يأتي مع الأصحاب ؟

يجئ دمي في البريد البطيء
يستنفر الماء أطرافه
والجزيرة زوادة للمرابين
جيئوا كما يحضر الحلم قبل الصباح .

وقفت قائمة الشمس على أكتافنا في الفجر
لكن الظهيرة
صهرت آخر تمثال من الشمع حوالينا
وكالماء انسكبنا
لم يكن طرفة هذا الرمز في هذى الجزيرة
دخل الصحراء كي يزرعها شعراً وأطفالاً
وجاء
نقطة الأرض التي يغرس فيها السيف
لم تفتح له باباً ولم تصغ إليه
لغة مكسورة القلب تـحاورنا بها
ورسمنا شجراً فيها وزيتنا السلاح
وتصايحنا لأن الليل دهر
هل تأخرنا ولم يأت الصباح ؟

لقد صاغوا لنا تاريخاً من الكذب ، يولد الشاعر ولا يعطونه الفرح
لكن يعدون له السجن والنعش والمقصلة ويقولون (لقد كان) .

هل أسمي غربة الروح التي تسكنني حلماً
واحتال على الليل لكي يمضي ونبقى أصدقاء
هل يظل العوسج الشوكي مرتاحاً على نحري
وأدعو للغناء
هل أقول الشعر و السيف الذي في الحلق
مسنون بعظم الشعراء
هل أنا في وحشة الصحراء مشدود إلى الشمس
بآي دون ماء
هل أنادي الفقراء .

إنها آخرة الأرض وبدء البحر
هاتوا الخمر ولنرقص معاً
هاتوا الغناء
ساعدي جرح وخصر الوطن الراقص في صدري عرس
وطفول
خمرنا الثوري فلنشرب معاً
حول الصحراء حقلاً صاخباً يزهو
لكي نبقى معاً .
يعبر الوردة والنهر ويقرأ
اقرأوا ، فالدم تاريخ
مشى طرفة مقتولاً وعيناه كلام
شجر يرتعش الحلم على أغصانه قبل الظلام
شجر
في كل يوم تقتل الراحة من يمتد في الصمت ولا يقرأ
يأتي بغتة
أو سوف يأتي أو أتى كالوقت
والوقت سلام .

ديسمبر 1973
سبتمبر 1974













6- قصيدة زهرة الحزن



هذه الهاربة العينين والجرح الذي يضحك
أمي
هذه الخاصرة التعبى من الحزن وبرد
الجهة الأخرى ومني
هي أمي
هذه الثلجية الفودين
من حوّل هذا الليل قنديلاً يغني
آه يا أمي
لقد أعطيتني صوتاً له طعم الملايين
التي تمشي إلى الشمس وتبني
كنت في صدرك عصفوراً
رمته النار ، سمته يداً تخضر
ها عصفورك الناري في السجن يغني
أنت يا هاربة العينين والجرح الذي يضحك
غني
ليس بين الضوء والأرض التي تمشي وتحتار وبيني
غير هذا الأفق المحمر والوقت وأمي
آه يا أمي التي خاطت لي الثوب بعينيها
لماذا لا يمر الثوب بالسجن
لماذا لا تخيطين لنا أثوابنا الأخرى
تمدين المناديل التي تمسح حزني
ولم الرعب الذي حولني شعراً
على جدران سجني
لا يحيل الشجر الشوكي في أحداقك التعبى
عصافير تغني .
آه يا هاربة العينين يا العرس الذي يبكي
أنا منك كلام طالع كالبرق من ليل الأساطير
وأنت وردة العمر التي تطلع مني
فلماذا يهرب الحزن إلى خديك يا زهرة حزني
ولماذا ... ؟
( وطن يلبس قبل النوم تاريخاً
وبعد النوم تاريخاً ويستيقظ بعد
الموعد المضروب لا يعرف باباً للدخول
وطني هذا أم الدهشة في خارطة
البحر استوت رملاً ، لماذا ،
وطن يلبس عنوان السلاطين وسروال الملوك
وطني هذا أم الثورة صارت نهراً للدم
هذا وطن لا يخجل الآن من الألوان
والصورة بالأسود والأبيض
هل يذكر ؟ هل تختلط الألوان
في عين بلادي ، هل أقول ؟
وطني الآن بلا نافذة
يدخل السواح من باب على السوق
يبيعون بلادي
وأنا منفلت أبتكر الأطفال والشعر
بلادي تخلع الأستار في الليل
كما قال صديقي
وصديقي كان لا يخجل من عورات
هذا الوطن الواقف في الحلق
لماذا تخجلون ؟
وطن أتخمه الجوع فهل تأخذه الغفوة
وطني هذا أم الغربة أم قائمة البحر
أم الغاب أم القافلة الغاربة الآن
أم الأم التي تنسج ثوباً للسجون ،
والتي تدخل في وجه بلادي في المساء
تخرج الآن مع الحلم ،
وهذا وطني هذي بلادي هذه أمي
لا أدري حدود الوطن الأم
البلاد ) .
لك يا هاربة العينين والجرح الذي
يرقص في الحزن أغاني الجديدة
أنت في ذاكرة التاريخ ورد عاصف يأتي
وفي السجن قصيدة .

سبتمبر 1973



وهكذا نكون قد أتممنا ديوان الشاعر الكامل الذي يحوي عنوان الدم الثاني ...

قصي مجدي سليم
19/04/2005, 00:45
الاخ العزيز عاشق من فلسطين:
تحياتي
شكرا لك على نقل مقالي (شعراء ولكن) الى هذه الصفحة .. وشكرا لك اذ ان نقلك للمقال جعلني اتعرف على هذا (السايد) ومن ثم تمكنت من الاشتراك فيه .. وهو بحق سايد مهم جدا ..
ارجو ان نلتقي أكثر
قصي مجدي سليم

عاشق من فلسطين
19/04/2005, 12:21
الاخ العزيز عاشق من فلسطين:
تحياتي
شكرا لك على نقل مقالي (شعراء ولكن) الى هذه الصفحة .. وشكرا لك اذ ان نقلك للمقال جعلني اتعرف على هذا (السايد) ومن ثم تمكنت من الاشتراك فيه .. وهو بحق سايد مهم جدا ..
ارجو ان نلتقي أكثر
قصي مجدي سليم

سوف أتحدث معك باللغغة الفصحة لأنك على ما أظن من أشقائنا السودانيين .. أنا معجب جدا" بمقالك .. وأهلا وسهلا" بك في المنتدى أخ عزيز وغالي .. أنا سعيد جدا" لدخول أخ شقيق من السودان على المنتدى وخاصة" بأنه مهتم بالشعر جدا" .. مقالك رائع جدا" .. وخصوا" الشظايا الشعرية التي جمعتها به .. أرجو ان تبقى على اتصال في المنتدى .. وأن نرى مشاركاتك .. في الشعر وغيره .. وعلى فكرة أنت شكلك ضليع بالشعر .. انا مشروع شاعر وقد نزلت قصائد كثيرة هنا في منتدى الشعر من تأليفي وأتمنى ان تقرأها .. وتنقدني في حال وجود نقط ضعف فيها .. وأهلا وسهلا" بك مرة أخرى أخ عزيز .. :D :D :D

عاشق من فلسطين
19/04/2005, 14:27
اغسِلْ يَديكَ بماءِ نارْ .

وَاحلِفْ على ألاّ تَعودَ لمِثْلِها

واغنَمْ نصَيبك في التّقـدُّمِ ..

بالفِـرارْ !

دَعْها وَراءَك في قَرارة مَوتِها

ثُمَّ انصرِفْ عَنها

وَقُلْ: بِئسَ القَـرارْ .

عِشْ ما تبقّى مِن حَياتِكَ

لِلحَياةِ

وَكُفَّ عن هَدْرِ الدِّماءِ على قِفارْ

لا يُرتجى مِنها النَّماءُ

وَلا تُبشِّرُ بالثِّمارْ .

جَرَّبْتَها

وَعَرَفت أنَّكَ خاسِرٌ في بَعْثِها

مَهْما بلَغتَ مِنَ انتصارْ .

حُبُّ الحياةِ إهانَةٌ في حَقِّها ..

هِيَ أُمَّةٌ

طُبِعَتْ على عِشْقِ الدَّمارْ !

هِيَ أُمَّةٌ

مَهْما اشتعلتَ لكي تُنير لَها الدُّجى

قَتَلتْكَ في بَدْءِ النَّهارْ !

هِيَ أُمّةٌ تَغتالُ شَدْوَ العَندليب ِ

إذا طَغى يَومًا على نَهْقِ الحِمارْ !

هِيَ أُمّةٌُ بِدمائِها

تَقتصُّ مِن غَزْو المَغُـولِ

لِتَفتدي حُكْمَ التَّتارْ !

هِيَ أُمَّةٌ

لَيسَتْ سِوى نَرْدٍ يُدار ُ

على مَوائِدَ لِلقِمارِ

وَمالَها عِنْدَ المَفازِ أو الخَسارْ

إلاّ التّلذُّذُ بالدُّوارْ !

هِيَ باختصارِ الاختصارْ :

غَدُها انتظارُ الاندثارِ

وأَمسُها مَوتٌ

وَحاضِرُها احتِضارْ !

***
هِيَ ذي التّجاربُ أنبأتَكَ

بإنَّ ما قَد خِلْتَهُ طُولَ المَدى

إكْليلَ غارْ

هُوَ ليسَ إلاّ طَوْقَ عارْ .

هِيَ نُقِطةٌ سَقَطَتْ

فأسْقَطَتِ القِناعَ المُستعارْ

وَقَضَت بتطهير اليدينِ مِنَ الخُرافة جَيّدا ً

فَدَعِ الخُرافَةَ في قرارةِ قَبرِها

واغسِلْ يَديكَ بماءِ نارْ !

عاشق من فلسطين
19/04/2005, 14:30
مَولانا الطّاعِنُ في الجِبْن ِ

عادَ لِيُفتي:

هَتْكُ نِساءِ الأرضِ حَلالٌ

إلاّ الأَربعَ مِمّا يأتي:

أُمّي، أُختي، امرأتي، بنتي!

كُلُّ الإرهابِ (مُقاومَةٌ)

إلاّ إن قادَ إلى مَوتي!

نَسْفُ بُيوتِ النّاسِ (جِهادٌ)

إن لَمْ يُنسَفْ مَعَها بَيتي!

التقوى عِندي تَتلوّى

ما بينَ البَلوى والبَلوى

حَسَبَ البَخْتِ

إن نَزلَتْ تِلَكَ على غَيري

خَنَقَتْ صَمْتي.

وإذا تِلكَ دَنَتْ مِن ظَهْري

زَرعَتْ إعصاراً في صَوْتي!

وعلى مَهْوى تِلكَ التّقوى

أَبصُقُ يومَ الجُمعةِ فَتوى

فإذا مَسَّتْ نَعْلَ الأَقوى

أَلحسُها في يومِ السَّبتِ!

الوسَطِيَّةُ: فِفْتي .. فِفْتي.

أعمالُ الإجرامِ حَرامٌ

وَحَلالٌ

في نَفْسِ الوَقْتِ!

هِيَ كُفرٌ إن نَزَلَتْ فَوقي

وَهُدىً إن مَرّتْ مِن تَحتي!

***

هُوَ قد أَفتى..

وأنا أُفتي:

العلَّةُ في سُوءِ البذْرةِ

العِلّةُ لَيسَتْ في النَّبْتِ.

وَالقُبْحُ بِأخْيلَةِ الناحِتِ

لَيسَ القُبحُ بطينِ النَّحتِ.

وَالقاتِلُ مَن يَضَعُ الفَتوى

بالقَتْلِ..

وَليسَ المُستفتي.

وَعَلَيهِ.. سَنَغدو أنعاماً

بَينَ سواطيرِ الأَحكامِ

وَبينَ بَساطيرِ الحُكّامْ.

وَسَيكفُرُ حتّى الإسلامْ

إن لَمْ يُلجَمْ هذا المُفتي!

قصي مجدي سليم
19/04/2005, 14:36
عاشق من فلسطين...
حديثك بالفصحى ، أو بالعامية الشامية،، أو بأي لغة أخرى لا يعييني لأنك تكتب بقلبك فيصل الكلام الى السامع عن طريق (أذان القلب).
انني أسعد بإنضمامي الى أخوة جدد في دولة جديدة لنزيد من خبراتنا الثقافية والاجتماعية عن طريق(االحراك) الذي لابد أن ينتج في ما بيننا .
لست ضليعا في الشعر ولكني تلميذ صغير في مدرسة الشعر والشعراء أحب (المتنبئ) وأهوى (ابونواس) والبحتري والمعري وعنترة وامرئ القيس وزهير والتجاني يوسف بشير واحمد شوقي والفيتوري ... ولا أرى بأس في الشعر الحر والقصيدة النثرية وإن كان لدي تحفظ في شكل كتابتها (عند العرب عموما)..لهذا ، ولغيره.. فإن فائدتي لك ستكون عن طريق فائدتك لي ... فكلانا صاحب اراء ومذاهب مختلفة (وربما متباينة) ولكن كلانا تلميذ في مدرسة الأدب .. وسبل التلاميذ للتعلم هي الصبر وتقصي العلمية والمنهجية والروية ومقارنة الاراء بحياد والبعد عنن التعصب او إنقاص حق الاخرين أو الشطط في المدح او القدح..........
لهذا فانا سعيد بأن ترسل لي (روابط) اشعارك .. وسأقوم بإخبارك برأيي (أول بأول).. وأرجو أن تتعامل معه على أساس أنه رأي فقط
يقبل (الصواب) ويقبل _غالبا_ (الخطأ)..
لك محبتي وشكري

عاشق من فلسطين
19/04/2005, 14:43
مشكور يا غالي .. كلام من القلب رائع .. مشكور كتير .. وأنا بالنسبة لكتاباتي .. انا بكتب قصيدة تفعيلة ... وقصيدة نثرية ..
وأنا سعيد جدا" بدخولك المنتدى .. واتمنى أن أراك دائما" في المنتدى وأرى مشاركاتك ..
:D :D

عاشق من فلسطين
02/05/2005, 15:43
مقاربات بين الكتابة والديمقراطية

عدنان الصائغ


1
حوار المسدس


· أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين

- القرآن الكريم -

· اني لا أحول بين الناس وألسنتهم مالم يحولوا بيننا وبين السلطان.

معاوية بن أبي سفيان - الأمامة والسياسة -

· الألسن التي نتكلم بها مختلفة أما الألسن التي في أفواهنا فواحدة.

- رسول حمزاتوف -

· الصحفي البريطاني يتدرب منذ نعومة أظفاره على الاستماع الى طرفي أو أطراف النزاع أما الصحفي العربي فيعيش على تقاليد داحس والغبراء، فأما داحسي وأما غبراوي.

- فالح عبد الجبار -



ما الجدوى أن أحاورك بالكلمة .. فتحاورني بالمسدس.. فلا حواري يصل إليك، ولا مسدسك يترك لي فرصة أن أتكلم أو فرصة أن تفهم، وبالتالي فكل كلام تحت قوس المسدس يبقى كلاماً خارج قوس الحوار.

ثمة أوطان تتحاور بالدبابات وثمة كتاب يتحاورون بالتقارير الأمنية والخناجر، لكن غالباً ما ينتهي بهم الأمر إلى الفجيعة: أوطاناً أو نصوصاً..

فحوار الطلقة يولّد مزيداً من الطلقات والأحقاد والجهل والجثث .. وحوار التقارير الأمنية يولد مزيداً من السجون والمعتقلين .. وكل هذا يبقى خارج قوس التأريخ .. ذلك أن الأمم لا ترتقي إلا بحضارتها، وحضاراتها لا تتكون إلا برقي ثقافاتها، وثقافاتها لا تأتي إلا من عصارة فكرها، وفكرها لا يأتي إلاّ من حوارها مع الذات والآخر.

أن العصر الذهبي الذي مر بالأمة العربية لم يكن عصراً ذهبياً لو لم تولد فيه مختلف التيارات الفكرية والدينية والسياسية، وتنشب فيه معارك المعتزلة والخوارج والشيعة والسنة والأباضية والمرتجئة والجبرية والقدرية .. والخ .. والخ.

لم يكن عصراً ذهبياً - رغم نواعير الدم - لو لم تفتح دار الحكمة أبوابها لأرسطو وأفلاطون وأبيقراط والسفسطائيين وزرادشت .. والخ .. والخ.

فنشأ مبدأ الحوار بين الكلمة والكلمة والفكرة والفكرة والمعتقد والمعتقد، ورغم بعض حوارات السكين التي سجلها التاريخ، لكنها تبقى – بالقياس إلى حوارنا المعاصر – عصراً ذهبياً، يستطيع فيه رجلاً مثل سعيد بن المسيب أن يقول أمام الملاً: "إذا رأيتم العالم يغشي الأمراء فاحذروا منه فأنه لص" ثم ينزل من المنبر ماشياً إلى بيته مطمئناً، هادئ البال، دون أن يفكر بأن ثمة مسدساً كاتماً للصوت في انتظاره.

غير أن عصرنا لم يعد يتسع لسعيد بن المسيب .. ولا صدور مثقفينا تتسع للحوار، ذلك أن المسدس أسس بنيته الخاصة به حواراً وفكراً ومريدين ومصفقين ومثقفين مهزوزين يتمايلون كالقصب أمام الريح ..

مرة صرخ الكاتب التركي الساخر عزيز نيسين قائلاً: "آه .. منا نحن المثقفين الجبناء" لم يقل ذلك إلا حين أدرك خطورة انهزام المثقف قبل خطورة انهزام السياسي .. فالمثقف يقود وعي الأمة، وهو حين يرتد أو يجبن أو ينهزم فأن ذلك معناه اهتزاز الأمة وسقوطها.. فحضارات الأمم تقوم على وعيها وفكرها وليس على سيفها ورمحها، فقد ينبو السيف وقد تكبو الخيل، فيكون ذلك خسارة معركة، ليس غير، فإذا ظل الوعي متحفزاً وناهضاً، فسرعان ما تستعيد الأمة خسائرها غير أن انكفاء الوعي قد يسبب خسارة أمة وتدهور حضارة لن تُسترد بالسيف أو المال. فالتاريخ كثيراً ما يحدثنا عن آلاف المعارك التي حدثت على ظهر البسيطة بين غالب ومغلوب وهي كلها تنصب في مضمار الصراع حول المال والنساء والأرض والسلطة، غير أن معارك الفكر حفرت نفسها على صفحات التاريخ وتغلغلت في وعي الأمم ووجدانها ، وكانت هي المسار الذي شق للإنسانية طريقاً نحو التقدم والتطور والازدهار.

وكان فرسان الفكر كثيراً ما يسقطون مضرجين بدمائهم قرباناً لحرية الرأي والمعتقد، فيكونون كالشعل المتوهجة في الظلام ينيرون للأجيال دربها الطويل.

أما جبناء الفكر الذين كانوا ينهزمون من أول الشوط فهم السبب وراء عصور الظلام التي مرت بها أمتهم، فهم غالباً ما ينكفئون على أعقابهم نتيجة الخوف، فيزورون التاريخ ويشوهون الحقيقة ويضللون الشعوب. وهم لا يقلون خطورة عن سماسرة الفكر وتجار الكلمة لذلك جاءت صرخة عزيز نيسين لتهز نواقيس الخطر في زمن السبات وخنوع المثقفين لرؤسائهم.

وهذا هو ما يولده المسدس بين الثقافي والسياسي على مر العصور مسوخاً أو جبناء أو شهداء أو صامتين أو منفيين …

* * *

2

المثقف والاغتيال 1



· يمكن لدباباتكم أن تدخل أي مكان

ولكنها لن تستطيع أن تحتل أغنيتي

- بابلو نيرودا -

- وهي القصيدة التي غناها "فكتور جارا" قبل أن يغتاله رصاص الفاشية ايضاً -

· الحرية هي روح الدين.

- الكواكبي -

· أن أحد السمات العليا للشعر في القرن العشرين أنه وقف ضد الأنظمة.

- شيماس هيني -



الذي قتل لوركا لم يكن سوى شاعر فاشل أغاظه النجاح الباهر الذي حققه شاعر القيثارات الغجرية فوشى به إلى فرانكو …

وهكذا افترق الشاعران: ذهب الأول إلى النسيان، وضاع تحت أحذية السلطة، فلم يعد يذكره أحد إلا إشارة ذميمة إلى عار المثقف الذي يرتضي لنفسه أن يتحول إلى تقرير أو ممسحة أو مسدس …

وذهب الثاني مفتوح العينين يتطلع إلى القمر وهو يمشي هادئاً بين فرقة رجال الإعدام الذين أطلقوا عليه الرصاص فخمد جسده النحيل لكن روحه بقيت وهاجة ترتل أغانيه تحت أقمار العالم وبين أشجار الغابات، وظل صوته خالداً على شفاه الأجيال لا يستطيع إخماده كل رصاص القتلة …

ولم يكن ينتبه جنرالاتنا لخبايا القصائد لولا ما تبرع به هؤلاء الفاشلون بكتابة التقارير التي تشرح لهم ما خفي من معاني النص وتأويلاته وتحريضاته …

وحين أدرك المسؤولون في بلادنا أهمية هؤلاء بدأوا في تقريبهم ومنحهم الهبات والمناصب وتعيينهم عيوناً حارسة في الشارع الثقافي وآذاناً سرية تسترق السمع لخلجات روح المثقف وحواره الداخلي بالإضافة إلى تعيينهم رقباء على الأجهزة الثقافية ودوائر المطبوعات …

والأدباء الفاشلون أنواع وليس كلهم من هذا الصنف، منهم من يؤمن بقدره الذاتي فيوصد دكانه الأدبي ويروح يفتش له عن مهنة أخرى أكثر راحة وربحاً من هذه المهنة الشاقة التي لا يجني الكاتب منها في بلادنا سوى وجع الرأس والمخاطر …

وهذا النوع من الأدباء يمكن أن يبقى صديقاً حميماً للأدباء يتابع أخبارهم بين آونة وأخرى يبرحه الحنين فيقترب وتحبطه المشاكل أو تلهيه المشاغل فيبتعد، وهو بين هذا وذاك يبقى على الهامش دائماً متذكراً أمجاده الغابرة أو فتوحاته الوهمية، راضياً بذلك أو يحاول إقناعك برضاه، معيداً إليك صدى بيت امرئ القيس الشهير:

لقد طوفت بالآفاق حتى

رضيت من الغنيمة بالإياب

لكن بمعنى مقلوب

ولا ضرر أن تأخذه العزة بالإياب، فيصرح لمن حوله إنه لو أستمر في الكتابة لقلب دنيا الأدب، رأساً على عقب … وحين يسمع ببروز أديب من أبناء جيله لا يتردد عن الترديد بأن هذا الأديب كان تلميذاً له يصحح أخطاءه اللغوية وأنه كان يعلمه كيف يكتب …

وأذكر مرة إنني وصديقي الشاعر عبد الرزاق الربيعي كنا في زيارة أحد الفنانين المسرحيين واكتشفنا بعد أن خرجنا من بيته أنه لم يعرض لنا سوى البومات صوره القديمة مع كبار الفنانين الذين كانوا من قبل زملاءه بل كان هو أفضل منهم في بداية الرحلة. لقد تجمدت ذاكرته تماماً على الماضي فكلما حاولنا أن نجره إلى الحاضر، إلى الحديث عن أعماله الجديدة، إلى مشاريعه المستقبلية غافلنا وحمل لنا صور الماضي .. فأدركنا إن الرجل نفدت بضاعته، وفعلاً كان ذلك حيث ظل أسيراً لماضيه لا يقدم شيئاً حتى تناساه الناس وضاع في زوايا النسيان إلى الأبد…

وأذكر أدباءً آخرين كلما سألتهم عن أسباب توقفهم عن الكتابة أجابوك بأنهم انسحبوا عن عالم الكتابة تأففاً، أو ترفعاً، أو تأجيلاً مشروطاً بتغير الظروف، أو عدم قناعة بالوسط الثقافي وبما يكتب وينشر، والخ من العلل والأسباب التي لو لم تكن هي لأوجدوا غيرها، فما أسهل التبرير وما أشق الرحلة وهذه الادعاءات وغيرها ليس لها من جانب ضرري إلا على صاحبها وفي إطار ضيق جداً، لكن الأكثر إيذاءً وقسوة يكمن حين يتحول هذا الفشل إلى حقد أعمى يطال المبدعين ويوزع عليهم تهمه وشتائمه وعقده، فما أن يسمع الأديب الفاشل بنجاح أديب أو اشتهار كتاب أو فوز مبدع حتى يرتجف هلعاً ويروح ينفث سمومه في زوايا المقاهي وأروقة المؤسسات متبرعاً بالنقد والتشهير وكيل الشتائم وإلصاق الصفات المجانية وحياكة المؤامرات وغيرها… ربما لاعتقاده الباطني إن هذا المبدع قد أخذ فرصته، وأنتزع الأضواء عنه، بينما الحقيقة إن هذا النجاح الذي استفزه والذي حققه زميله مثلاً ما كان ليستفزه إلاّ لأنه كشف لنفسه أو للآخرين فشله وكسله، وكان يمكن لو أراد، أن يكون له ذلك حافزاً خلاقاً لتحريضه على المنافسة الإبداعية الشريفة وبذل الجهد والسعي إلى التجاوز … ولو كلن قد أبعد نفسه ووقته عن سفاسف الأمور وبذل على عمله الإبداعي ما بذل من ذلك الوقت والجهد لكان يمكن أن يقدم شيئاً يغنيه…

ويمكن أيضاً أن يبقى هذا الأمر رغم خطورته محصوراً على نطاق الإيذاء الثقافي أو الاجتماعي في التشويه أو التهميش غير إن خطورته المميتة تكمن حين يمتد في أحيان كثيرة إلى نطاق الكيد السياسي ويتجاوزه إلى السجن والنفي والتصفية والاغتيال…

فإذا كان سانت بوف في معرض حديثه عن شاتوبريان يذكر قائلاً: "لقد كنت أرتعش حين أرى شعراء حقيقيين ينصرفون للعمل السياسي" فما سيقوله أمام غير الحقيقيين، فهو قد يتحسر على ضياع الموهبة في دهاليز السياسة ومكاتبها وتحويلها إلى دكان صغير ناطق باسم هذا الحزب أو ذاك حيث يمكن بعدها أن يغريه الأمر ليصبح بوقاً مدوّياً، رغم عدم انطباق هذا الأمر على الكثيرين، غير أن هذه السهولة ستغري غير الحقيقيين فهم بالإضافة إلى نشوئهم بالأساس كأبواق أو أجهزة استنساخ أو آلات محركة يمكن بقليل من الرشاوي أو الضغط من قبل السلطة أن يتسع نطاق عملهم ليشمل كتابة التقارير عن الأدباء بدل القصائد والقصص وملاحقة المبدعين المعارضين في الداخل والخارج والمساهمة في تصفيتهم…

يقول الشاعر بلند الحيدري: "لستُ مع الشاعر الذي توظفه السياسة في جهد شعري مسطح وكأنه مقال سياسي، وأنا أخاف على الشعر وقيمته من هؤلاء …"

لكن الخوف اليوم لم يعد على الشعر فحسب بل تعداه إلى الخوف على الشعراء الحقيقيين أنفسهم من بعض كتبة الشعر …

* * *

المثقف والاغتيال 2


· كلما كانت الحرية أقل كان الإنسان أقل.

- همنغواي -

· كنا نعرف الرقيب ونتحايل عليه، ولكن الجديد في الكتابة اليوم أننا لم نعد نعرف من يراقب من، وما هي المقاييس الجديدة في الكتابة.

- أحلام مستغانمي -

- في ملتقى عمان للكتاب 1998 -



لقد عاش تولستوي حرب القوقاز فيما بين عامي 1851 و 1853 كموظف حكومي وضابط مدفعية. لكنه هل كان حقاً ضابط مدفعية ملزم بواجبه الرئيسي بالقتل أم كان روائياً عملاقاً سجل بدقة ومهارة عذابات الإنسان وفواجعه في الحروب والتي أوحت له بواحدة من أروع الروايات في تاريخ الأدب العالمي إلا وهي "الحرب والسلام" وكان يحاول في كتاباته إصلاح المجتمع عن طريق العدل والمحبة وعدم العنف والظلم ..

لم يكن تولستوي بالطبع وحده الضابط والكاتب الذي شهد الحرب لكنه كان الأصدق والأجرأ إبداعاً في التعبير والأكثر التصاقاً بالنبض الإنساني بل وكان يتساءل مثلنا: "كيف يحدث ألا يدرك بعض الكتاب المعارضين أن الشرط الأولي والضروري الذي لا بد لأي عمل إبداعي هو مدى تفهم الفنان وحساسيته" ...

أن الكاتب ما هو إلاّ " شاهد على ما يحدث في وطنه" كما تذهب إلى ذلك الكاتبة نادين جورديمر الحائزة على جائزة نوبل للآداب عام 1991 ، فبمقدار ما يكون الكاتب أصيلاً وواعياً ومبدعاً تكون شهادته أكثر تعبيراً ونصه أكثر قيمة وبالتالي فهو منحاز دائماً للإنسانية وللحرية في وطنه وفي كل مكان في العالم وهو لا يفتح عينيه على بعض الحقائق التي تخدم مصلحته ويغمض عينيه عن الأخرى مثلما يحدث لبعض الكتاب الذين فروا من أنظمتهم القمعية والتجأوا إلى أنظمة قمعية أخرى أقل أو أكثر، فسكتوا عما يحدث في داخلها وأوصدوا آذانهم عن سماع شكوى زملائهم في الكتابة وتأوهات الناس السرية، خوفاً على مصالحهم واستقرارهم .. أن النضال ضد القمع والدكتاتورية واحد لا يتجزأ ..

هنا يجب التفريق من جانب الظرف التاريخي والموضوعي والحياتي بين أديب تضعه الظروف في مواقع لا يرغب فيه وبين آخر يندفع أليه راغباً ومؤمناً ومصفقاً. ومن جانب الوعي والمسؤولية بين من يكتفي بالمشاهدة السلبية (تأييد القمع) أو الحيادية، والكتابة وفق منظورهما، وبين من يكتوي بالمشهد (داخله أو خارجه) ويمارس التحريض بمستوياته النضالية المختلفة وطرقه الفنية المتعددة في الكتابة السرية لتوثيق المرحلة التي يعيشها إبداعاً، حين لا يتمكن من نشرها في وقتها خوفاً من بطش النظام به أو بأفراد عائلته، أو في تسريب نصوصه السرية داخل دوائر معينة قد تضيق أو تتسع أحياناً، أو مراوغة الرقيب في ممارسة الكتابة المبطنة التي تحتمل التأويلات المتعددة والتي يمكن للكاتب الذكي أن يمرقها من خلال مقصات الرقابة لتصل إلى قلب القارئ ووعيه وتحمل أليه ما يريد أن يقوله .. وقد فعل سارتر ذلك في مسرحيته التي قدمت على المسارح أثناء الاحتلال النازي، وقبله فعل المتنبي ذلك حين مدح كافور الاخشيدي (ظاهرياً) بينما كان يهجوه (باطنياً) في مطلع قصيدته الشهيرة:

كفا بك داءً أن ترى الموت شافياً

وحسب المنايا أنْ يكنَّ أمانيا

ومثلما يفعل الآن الكثير من أدبائنا الملتصقين بهموم شعبهم وإبداعهم والذين يعيشون ويكتبون داخل مناخات الإرهاب في الأنظمة الشمولية..

وحين نضع كل هذه الشروط القاسية التي يعيشها المبدع داخل تلك الأجواء الكابوسية علينا أن نأخذ بنظر الاعتبار ازدياد فطنه الرقيب وخبثه وقسوته وتفننه في قراءة التأويل وتفسيره لذا فان كفتي ميزان المراوغة بينهما – أي بين الكاتب ورقيبه – قد تميل إلى هذا الطرف أو ذاك ..

وأتذكر الشاعر معين بسيسو وهو يقول:

"على سحابة

كتبتُ يوماً تسقط الرقابة

فصادروا السماء .."

لقد ذكر ستورياس في حديثه عن ناظم حكمت قائلاً: "كان رجلاً يجابه بالشعر برابرة كل زمان .." هذه المجابهة المدهشة هي شد حبل بين طرفين غير متكافئين ربما على مستوى الأداة: الكاتب بجلده العاري وقلمه وقرائه، والسلطة بكل أجهزتها المعروفة وغير المعروفة. غير أنها تؤكد على فعل الكلمة وموقعها في التصدي والمجابهة وقد روى حكمت ذات يوم لصديقه بابلو نيرودا كيف وضعه رجال السلطة الفاشية داخل المرحاض لعله يضعف أو يستكين لكنه حين أحسس بعيونهم بدأ ينتصر على وهنه الجسدي بالغناء .. بدأ يغني بصوت خافت ضعيف ثم علا غناؤه واشتد شيئاً فشيئاً حتى غطى على كل شيء .. فيكتب له نيرودا: "انك بهذا قد أجبت عنا جميعاً" .. فبين الغناء والبرابرة تكمن قوة الشاعر على التحدي والإجابة على أسئلة العصر .. وهذا يتطلب حتماً مواجهة العاصفة بعيون مفتوحة، "أن المتاعب سكاكين – هكذا تقول مدام دي ستيل – أما أن نقطع بها أو نتركها تقطعنا .. ونحن وحدنا الذين نستطيع أن نستخدمها لصالحنا إذا تعلمنا كيف نمسك بها من يديها لا من نصلها.." لكننا في المقابل ونحن نقيّم تجارب من ظلوا في الداخل يمسكون بالسكاكين أن نتفحص النتاج الشامل لهذا الأديب أو ذاك ونرى هل ينصب إبداعه وعمله الثقافي في خدمة النظام الجائر أم كان محرضاً ومشاكساً أم ظل محايداً ...

وقد يقول قائل: ولماذا وجع الرأس هذا كله ومناطحة الجبل، لماذا لا ينكفيء الأديب إلى داخل ذاته وينعزل في بيته وينقطع عن المشهد العام حين يكون المناخ الثقافي – السياسي موبوءاً وبذلك يكون بعيداً عن الأضواء التي تغري السلطة به وتعرضه إلى المشاكل وهذا الرأي على صوابه أحياناً يقودنا إلى مغزى ما ذهب أليه برخت: " لا حاجة إلى هذه الفضائل في بلد طيب .. نستطيع أن نكون جميعاً جبناء ونستريح" ، ومنه يقودنا إلى صرخة الكاتب التركي عزيز نسين: "آه منا نحن المثقفين الجبناء" ، ومنه يقودنا إلى جدوى الكتابة ذاتها ودور المثقف في أحداث عصره، ومنها إلى أهمية أن يكون الكاتب داخل الحدث أم خارجه، متفرجاً من نافذة غرفته إلى حركة الشارع مكتفياً بسلامته الخاصة، أم زاجاً بنفسه وقلمه وروحه في آتون الفعل الجماهيري، معرضاً حاله إلى ما يتعرض له الناس في حياتهم اليومية ..



* * *

3
هجرة القطيع


· قالت مصلحة الضرائب أن مصر التي يبلغ عدد سكانها 62 مليون نسمة فيها من الراقصات ما يعادل راقصة لكل خمسة آلاف مصري.

- مجلة الرأي الآخر – لندن 15/7/1999 -

· كان أبواه يؤديان رسالة دينية وهما مستغرقان في صنع الأطفال تحت شعار محمدي "تناسلوا إني مباهٍ بكم الأمم".

- حسن بن عثمان -

- من رواية "بروموسبور" -



سُئل زكريا تامر: ما هو إحساسك بعد موت؟

أجاب: أحس بفرح عظيم ونوع من الشماتة لأن القطيع العربي المحكوم نقص واحداً!

هذه السخرية المرةّ التي أطلقها صاحب "النمور في اليوم العاشر" تكشف عما يدور في دواخلنا فمنذ أن فتحنا عيوننا على الدنيا وجدنا أنفسنا مربوطين إلى حبل مشنقة، وليس إلى بطون أمهاتنا كما يعبر عن ذلك محمد الماغوط، صارخاً من قاع البؤس واللامبالاة: "لا شيء يربطني بهذه الأرض، سوى الحذاء".

مَنْ زرع في داخلنا هذا الإحساس بالهزيمة كما يُزرع العاقول والشوك والصبار، مَنْ ألقى بظلال الكوابيس على أجفاننا وهي تحلم في الليل، ومَنْ لوّن المشهد اليومي بالألوان الكابية كلما فتحنا عيوننا ونوافذنا على الصباح..

ما الذي يجعلنا نعيش في أوطاننا تحت وطأة التهديد، يراودنا إحساسٌ دائم بأن ثمة كاتم صوت يترقبنا في المنعطفات، وثمة مخبراً قميئاً يتنصت على أحاديثنا وهمساتنا خلف الجدران، وثمة ورقة استدعاء أو حضيرة مداهمة تنتظرنا كلما عدنا إلى بيوتنا.

لماذا لا نحسّ بالأرض إلا حين نغادرها، وبالأصدقاء إلا حين نفارقهم، وبالسنوات إلا بعد أن تتساقط أسناننا من المرارة وفقر الدم ومضغ الأوهام.

ولماذا لمْ نذقْ حنان الوطن وطمأنينته إلا بعد أن نضع رؤوسنا المتعبة على وسادة المنفى، لكي نحلم به من جديد.. ونبكي عليه وعلينا...

وأتذكر الشاعر الصيني المنفي وانغ وي الذي عاش تحت حكم التانغ 701-761 وهو يطل من نافذة منفاه هاتفاً:

"أنتم يا من تأتون من وطني..

تعرفون ولا شك عنه أشياءً شتى

لدى رحيلكم، هل كمثرى الشتاء

أمام نافذتي أثمرتْ..؟"

ها أنا أنظر من النافذة إلى أشجار السرخس السويدية العالية التي تظل البحيرة الهادئة وقد كساها الثلج والظلام ملتبسين معاً، في التدرج الخفي بين الضوء والعتمة، سارحاً بعيوني في هذه السماء الخفيضة وهي تندف قطنها على الشوارع والأغصان وقرميد البيوت، آه، يا لهذه السماء الساكنة التي لم تمر في أديمها قذيفة مدفع منذ أكثر من مائتي سنة، ولم تعكر صفاءها تلك الحشرجات الحبيسة التي اكتضتْ في صدورنا هنالك وهي تتصاعد من أعماق الزنازين والبيوت الحزينة الخالية وسواتر الحروب.

أهيم بنظراتي إلى البعيد ثم أعود فألقيها كسيرةً على طاولتي فترتد أمام نشرة صغيرة بنصف صفحة، مفتوحة الفم كجرح فاغر، كنتُ طيلة النهار اقرأها وأعيد قراءتها وكأنها رواية لا تنتهي، تلك النشرة كانت تنزف أمامي مشيرة إلى حجم استنزافنا من خلال الأرقام التي أعدتها جامعة الدول العربية عن هجرة العقول العربية إلى الغرب حين كشفت في تقريرها عن هجرة 1085 عالم ذرة وطبيعة، منها 200 عالم ذرة مصري وخروج 470 ألف من حملة شهادات الدكتوراه والماجستير والمؤهلات العلمية الأخرى، وأرجح التقرير ذلك لأسباب اقتصادية وسياسية وأوضح كذلك أن الدول الغربية حصلت نتيجة عمل بعض العقول المهاجرة ونجاحها على بلايين الدولارات، فقد حصلتْ الولايات المتحدة على أرباح صافية من الكفاءات العلمية التي هاجرتْ إليها خلال أعوام 1961 – 1972 تُقدّر بنحو 30.8 بليون دولاراً، وهو يمثل 50% من قيمة المساعدات التي تقدمها للدول النامية، أما كندا فقد حصلت على أرباح تُقّدر بعشرة بلايين دولاراً وهي تمثل 27.2% من قيمة مساعداتها للبلدان النامية، وبريطانيا على مبلغ 3.5 بليون دولاراً أي ما يعادل 56% من قيمة مساعداتها للدول النامية والمنظمات الإنسانية، وقد حذر التقرير من النتائج الكارثية لاستمرار ظاهرة هجرة العقول العربية وطالب بضرورة وضع دراسات حول أسبابها والحد من انتشارها مستقبلاً..

وكنت أتمنى لو امتدتْ كشوفات أرقام التقرير لتغطي سنوات ما بعد 1972 وحتى الآن، لربما أصبنا بالذعر حقاً، ولربما سمعنا قهقهة حكامنا وهم يسخرون من مخاوفنا على هذا الطفح الفكري الذي تخلصوا منه أخيراً ليبقى لهم القطيع والعرش..

وأرى من بعيد مظفر النواّب وهو يشدُّ على يدي في مقهى المودكا ببيروت مودعاً قبل سفري بأيام – أنا الجديد على المنفى أمام رجل ضيّع نصف عمره على أرصفة المنافي – كان يتحدث أمامنا، صديقي الفنان المسرحي باسم قهار وأنا، بخبرةٍ وهدوءٍ عن جالياتنا المتناثرة على قارات العالم التي رآها في رحلاته الشعرية الطويلة وكأنه يردد مقولته الشهيرة: "لا أظن أرضاً رُويتْ بالدم والشمس كأرض بلادي" وفي عينيه الغائمتين تلوح المدن والسجون والمنافي وتغيب ليبقى ظلال دمعة حبيسة بحجم وطن..

وأسمع قاسم جبارة الذي صرخ من منفاه البعيد، قبل انتحاره:-

"كل أعضائي هادئة باستثناء العراق…."

ثم ألقي بنظراتي على صحيفة عراقية بعثها لي أحد الأصدقاء من منفاه وهو يقول بالحاج: ارجوا أقرأها!!

وحين أفتحها أجد فيها برقية كتبها المشاركون في عمل دائرة الفنون الموسيقية في وزارة الأعلام إلى الرئيس صدام حسين، جاء فيها نصاً: "في عصركم الذهبي نهضت الموسيقى والفنون وتطورت آفاق العمل الموسيقي والفني واجتازت حدود الوطن ووصلت إلى أبعد رقعة في العالم، وقد كان ذلك بفعل واقع القدرة على التغيير والتطوير الذي بلغه العراق بقيادتكم الفذة وبتوجيه سيادتكم المتواصل وبالإرث الرصين حيث استطاعت الموسيقى العراقية أن تلعب دورين مهمين في مسيرتها الجديدة، فقد لعبت دورها المتميز في معركة قادسية صدام وأم المعارك الخالدة في معارك الشرف..." حين انتهيتُ من قراءتها تشبثتُ بطاولتي خوفاً نم أن أرمي نفسي من النافذة قرفاً وإحساساً بالمهانة، لكنني بدلاً من أن أفعل ذلك قمتُ ودعكتُ بين يدي نشرة جامعة الدول العربية وكورتها ثم فتحتُ النافذة ورميتها للشارع مخالفاً القوانين السويدية التي ترجو رمي الأوراق في الحاويات الخاصة بالورق في أسفل العمارة، بعد أن وجدتُ أن كل دراسة حول أسباب هجرة الأدمغة العربية ستذهب سدىً وأن كل جهوده الجامعة العربية والعالمية والكونية وغيرهما ستذهب أدراج الرياح في هذا المجال وغيره، أمام مثل هكذا برقيات وهكذا حكومات.

لذا فبدلاً من ضياع وقتها الثمين في النفخ في قربة مثقوبة انصحها أولاً في تأشير الثقوب أو حمايتنا في الأقل حين نعري قِراب حكامنا المثقوبة، بدلاً من الوقوف مكتوفة الأيدي أمام دموعنا وانكسارنا في المطارات ونحن نودع أوطاننا واحداً واحداً وننسل في حلك الليل والقهر والحنين إلى منافينا، لنقرأ من هناك نشراتها وهي تندب رحيلنا...

لقد أُصبتُ بالدهشة حقاً حين وطأتُ صقيع لوليو، في جنوب القطب المنجمد الشمالي، بعد أن رمتني الطائرة من بيروت إليها، وأنا أرى أمامي حجم الجالية العربية والعراقية بالتحديد، وتذكرتُ مظفر النواب، ثم حدثني البعض أن الأمر يزداد أكثر في بعض المدن الجنوبية فحين تسير في مدينة مالمو في الجنوب السويدي، مثلاً تحس كأنك تسير في أحد شوارع الوطن نتيجة اكتضاضه بالمحلات والأغاني والمطاعم العربية والوجوه السمراء المشدوهة...

والى هناك شددتُ رحالي بعد شهور ستة من الصقيع.

* * *

4

المنفى … والرأي الآخر



· الحرية هي الشيء الوحيد الذي لا تستطيع امتلاكه إلا إذا منحته لسواك.

- ويليام آلن وايت -

· ليس سوى السمك الميت يمكن أن يسبح مع التيار.

- كارين لنتز -

- شاعرة السويدية -



يحمل المنفى انشطاراً بين ثقافتين، في وقتٍ واحدٍ، قد يجد الكاتب المنفي نفسه منشطراً بينهما وهو يعيش اغترابه القسري أو الاختياري موزعاً آراءه وحياته ونصوصه على مساحتين تلتهم أحدهما الأخرى أو تلفضها أو تعيد إنتاجها بشكل مختلف تبعاً لقوة التأثير الذي يفرضه مناخ الثقافة المؤثرة على الثقافة الأخرى مما ينعكس ذلك بشكل جلي على نصوص الكاتب وهو يعيش عملية الشد والجذب والانصهار والافتراق، فقلما يستطيع السير بينهما بشكلٍ متوازٍ إلى مسافة طويلة، إذ سرعان ما يبدو انحيازه إلى أحد الأطراف واضحاً.

لكننا نرى بعض المبدعين خارج دائرة الاستلاب استطاعوا أن يصهروا الثقافتين معاً أو كل الثقافات في داخلهم، ليؤسسوا اتجاههم الخاص ورؤيتهم المفتوحة للعالم بعيداً عن الخانات والأيديولوجيات، فلا انحياز إلا للقيم الإنسانية العليا وللجمال والحق والإنسان والوطن بمفهومه الروحي، وهذا يتطلب قدراً عالياً من الانفتاح والعمق معاً وهو ما ميز نصوص المبدعين الكبار على مر التأريخ ومنحها هذه القدرة على إدهاشنا وشدنا إليها والتأثير بنا رغم تباعد السنين واختلاف المناخات والجغرافيا، ويمكن أن نرى في نصوص "أوفيد" مثالاً رائعاً على الكتابة في المنفى من خلال كتابيه "فن الهوى" و"مسخ الكائنات" اللذين لم يفقدا دهشتهما الإبداعية رغم تعاقب العصور وتغيّر الحكام والأذواق والقراءات والمعارف. أوفيد الذي يصفه الكاتب الألباني المنفي أيضاً إسماعيل كاتدريه بأنه أول كاتب في التأريخ يجبر على العيش في المنفى على يد الدولة الاستبدادية.

وقد يتيح المنفى للكاتب مساحة للتأمل في استقراء تراثه وثقافته الوطنية ومراجعة ذاته ونصوصه، ربما لم يكن يجدها أثناء انغماسه وانشغاله هناك داخل وطنه، ناهيك عن الجو الذي قد لا يوفر له قدراً من الحرية يتيح له هذا التأمل أو يشجعه على المراجعة ..

يقول ديغول: "إذا أردت أن تعرف ما يحدث في وطنك، فأرحل عنه بعيداً" حيث يتيح البعد أحياناً رؤية صافيةً للأشياء، وبهذا يستطيع الكاتب – أن أراد – غربلة الكثير مما علق من تراب وبخور بالنصوص التراثية، ومما علق من شعارات في النصوص الحديثة، لتأخذ – بعد نفضها من كل ذلك – بعُدها الإنساني في القراءة والتأثير والرؤية والانصهار، وهذا الأمر يحتاج صفاءً ذهنياً خالياً من تشويش الإيديولوجيا والقراءات المسبقة.

إن البعض من كتاب المنفى يعيش امتدادات ذلك التشويش، ساحباً معه إلى أقصى بقاع الأرض أمراضه المزمنة التي كان يعيشها هناك، فارضاً على نفسه وعلى الآخر قمعاً داخلياً لم يستطيع التخلص منه وهو يعيش في أكثر المناخات حرية وانفتاحاً.

إن أحدهم يملأ صفحات الجرائد والكتب والندوات بالحديث عن الحرية أو تجربته في التشرد والنفي من أجل وطنٍ بلا قمع وكتابات بلا رقابة، لكنك ما إن تصطدم معه في أول حوار أو نقاش (وأنتما تعيشان في المنفى معاً، هاربين من القمع والتسلط والإلغاء) حتى تجد مخلفات شرطة وطنك كلها تبرز أمامك فجأة داخل ثيابه العصرية المنتقاة بعناية شديدة… بل إنك ما أن تشير إلى رأيك المختلف أو المخالف لفقرة من فقرات كتابه حتى يتحول هذا الحمل المقموع إلى أنياب لا تدري كيف أطبقت عليك بلمح البصر دون أن تتمكن من شرح وجهة نظرك أو تخليص نفسك والفرار بجلدك العاري …

يرى أدونيس: "أن "اعتقاد الإنسان بأنه يمتلك الحقيقة هو مصدر كل قمع، فهذا الاعتقاد يعتقل العقل: عقل الذات وعقل الآخر، ذلك أن كل اعتقاد من هذا النوع هو بالضرورة إرادة سياسية وممارسة القوة المرتبطة به إنما هو الإرهاب والطغيان" ثم يرى كيف أن "المذهب السياسي – الإيديولوجي يطلب من اتباعه ما يطلبه المذهب الديني من أتباعه: الخضوع دائماً والتضحية بالذات حيناً، والقبول بتضحية الآخر غالباً" ويضيف: "الغير هنا هو العدو/العميل بلغة الإيديولوجيا السياسية، وهو الخارج/الكافر بلغة التدين اللاهوتانية" وهي – أي هذه المذهبيات – "تفرض بالضرورة أشكال القمع الخاصة بالسلطة". إن الحرية أما أن تكون كامنة في داخل الإنسان بشكل حقيقي أو لا تكون. ومن هنا يصبح الحديث عنها ضرباً من الكلام والتشدق إذا لم يتطابق ذلك مع سلوكنا اليومي على المستوى الثقافي أو الحياتي مع الآخر …

فالسؤال الذي يصدم المثقف المقموع هو أنه حين ينال الحرية ويعيشها، كيف سيتصرف بها؟ كيف ينظر إلى الرأي الآخر؟ كيف يتعامل مع من لا يتطابق معه فكراً وحياةً ونتاجاً؟ ثم – وهذا هو الأهم – هل يستطيع أن يمنحها للآخر ؟…

إن النقاش الحر كما يرى برتراند رسل في كتابه "الصراع بين العلم والدين": "يعزز اكتشاف حقيقة جديدة بينما يعيق القمع ذلك وإنه على المدى الطويل يزيد اكتشاف الحقيقة من الرفاه البشري بينما يعيقه العمل القائم على الإرهاب، وإن من واجب رجال العلم وجميع من يقدرون المعرفة العلمية أن يحتجوا ضد الأشكال الجديدة للاضطهاد" وهذا الاحتجاج ملقى بشكل أكثر مسؤولية على كاهل الذين هم في الخارج حين لا يكون بإمكان الذين في الداخل التعبير عن آرائهم والمجاهرة بها في ظل النظام القمعي. وهذا يتطلب قدراً من التضحية والشعور بالمسؤولية إزاء الثقافة الوطنية المعرضة للتشويه والانسحاق والتزوير، وبغير هذا العمل الواعي الفعال يصبح المنفى حالة سلبية حين يميل البعض إلى الاسترخاء ونسيان مهمته الوطنية والثقافة التي خرج من أجلها فيغدو وجوده في المنفى مجرد انتقال أو تغيير جغرافي ليس إلاّ …

وهكذا نجد أن البعض لم يستطيع أن ينسى خوفه وجبنه وتردده وهو يتحدث أو يكتب أو يعمل – في المنفى – فما زال ذهنه قابعاً تحت الأجواء الكابوسية البوليسية التي عشاها وهو بالتالي يشكل نمطاً آخر من استلابات الماضي، حيث يعيش منغلقاً على نفسه غير قادرٍ على التفتح والتفاعل مع الحياة الجديدة.

ومن جانب آخر يشكل التطرف الأعمى في الرفض الكلي أو القبول الكلي للثقافة الوطنية والتراث نكوصاً آخر يقترب أو يمتد بموازاة الانبهار الكلي أو الامتعاض الكلي من النتاج الغربي والحضارة الغربية برمتها، غير ان المبدع الحقيقي هو الذي يتجاوز تلك الإشكاليات ليعيد تشكيل منظوماته الثقافية وغربلتها وفق ما يخدم نصه وعصره ومتلقيه، وبالتالي لا يجد نفسه على هامش المنفى، أو على هامش الوطن … بل أنه يعيشهما معاً ثقافةً ونتاجاً وانغماراً حقيقياً قادراً على التأثر والتأثير بشكل إيجابي، وعلى التمييز والموازنة دون خوف أو عقدة أو رأي مسبق من جميع الأشياء التي تواجهه. أنه يتعامل مع الحياة والنصوص جميعها بروحية عالية من التفهم تاركاً المجال واسعاً للأخذ والرد، دون غلق الدائرة أو غلق باب الحوار سواءً مع نفسه أو مع الآخرين …

* * *

عاشق من فلسطين
05/05/2005, 15:58
احمد ثامر جهاد
////////////// الروابط الي بيحطوها الأعضاء بيقدر فقط الأعضاء يشوفوها ، اذا مصرّ تشوف الرابط بك تسجل يعني تصير عضو بأخوية سوريا بالأول -///////////////
الحوار المتمدن - العدد: 966 - 2004 / 9 / 24


مع كل قراءة جديدة لشعره تلوح في الأفق المحسوس للقصيدة روح أبدية تواجه رصاص الموت الفاشي ، ويستعاد المصرع المأساوي للشاعر في مدينة غرناطة سنة 1936 ، هناك حيث انداحت الحدود الفاصلة بين حياته وشعره ، ليبلغ الإحساس الصادق كماله والموقف النبيل ثباته والأيمان بالإنسان أعلى تجلياته . ذلك هو فدريكو غارسيا لوركا شاعر أسبانيا الأشهر الذي حدس بخبرة الرائي إلى أن مشهد القتل المجاني الذي ينتظره لن يعدم كلماته الدافئة من أن تنشد مع الغجر بعض أغانيهم الفرحة والحزينة وهي تنير الطريق إلى سماء الحب والحرية والربيع ، وكأنها روحهم السائرة عبر الأزمان تعزف لحنها الأبدي .
نراه قائلا في قصيدة ( الوداع ) :
حين أموت ..
اتركوا الشرفة مفتوحة
الطفل يأكل البرتقال
( من شرفتي أراه )
الحصّاد يحصد القمح
( من شرفتي أحس به )
حين أموت
اتركوا الشرفة مفتوحة ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍ ‍.
ربما من فضائل كتاب ( لوركا : مختارات شعرية ) الصادر عام 1999 عن وزارة الثقافة السورية بترجمة متميزة لـ مروان حداد ، انه منح القارئ فرصة أخرى مضافة لتأمل مجموعة رائعة من القصائد القصار للشاعر لم يظهر بعضها في ترجمات سابقة . وربما الأجمل هنا أنها جاءت مشفوعة بشكل متناغم مع تخطيطات ورسوم رقيقة بريشة لوركا نفسه في صورة كتاب شعري أنيق . لكن الأهم إن ترجمة هذه المختارات قد أعاد إلى الشعر موسيقاه بتفوق ، فهي من بين ترجمات كثيرة الأرق والأغنى والأشد إخلاصا لأسرار الشعر : " لوركا برائحته وصوته " على حد تعبير الناقد ( نزيه أبو عفش ) في كلمة الغلاف .
وكما عرفناه يبرع لوركا في استخدام خصائص الشعر الفنية والدلالية بصيغ دقيقة تستثمر كل طاقات التعبير الحسي في القصيدة الغنائية ، محققا بذلك انسجاما لغويا سلسا تنساب المعاني فيه بطلاقة وعفوية تؤشر إلى ظلال من الحزن والأسى ما انفكت تستوطن قلب الشاعر الإسباني .
امضي سائرا في المساء
بين زهور الحقل
مُخلفا على الطريق ماءَ حزني …
من الطبيعي أن تتقارب مضامين قصائد لوركا في ما يظهر انه عاطفة صادقة أو صوت رافض يلمح إلى هموم إنسانية كبرى تتطلع دوما إلى التحرر من شتى أشكال القمع والاستلاب التي تفتك بحياة البشر وآمالهم ، كذلك في أشكالها وإيحاءاتها تبدو قصائده وثيقة الصلة بالجذور العميقة للثقافة الشعبية الإسبانية وضروبها المختلفة من أغان وحكايات وصور ، خاصة حين توظف غالبيتها بذكاء ملحوظ وحس أنساني شفيف يسهم في تحقيق الاتصال الجمالي بالمتلقي ويبتكر بأسلوب متفرد إيقاعه الشعري الخاص عبر طرائق فنية عدة ، ربما أبرزها : استخدامات اللازمة المتكررة واللون وتناغم القوافي والصور الحسية ، وهو ما يشكل في النهاية السحر اللفظي للقصيدة .
ليس لي
صدر من زجاج
ويؤلمني لحم القلب
ولحم الروح
وعند الكلام ،
تطفو كلماتي في الهواء
مثل قطع الفلين فوق الماء
من اجل عينيك وحدهما
أعاني هذا الألم .
يمكننا القول إن لوكا هو الروح الراعشة التي تتمثل إسبانيا بجمالها وقسوتها ، حيث لاشيء اكثر عادية من الموت في شوارعها الموحشة . لكنه أيضا الذات المبدعة التي تعرف أسرار خلود الشعر ، قوته وأشكاله الخفية . روح لا يهمها التصالح مع الأشياء الزائفة أو الطارئة ، لان ارتباطها بالأرض والإنسان لم يكن يوما ما أمرا عارضا ، فهي دائمة الصراع مع كل ما يُفقد الوجود قيمته أو يسلب الروح عطرها وأغانيها ، لا سيما أن لوركا كان يجد في صراع الثيران اعنف صورة يمكن للروح المبدع بلوغها … وعلى هذا فالروح المبدعة قوة وليست سلوكا ، انه صراع وليس تصورا ، على حد قوله .
ربما ليست مبالغة ما ذهب إليه النقاد من أن شعر لوركا موجه للأذن لا للعين فقط ، كما ان قدرته التصويرية الرائعة وإيقاعه التتابعي وسحره اللفظي يستحيل على الترجمة ، خاصة مع التذكير بمقولة شاعر كبير مثل ( حمزاتوف ) يعتقد ان الترجمة بحال من الأحوال تشبه قفا سجادة . رغم ذلك أضافت هذه المختارات إلى فضاء اللغة العربية قصائد رقيقة لشاعر بالغ الجمال والعذوبة ، نسمعه يردد :
الرمانة قلب
يخفق فوق المروج
قلب شامخ ..
حيث تخشى العصافير ان تنقر
قلب ..جداره قاس ..
مثل قلب إنسان ..
لكن من ينفذ إليه
يقطف عبق ودم آيار … ( من قصيدة أغنية شرقية )

عاشق من فلسطين
08/05/2005, 03:05
سيرغي يسينين..آخر شعراء القرية الروسية


ترجمة: فؤاد العلوش






تتسم العودة الى يسينين بأهمية كبيرة في عصرنا المضطرب حين بدأت تنضب المقولات الاخلاقية كالاخلاص والضمير والشرف والرحمة والحب من قاموس الاعراف العالمية حين بدأت تسود المصالح الانانية الضيقة فوق كل الاعتبارات، حين راح الانسان يعبث بالطبيعة دون اي رادع اخلاقي حين راحت المدن الكبيرة تزحف باسم التحضر والمدينة لتسحق اوصال القرى والغابات بكل ثرواتها الخلابة. عندما نعود الى يسينين يعني اننا لا نتناول في الحديث مسألة حب الطبيعة وحسب بل مسألة انقاذها وهنا يكون يسينين احد اكثر الادباء معاصرة.


في بداية القرن المنصرم تألقت في فضاء الشعر الروسي اسماء ساطعة مثل الكسندر بلوك وبوريس باسترناك وفلاديمير ماياكوفسكي وآنا اخماتوفا ومارينا تسفيتايفا والكسندر تفاردوفسكي وقد فارق أولهم الحياة في عام 1921 وتوفي الاخير عام 1971. اما سيرغي يسينين فقد ولد في عام 1895 وتوفي عام 1925.


كان معظم هؤلاء الشعراء من ابناء اسر عريقة من المثقفين واكثر الناس علما في زمانهم. كانوا يتميزون بحدة الفكر والذهن والشاعرية الاصيلة وامتلاك ناصية صياغة الشكل الشعري لحد الكمال كما استوفوا جميع امكانيات اللغة الروسية المرنة وذات الجرس العذب.


لكن سيرغي يسينين قد تخلف عنهم في امور كثيرة فهو ابن فلاح وانهى فقط المدرسة الدينية التي يتخرج منها المعلمون للعمل في المدارس الابتدائية. بيد انه كان الاقرب الى الشعب الروسي، مثله مثل بوشكين، وقد حفظه الشعب عن ظهر قلب ولا يكاد منزل روسي يخلو من صورته.


كان قريبا جدا من انطلاقة الابداع الشعبي وتغذى من نسخ حياة الفلاحين وأملت الركائز الاخلاقية القديمة تأثيرها فيه الى حد كبير حيث يجتمع فيها حب العمل والغناء والجمال. ان موهبة يسينين الشعرية ومجازيته المتألقة التي تعود جذورها الى الفلكلور قد اقترنت بالصدق المرهف. وقد اكسب هذا اشعاره قوة طبيعة غير عادية تذهل الخيال وجمالا عميقا لا تجدهما لدى الشعراء الآخرين المترعين بالمعارف والسعي عن ادراك الى ضد الشرطية الحتمية للشاعر.


قال مكسيم غوركي الكاتب الروسي الشهير: ان يسينين ما هو بالانسان قدر ما هو كائن حلق من اجل الشعر حصرا. اما يفجيني يفتشينكو فقال فيه: ان يسينين لم ينظم اشعاره بل لفظها من اعماقه.


القرية احب الاشياء الى قلب الشاعر وينبوع شاعريته ومضمون شعره ودونها لا يستطيع الشاعر ان يعد نفسه موجودا وقد لقب نفسه بـ «آخر شعراء القرية الروسية» وحتى بعد قيام الثورة البلشفية ظل الشاعر يغني قرية الطفولة ويقارنها بالمدينة وظلت ايضا الطبيعة تلاعب مخيلته بحس انساني طبيعي.


عاش يسينين حياة قصيرة مليئة بالأحداث الدرامية فقد عاصر ثورتين وحربا عالمية حصدت الملايين من الارواح البريئة وجلبت المآسي لمن بقي على قيد الحياة في ظل هذه الاحداث العارمة كتب الشاعر ملحمتين «روسيا تمتد» و«روسيا السوفييتية» وقد مد فيهما الشاعر يده الى قرية كبيرة لم يعرفها من قبل. ولم يستطع الشاعر ان يجتاز وعيه القروي حتى النهاية.


يعود الشاعر الى التاريخ ومصير الفلاح الروسي محاولا فهم ما تحمله الثورة لهم فكتب ملحمته الشهيرة «بوجاتشوف» وفيها يتفجر سؤال مؤلم: هل ستحمل الثورة مأساة جديدة للشعب كما جرى في ثورة بوجاتشوف؟ وعندما قرأ بوجاتشوف امام غوركي قال الاخير: جعلني اضطرب حتى التشنج وغصت حنجرتي بالبكاء. ومر الشاعر بأيام مرة وشك وتأرجح وعدم ثقة بالمستقبل فقد انتابته الاحزان والافكار الكئيبة من جراء الحرب الاهلية التي دامت سنوات وكذلك الدمار الذي لحق بالبلاد ويتساءل الشاعر: «الى اين يحملنا قدر الاحداث»؟


اما ملحمته الشعرية «آنا سينجينا» فهي من اضخم الاعمال الفنية وتقوم على اساس غنائي، الحب الاول لابن فلاح عشق شابة جميلة من فئة الاغنياء ولكن هذا التصادم بين المحبوبين يجري على قاعدة الحياة الشعبية الواسعة وصبغ هذه الملحمة بمشاكل اجتماعية حادة استقبلها معاصروه بدهشة واعجاب.


وصلت الى روسيا بعد الثورة مباشرة الراقصة الامريكية ايسدوراجو دونكان ويقال انها كانت معجبة برومانسية الثورة من شدة اعجابها قررت البقاء وتأسيس مدرسة للرقص. وقع يسينين الشاب في اسر ذكائها وموهبتها ومظهرها المتطرف. فتزوجا وخرجا في جولة حول العالم وخلال عام ونصف زارا ألمانيا وفرنسا وبلجيكا وايطاليا والولايات المتحدة الامريكية وبعد عودته راح ينظر اليه بعين الشك والريبة على الرغم من تصريحاته تغيرت آرائي في وطني بعد زيارتي لامريكا وهذه الرحلة «زادتني حبا لوطني» وقبل مصرعه التراجيدي في ظروف غامضة كان قد ادمن الخمر وارتياد اماكن اللهو.


عاش يسينين حياة قصيرة، ثلاثون عاما ولكنه ترك ارثا شعريا غنيا منحه الخلود. ان شعره قريب لكل من يقرأه بغض النظر عن قوميته فقبل مصرعه صدرت اشعاره المترجمة في اليابان والولايات المتحدة الامريكية وفي عدد من البلدان الاوروبية وقد ترجمت اعماله الى 32 لغة. واليكم بعض ما كتبه الشاعر في سن مبكرة.


تسريحة خضراء


وصدر فتاة


ايتها البتول الرقيقة


هل تتمتعين بمنظر البحيرة ؟


عن اي شي تحكي الرمال ؟


أترغبين بأغصان مجدولة


أأنت الفطر القمري ؟


اكشفي لي عن اسرارك


وأحلامك الشجرية


فقد احببت كآبتك


وضجتك على اعتاب الخريف


قالت لي البتول :


آه منك يا صديقي الفضولي


الليلة ممتلئة بالنجوم


وهنا راع سكب الدموع


فرش القمر نوره


وتلألأت الخضرة


وقد عانق القمر ساقي العارية


تنفس متحسرا


وقال والاغصان تتحشرج


وداعا يا حمامتي


والى اللقاء مع بلابل جديدة .


ـــ


انا راع ومضاربي بين الحقول المتموجة


وفي الجبال الخضراء


وفي المنحدرات


ضجة الشنقب الرنان


يحلق دائرا فوق الغابة


في زبد الغيوم المصفرة


وفي غفوة هادئة تحت الخيمة


اسمع همسات البتولات


وعلى خضرة الحور ندى


يتلألأ في الضحى


انا راع واعمدتي


في مروج خضراء ناعمة


تتحدث الابقار معي بلغة الايماء


واشجار البلوط الوقورة


ترمي اغصانها صوب النهر


ناسيا هموم الناس


انام على اغصان مقطعة


واصلي للفجر الوردي


ناسكا عند النهر


ـــ


نفضت بطمة الشمال الثلج


عن ثوبها


فبانت الخضرة في الورد الندي


وجنحت الحقول للهروب


وجالت الغربان في القطب


تهدلت الحشائس الحريرية


وفاحت رائحة الصنوبر القاري


آه ايتها المروج وغابات البلوط


انني نشوان بالربيع


البشائر المخبأة تفرح


وتبعث البهجة في روحي


وافكر بعروس


اغني من اجلها لا سواها


انفضي يا بطمة الشمال الثلج


وغني ايتها الطيور في الغابة


ففي الحقول انبعاث


وسأحمل الورد كغرامة .


ـــ


ينسج الفجر اشعته الوردية على البحيرة


ويبكي القطا بترنم في غابة الصنوبر


وفي مكان ما تبكي صفارية من اعماق جوفها


وحدي لا ابكي، فروحي مضاءة


اعلم، تخرجين عند المساء الى ما وراء الطريق


ونجلس على كومة من حشيش غضه تحت كومة الجيران


واغار بالقبل حتى السكر واذبل كالورد


وانتشي من الفرح بدون كلام


انت بنفسك رميت ثوب عرسك الحريري وحملته انا


السكران حتى الصباح بين الاشجار


دع القطا يبكي بترنم


فهناك كآبة مفرحة في الفجر الوردي


ـــ


رسالة الى امي


ألا تزالين حية يا عجوزي ؟


حي أنا سلام عليك وسلام


ليغمر دارك


ذلك الضوء المسائي البديع


يكتبون لي انك تذوبين شوقا


كما اصبحت تقلقين علي كثيرا


وانك غالبا ما تخرجين الى الطريق


بفستان مهتريء من طراز قديم


في عتمة الليل الزرقاء


غالبا ما تتخيلين : كأن احدا ما في عركة خمارة


قد غرز في قلبي سكينا فينيقية


لا بأس يا أمي! اطمئني


هذا هذيان مؤلم لا غير


فأنا لست بسكير مدمن


كي اموت قبل ان اراك


مازلت لطيفا كما عهدتني


احلم فقط بشأن واحد


ان اهرب بسرعة من الحزن المضطرب


واعود الى بيتنا منخفض السقف


سأعود عندما تتفتح اغصان


حديقتنا البيضاء في الربيع


شرط ان لا توقظيني عند الفجر


ذقت من الحياة حرمانا وتعبا مبكرا للغاية


انت وحدك عوني وسعادتي


انت وحدك ذلك الضوء المسائي البديع .

عاشق من فلسطين
09/05/2005, 17:27
سورية التسعينيات
قارة من الشعراء

أعد الملف علي سفر


هذا الملف حصيلة لجهد طويل ..
وقد أستغرق من العمل أكثر من سنة كاملة توقفنا فيها عدة مرات بسبب من رغبتنا الصادقة في عدم وروده إلى القارئ ناقصاً أو مبتسراً أو أحادي الجانب ...
و أزعم بعد كل المنعرجات التي مررنا فيها و نحن نحاول الحصول على أوضح صورة للشعر في سورية خلال فترة التسعينيات و ما بعد ..أن هذا الملف يكاد يكون أكبر وثيقة تعبر عن الشعر السوري خلال مئة عام ..!
فنحن نرى و في تضاعيف الملف ورود عدد كبير من الأسماء التي جرى فرزها من عدد أكبر بدت تجارب من استبعدوا منه شبه تكرار لما سبق و بلا ملامح شخصية مؤكدة أو محتملة ..
و لغرض توفير العناء على القارئ الذي سيبحث عن المتعة في قراءة تجارب أشعار هذا الجيل فقد قمنا بالبحث في ملامح التجارب المثبتة عن نصوص تتجنب التشابه بين أصحابها و تقدمهم كأصوات مختلفة و أعتقد بأن النجاح في هذا المقصد نسبي و قد نصل إليه و قد لا نصل و لكن لا بأس بجعلنا له أساساً لاختيار النصوص ..
لقد بدأت المشاق في عملية جمع النصوص ومنذ البداية في تعامل الشعراء مع نصوصهم و ذواتهم في أن معاً ولاسيما و أن أغلب أفراد هذا الجيل مصابون بإكتئاب عام سببه تعامل المنابر الإعلامية معهم وكأنهم قطع زائدة لا تستحق حتى أن ينظر إليها ..
ولا عجب حين نرى في المشهد الثقافي السوري أشخاصاً قد بلغوا من العمر عتياً ولازالوا يحتلون الصدر في أغلب الأحاديث عن الشعر في سورية ..!
فالستينيون مازلوا راسخون في المكان بحكم التقادم
و السبعينيون يسمون أنفسهم شباباً
و الثمانينيون شبه مغيبين
بينما ينظر للتسعينين على أنهم شيء من سقط المتاع ..!!
و المشكلة الحقيقية وراء كل هذا هي غياب المنابر التي تحتفي بالشعر كأصوات و ليس كأشخاص ..كنصوص و ليس كمراتب ..!!
و من هنا لا نعثر و طوال أكثر من أربعين عاماً سوى على تجربتين وحيدتين أتاحتا للأصوات الجديدة أن تظهر..:
الأولى هي : تجربة ملحق الثورة الثقافي الذي ظهر في منتصف السبعينيات من القرن الماضي..
والثانية هي : تجربة مجلة ألف في بداية التسعينيات ..
و فيما غاب الاهتمام بالشعر في أغلب الصحف و المجلات القليلة أصلاً.. اتجهت أغلب التجارب للنشر في الصحافة الخارجية.. و هكذا بدا المشهد الشعري السوري مبعثراً و متباعد و غير مستوٍ في حراك ثقافي يظهر التجربة و ينقيها و يدعمها و يساهم في استنهاضها ..
و لعل البحث في أغلب المراجع التي تبحث في الشعر في الوطن العربي يوضح ضعف الملف السوري دائماً و عدم راهنيته و أحياناً كثيرة عدم صدقيته بسبب من تحكم العلاقات الشخصية في تظهير التجارب و تصديرها للقارئ في الخارج ..
و من هنا حاولنا في هذا الملف البحث في المخفي و المغيب و المستور ..
و الاستغراق في رغبة أن يظهر المشهد الشعري السوري راهناً و حديثاً بتبايناته و اختلافاته ..
فهنا سيلاحظ القارئ وجود الطيف الشعري عبر طبقاته المتعددة و ملامحه المختلفة فقصيدة النثر ( على سبيل المثال )التي تتهم بأنها تسيطر على المشهد كله نراها هنا واحدة من أنواع عدة تكتب راهناً كما يكتب غيرها كالتفعيلة و القصيدة العمودية ..
وقد حاولنا أن نضع القارئ في مواجهة النص دون أن نجعله يقارب البعد الشخصي للشعر عبر تثبيت المعلومات الشخصية عن الشاعر و اكتفينا بدلاً من ذلك بوضع عدد الإصدارات و تاريخها...
و نظراً لوجود عدد من الشعراء الذين كتبوا الشعر كأصوات مختلفة ومتميزة دون أن يصدروا كتباً فقد قمنا بتثبيت نصوصهم دون أن نضع تحت أسمائهم أي معلومات ..
و يجدر بنا أن ننبه القارئ المطلع و الذي يدري عمق التجربة الشعرية السورية
و اتساعها أن الملف مقصور على من يسمون اصطلاحاً بجيل التسعينيات أي أولئك الذين ظهرت تجاربهم المطبوعة كدواوين في الفترة الممتدة من عام 1990 و حتى الآن .. و كل من صدر له ديوان قبل هذا العام جرى اعتباره من مرحلة مختلفة مع علمنا الأكيد بأن كثير من الذين كتبوا في نهاية الثمانينيات قد تكرست تجاربهم في التسعينيات و قد سموا على هذا الجيل ..
أشكر كل من ساعد على إعداد الملف و أشكر هيئة تحرير الشعراء على رغبتها في تظهير التجارب الشعرية الحديثة في الوطن العربي برمته ..
وإذا كان من نجاح سيصيب هذه التجربة فإن ذلك يعود للشعراء الذين دفعوا و بحماس بنصوصهم إلينا وإذا لحقها شيء من الفشل فإننا نتحمل وزره دوناً عن الآخرين ...
علي سفر




الشعراء المشاركون :
ابراهيم حسو
ابراهيم الجبين
أحمد ديبو
أحمد محمد سليمان
أديب حسن محمد
أسامة إسبر
اسماعيل كوسة
اسماعيل الصمادي
أكرم قطريب
أوس أسعد
أيمن إبراهيم معروف
بسام علواني
بشير العاني
بهية مارديني
جاكلين سلام
جبران سعد
جولان حاجي
حازم العظمة
حسان الجودي
حسين بن حمزة
حسين حبش
حسين عجيب
خضر الآغا
خلف الخلف
دلدار فلمز
رشا عمران
رفعت شيخو
رولا حسن
رياض العبيد
زياد عبدالله
سامر فهد رضوان
سرى علوش
سمر علوش
صالح دياب
ضرغام سفان
طالب هماش
عابد إسماعيل
عارف حمزة
عبد الرحمن عفيف
عبد اللطيف خطاب
عبدالله ناظم الحامدي
عبدالله ونوس
عطارد عزيز حيدر
علاء الدين عبد المولى
علي حميشة
علي سفر
عماد الحسن
عمر إدلبي
عمر قدور
عهد فاضل
عيسى الشيخ حسن
فارس البحرة
فرات إسبر
فراس الضمان
فراس سليمان محمد
كمال جمال بك
لقمان ديركي
لقمان محمود
لينا الطيبي
ماجد قاروط
مازن أكثم سليمان
محمد الحموي
محمد المطرود
محمد دريوس
محمد صارم
محمد عفيف الحسيني
محمد فؤاد
محمد مصطفى حسين
محمد نور الحسيني
مروان علي
معتز طوبر
معن عبد السلام
منير محمد خلف
مياسة دع
ندى منزلجي
نديم الوزة
نذير إلياس
نضال بشارة
هالة محمد
هنادي زرقة
وائل شعبو
وفائي ليلا
ياسر الأطرش
ياسر أسكيف



من موقع مرآة سوريا

عاشق من فلسطين
09/05/2005, 17:34
ابراهيم حسو

صدر له : الهواء الذي أزرق 2003

الطيور تغرق في الشعر

التاسعة من عمر مضى
سقطت في صحراء.. وكنت قبل ذلك سقطت في أرض
مغناطيسية سريعة الذوبان..
الليل و نظيره النهار غير موجود أبدا على هذه الأرض
النجوم التي تلتصق بالسماء كانت بلا جدران أبدا.

خلق هائل يذوبون من الضحك
أفواه من الشمع
تتجمع وتنهار .
روح تطير وتعربد سكرانة في الغناء الموحد لأشخاص
لا ملامح لهم .. الأرض وديعة وسعيدة العشب كأنها
تتألم ..
السماء _ آه من يراها وقد تقسمت إلى ينبوع
من كرز غير مفهوم ، !

روح سكرانة

بقيت في الخريف
عشت معه ، نفضت يدي الكبيرة عن أوجاع الورق .
وهي تهدر هنا وهناك .

بقيت مع بازيار ، وبقيت بازيار مع أشجار وهمية
لا منافس لها .. سواء أكان طيرا أو حيوانا آخر .

بازيار ضربتني وخذلت الخريف الأول والوحيد على شباكي
كان مجمدا منذ قرون ..
عنيفا ومذهولا من الضياء . !

السر أنه الخريف

لا مؤانسة تخفي ألاعيبي
لا شبق يخفي الشجر ، أنها سعادة الورق ،
عنفوانها الأزلي ، طفولتها القديسة ..

إنه الخريف المؤانس الوحيد للورق المعافى من صدمة
الغيم .
لا شر من عطائك للإرهاب إلا حرب من كفرك للجسد
لا زعل ..لا كلام .. لاحب .. لا استسلام ، لا نهاية
لا شبح يفتح الأرض ، فتخرجين إليّ نصف مشلولة
بعين واحدة ، وبخفافيش ترعبني وقتما أشاء
أنت طفلة بعمر طائش
ولد دهسته أرملة من بلاد قريبة
شاعرة منذ ألف سنة ..
تكتبين عمري الذي يكمله غيري ..
أنت قصائد معدنية في زورق يمشي إلى بلاد الشيطان
فأغرق أنا هنا .. وأنت تنسين الحديث عني هنا
أنت من نحاس صلب . مدّمر بين القبلة واللمسة
السحرية على شجر شرقي بعيد . !













ابراهيم الجبين
صدر له " براري " 1994
" يعبر اليم " 2004
وصـالْ
[ على ماءٍ...... تورقينْ]



كمان...
عازفٌ كضربةِ سكيّنٍ باللّون الاحمر على شاشةٍ سوداء...
نغمٌ أصفر...
استداراتٌ مفاجئة للعازف الذي بسرعةٍ... بسرعة..
يعزف «تفريد الكمان» ـ من بحيرة البجع ـ تشايكوفسكي.

طائرٌ فردوسيٌ
يتنفس بعمق...
بهدوء...
وحَدهُ

عينان لحظُهما حائرٌ
بين كونَين أحدهما يأتي الآن ولا نراه
والآخر نراه الآن ولا يأتي..


لا تقذفي الجمرةَ في اللَّيل
لا تقذفي الجمرة قربَ رأس الحصان الأسود
يفتح عينيه..
نيزكٌ يعبر قربَه.... ببطء.

على ماءٍ

تورقينْ...
نَفْسُكِ نفسُ ذئبٍ... ليلُك النبيذُ
والنجوم طيورٌ تخفقُ في البعيد
واللّيل طويلٌ بلا نبيذ... وبنبيذٍ أيضاً.


ترفع جفنيها إلى أعلى
كأنما يُضاء معبدٌ من حجر بإشراقِ روحٍ خارجةٍ
من صيام آلاف السنين
ترى الأرضَ جامدةً.. ولا أحد... فقط منازلُ القمْر
آثارُه.. والهواء الهادىء.... يعبرُ...
صوتُ نايٍ قريب...
تنهيدةُ من يعزف.

جانٌ تهربُ من آثار الخطى... مسُّ كلامٍ سريٍّ
في الحبّ... وسبعُ رياحٍ تحمل ما لا تحمله الريحُ
يدان تنفردان على القلقِ... بينهما غيومٌ من طيور...
نَفْسُ ذئبٍ... تركض في فجرها...
تخطو على ترابٍ من غيوم...

ضيـوفْ


نزلوا في وادٍ قربَ دمشقَ...
يشبهون سّكان الكتب القديمة المخطوطة باليد..
معهم كلاٌب بيضاء وجمالٌ بيضاء.. صغارهم بيضٌ
وخيامهم بيضاء..
لم أكن هناك... ولكن تراءت لي وقائعهم..
ديكٌ أبيضُ ينادي... كشفوا عن رؤوسهم...
الشَّعر وإنسانُ العين... رمالهم ... السماء...
الشمس... عرف الديك... وتد الخيمة... الهواء..
النبات.. العالم.



أحمد ديبو
صدر له : الماء البارد 2000

بأرواحهم بللوا الشتاء

1

لتوهم ينفضون السراب عن ثيابهم , أو يتبادلونه بلا وجهٍ كشهوة.
ما يحزنهم أنهم أحبوا أعواماً , و لتوهم تذكروه البارحة .
ما يحزنهم أيضاً , اختناق الملامح طوال عبورهم ردوم الوقت.

لتوهم أزاحوا نبوغ الفتنة عن امرأة تهتدي تواً إلى ملامحهم .
حذفوا كثيراً من ندمهم , زوروا ظلالهم ,
من أجل امرأةٍ تسلقت لتوها خسوف ذاكرتهم .

الكسإلى ...
غباراً ... طحنوا ظلالهم و نثروها على الدروب .
احتلوا شكلاً عادياً سيرافقهم حتى الموت .
ذهبوا و ما تركوا أثراً واضحاً يدل عليهم , إلا حفنة – نوايا مقفرة- .

2

ولدوا خلسةً بين الأشياء , حشوا الأطباق شرائح جوعهم .
النهار الذي ينسدل على الشرفات ينسدل عليهم و حبال الغسيل أيضاً .
تهزه الريح ..
لا تحجبه الحواس .
الحواس التي ترسب بصيصه المملوء بالوقت في مسامهم .

تعرفوا على الضوء , عندما اصطدموا به , يسيل على جلودهم ,
تنزلق نظراتهم عليه .
خيالات الأمكنة ... تقودهم سهواً إلى قاماتهم السرية.
ما يغيب في الفضاء , خيالاتهم المقبلة.
خيباتهم بعد فوات الأوان لن تسقط ..
بيضاء / كما لو أنها ثلج .


عند المساء ...
جلسوا ينخلون ظلالهم على العشب .
عالياً طيروا السعال المعضوض بأسنانهم المهترئة , أضاؤوا حواسهم بالمصابيح ليلاً.
من نعاسهم أو من كلامهم يخرج الغبار ..
الغبار الذي هو خراب النوايا / دمار الملل.
الحمقى.
عبثاً بللوا الشتاء بأرواحهم, عبثاً أغلقوا أحلامهم عليهم و ارتحلوا
بعيداً جداً
عن أسمائهم .
و عبثاً... تذكروا , ما انهار من أحلامهم / أحلامهم المقبلة .



















أحمد محمد سليمان
صدر له :
غنائية الموتى فوق هامش الممالك    1993
خدر السهو 1996
  الحفيد السري "أورهان أوزباي"    1996  
  زهور النار/ من الالف الثاني في الكومنولث تحديداً  2001
 أتشكل / آخر الحي الاثني أول النفق المزدحم   2002   


بورتانيغرا - قرأت في رواية سأكتبها
 
 
 
لست أنشغل، مشغول فحسب، لم أفكر بك قط
.لم أفكر بنفسي حتى
 
أنشغل بالأبنية التي عادة تحويني
كذلك بالمارة فيما يجوبون أرصفة لاتليق بي
.أرصفة لن تفهمينها وان وطأتها
 

عودي الى فوضاك
.لن أرجوك بالمطلق
 

...فوضاك
لن تشفى منها أعماقي
يافوضاك ، وأنت
أهربا معا
كي لايجف بصري
 

ابتعدي و فوضاك عني
لأنني أنشغل بتفكيك منام عشته
 
 

لن ادخلك منامي
كماانني لن أخاصمك
.لكنني مشغول يا امرأة
 
 
مشغول بالليل وبخلوتي
أنشغل عنك الى أن يهبط النهار 
مشغول بالنهار أيضا ،،، ما رأيك ؟؟؟
 

سأبحث عن سواك ربما
بين المارة 
 أو في المترو المعطل 
 

كل ذلك
كي
لا
أصل
.الجحيم الذي يرميني بك
 
 
,لن أقف هناك
 عذرا
.من فوضاك
 
 
لن أقف بالقرب من المدخل الروماني
حيث جئتني بصديق أظنه يحبك
 

لذلك أجلس، مذ حينها أجلس ولن أبارح مطرحي

كي لا تلتقينه
 بدلا منى

وأنت الليلة مشغولة ، هكذا قرأت في روايتي

وتقولين: ان العالم ملهاتك
 وان الرجال كما لو انهم قطعة ثياب رخيصة
- طبعا تشيرين الى مجنونك الجالس في مرآتك -
 

حيثما جئتني بملاك دوخك
, وأيضا أدخلني هلوسة لم أفهمها
 

ألم أقل لك انني مشغول
 
,بدورك مشغولة ,هكذا تفيد ثيابك

,كذلك زجاجة العطر النسوي
 
 أذكر انني جلبتها لك بثمن كتاب ندمت علي بيعه

,وأنت مشغولة ، تماما مثلي 
, وتقولين بأنك لن تفكرين بسواي  

,لكنك ككل ليلة مشغولة بمرآتك
 
 
وقلت في الصفحة الثالثة من روايتي
, أنتم فلاسفة العدم قلت,
, أبناء زانية ، قساة ، أجبتك -

نصحتني حينها كي أذهب الي أشعاري
,لم أفعل, سوى انني, أخلد في واحدة منها
 
وعدك ألا أوبخك

ألا أكتب عنك, كما فعل مجنون الزا
- اشتعلت غيضا - قالو لي
 
ثم رأتك مخيلتي تضعين الصندل
 على كتفك
 
مذ حينها
أعتقد بانني مشغول
 يا امرأة
 
بفوضاك التي لاتعرف الطريق
الى بوحي
بالأزقة الموحلة
والبلاد المحتلة بدماء الماضي

اهربي ،،، لن أكون فريسة أبدية -
اذهبي ، حيثما تهدأ ظنوني
-لن تكوني ملكة - تقول الرواية   
,ولا جارية حتى
 

كما تعلمين أن عالمي تسكنه طيور بشرية

, اهربي
.يا كائن حر

لن أقرأ بعد اليوم رواية لم تكتب
كما انك لن تكونين
 امرأة اعرفها
ولن تشبهين فوضاك
,,,اهربي
 
كي لا أطلق عليك طيورا تسكنني
انزعي صوتي
عن مسمعك
 
,,,,كذلك امسحي أثرك عني ,فيما أجلس هنا
 
لأنه لدي دروس لن أتعلمها
لانني قرأت أغلبها في الـ بورتانيغرا
 
,ثم انني لن أكتب عنك
 
لأنك لست ملكة أوجارية, ثم ان فوضاك ملفقة

ولأنني مستعجل , لدي الكثير من النوم

 ابتعدي عني ،،، سأغمض عيني كي تتواري
 
 
هيا اهربي
 يتها العالية ـ كسوري تهتف

كسورى ، بلاغتها مميتة .... كسوري شوارع أهرع فيها
 ,كسوري نفق لن أشفى منه 

 
,,,اهربي
لست طائر يحويني
.طائر وقليل من روحه تسكنني
 
 بورتانيغرا : مدخل مدينة قديمة ، أو ما تبقى من سور أثري يمثل أبرز مخلفات العهد الروماني, شيدت حولها أبنية وبقيت متوسطة مدينة
تريا ـجنوب المانيا

 
 

أديب حسن محمد 
صدر له
موتى من فرط الحياة/ 1999
إلى بعض شأني2000
ملك العراء/قصيدة2003
وثامنهم حزنهم2004

ملك العراء
لا شكَّ كُنتُ حديقةً…..
وإذاً
…فأين نسيتُ خضرتي الأصيلة..؟؟
أين حطَّ الفجر أرصدة الندى..؟؟
بلْ كيف صارتْ مقلتاي
محجّ قافلة الظلامِ..؟؟
وكيفَ راودني اليباس
وغُلّقتْ أبواب صوتي؟؟
كيفَ …
كيفَ تناهَبَتْني ميتتان ْ..؟؟
الطينُ
عادَ إلى الطفولة مثخناً
والروح
فوق بياض صمتي
شمعدانٌ من تعبْ
أضغاثُ أزهار
على جفن الحديقة
إذْ تشّهاها المنامُ…..
حديقةٌ من لازوردِ يفاعتي
أيام شرّدني الرصيفُ
ومَالَ نخلُ اللاذقيّةِ
فوقَ "جولييتَ "
التي فتحتْ
محارَ رجولتي
ـ هل ترقصينَ..؟
سأَلتُ..
ردّدها الفراغُ
وراءَ قلبي سادراً

ـخُذْ خصْرَ أُمنيتي إذاً…!!
ورأيتُ
ما شلَّ الحروف على لساني…….
....
نجمةً
سَطَعَتْ على شطّ الجبينِ
وكوكبينِ
تقاسما فلك المُقلْ
فلاسْتَرِحْ……
ولتسْتَرِحْ يُمنى اليدينِ
من التعلّلِ بالكتابة
والجُمَلْ.
وليسترِحْ أيضاً خرابي
ذارِفاً دمعَ الحجارة
و الطللْ.
فلربّما
إنْ نِمْتُ في ثوب الدريئةِ
غافَلَتْني مقلتاك النجمتان
وراشقتني بالقُبَلْ.
ما زلتُ أحْتَفِنُ الهواءَ
أقولُ
أنّي مالك الحزنِ الثمينِ
وصولجاني
من قَصَبْ.
لو ينزِفُ الأمَلُ الغبيّ من المسامِ
ولو مضى بالحلم راوية الظلامِ
ولو غَدَوتُ
سوى المصّفَدَ في زنازين الرزانةِ
أو خَلَعْتُ نعال أمنيتي هنا
ودَخَلتُ
صومعة اللهبْ.

00000000000000
يُروى بأنّي لمْ أكُنْ
وإذاً فكيف تقاسموني
حالِمينَ بقطْف قلبي..؟؟
كان موتي ساهراً
مثل الظلام
حوال مهدي
كنتُ أجزله العطاء
بلا سبَبْ.
وسألتُ…
تسبقني حياتي..
كمْ تُرى
أُلْقِيتُ في جبّ الأخوّةِ..؟؟
كمْ لبثْتُ جُنيبَ كهفي
ناطِراً عودَ الرفاقِ الميّتينَ
ليخبروني
…أيّنا أزكى طعاماً لليبابْ..؟؟

لكأنّني:
ظلال بيتٍ
أخوةٌ
يتنازعون على الفراغِ
وجدّةٌ
وُلِدَتْ عجوزاً..!!
أصدقاءُ يغادرون إلى المنافي
لاهفين على الغيابْ.
أَوَلَمْ يكن للموت
قبضته المضيئة
في ظلام الشكّ
يرفعها مراراً
كي يجيب على سؤال العابرينَ..؟؟
ومن بقى في القلب
لمْ تحصدْ يداه
مناجل العُمرِ /الحطامْ ؟؟
وإذا ركَضْتُ أَمَامَ موتي
مَن تُرى يهدي الخرائط
للوصول إلى نهاية محنتي
لأفُكّ أحجية الظلامْ
وأريدني …
سهلاً
وصعباً
دون إسراف الطغاة
ودون طيبة من تهاووا
تحت أكياس الهمومْ
وأريدُني
قلباً بلا قلبٍ
لكيلا أُدمن التجوال
مثل قصيدةٍ
قُدَّتْ من الفقدان
لمّا غادرتْ
"جولييتُ " هودجها
فربّ قصيدةٍ
فتحتْ لحمص جراحها
ثمّ استكانتْ كالنيازك
في سرير الأرضِ
كوني يا سماء"المريمية"
وردة الحبّ الأخيرة
بعدما أفل السلامْ
مُتَشرّدٌ خلف العَدَمْ
وأجرُّ قُطعان النَدَمْ
وأجرُّ سهباً
من ظهيرته الأميرة
نحو مملكة الغمامْ
لي أن أعود إلى شِراكي
لي على تلك الجبال قنيصةٌ
والليلُ حارسها الهمامْ
لي أن أعود إلى فراغٍ راهبٍ
وإلى "التزنزن" في البدن ْ
وحدي على وشك الهبوب
من الجهات
المستريحة في يديْ
وحدي أُرافِق
من يُسمّى نادبي
"طوروس" يهجس:
"قدْ يكون بلا وطنْ..!!"
ويُعانقُ"الجوديُّ" طير تشرّدي
ويقوم"دجلةَ"
من شقائقه الخجولةِ
كي يعمّدهُ الشجنْ
وأعود
أمكثُ في شراكي
نادباً
عُمْراً يضيع بلا ثمنْ.







أسامة اسبر
صدر له : شاشات التاريخ 1994
ميثاق الموج 1995
تتكرر فوق المنفى 2004

الذين أنا بينهم

لست الغريب ولست الأليف
أظـنني خميرة تهوى التشكل
على صورتها.
سميت نفسي بعد أن ولدت وسرعان ما محوت اسمي
لم أولد لأصبح بطلاً.
ساويت نفسي بكل عادي وأليف
وتخشبت ساقاي أمام كل مغامرة.
تدربت على التجنب
لكن بعد أن تذوقت نكهة العالم
وأقسمت ألا ألوذ بأبراج ذاتي.
لماذا ؟
لماذا ألوذ بغبار يجثم برهة ؟


تمر الفصول وأنا أمرح،
أتخيل طيوراً تحط على كتفي،
أتذكر
نساء عشت معهن في برية من الكحول
كان حضورهن المضاء بغربة الجسد
عطراً كونياً
ترنحت على شرفاته
و تآخيت مع عبوره.

لا، ليس جسدي مهماً إلى هذه الدرجة
يرتدي ثياباً،
يتدحرج كنرد
يذهب إلى موعد كأنه ذاهب إلى وظيفة
يتنشق كأن الهواء على وشك أن ينفذ
يتبدد في الثواني والدقائق والأيام
ويتنحى
الجسد الذي كغيره
المتكرر الشريد
يتكئ على فوضاه
ويظل غائباً.


لست الغريب ولست الأليف .
الذي لا يسافر، لا يبقى
المتكور على عبوره
يتجرجر في أحقاد الآخرين
يتجرع كأس غيرتهم
يمحي في شغاف مراياهم السوداء
وعلى عتبة قرن جديد
في الخطوة الأولى نحو هاوية أخرى
يفتح ذراعيه لعناق
جسده لروح جديدة.









اسماعيل كوسة
صدر له : حديقة واسعة للتعب 2002
أعمارُُ تتبعثرُ مع الريح

1
لاتخف
لاتنزعج
القصيدة التي قلتها ذات فرح
التي كتبتها
ذات حزن
هي... أجملُ منك
2
مري بشارعنا
افتحي الباب علي
هذه أصابعي
خذيها لنهديك
هذه وسادتي
تنتظرُ شعرك
المجعد القصير
هذه دموعي
تنهمرُ كالمطر
هذا قلبي
فلا تضعيه في جيبك
مري بشارعنا
افتحي الباب علي
في هذه الليلة الصاخبة
وخذي طعنة هادئة جدا
.......
لاتمري بشارعنا
3
سرُ المدينة ضوؤها
وسرُ العاشق ...
هذيانُه
4
أنا شاعرُُ ثملُُ
أرتكبُ الضوء
حتى آخر الظلام
لأقدم له ظله
على أرض الرسالة
ضيعتُ جبالا
وفي نفق الموت
غنيتُ للشهيد
الذي مر من هنا
خذلني
والذي مر هناك
لم ينتبه لحكايتي
أنا وجهُُ ثملُُ
أرتكبُ الظلام
ولا ظل لي
يا وجه الملائكة
في الجسد الذابل
على عتبات المدى
يا وجه الرب
في القلق الحزين
ماذا بعد الحنين
وبعد الشجر
ما عدتُ قادرا
على كسر الحدود
ورمي الحجر ؟؟!






إسماعيل الصمادي
صدر له :
- السمندل ، 1999 0
أنا إسماعيل 00 فانحرني على حجر القصيدة 00 يا أبي 1999
- على هامش الريح 2004

قدود
على موجتي
أفاقَ نعاسُ الكلامِ
من الحلم فوق حريرِ الغرامِ
فصبَّح روحي ، ورتّبَ لي مهجتي
ووسَّعَ لي فسحةً في الفضاءِ
فطيَّرتُ ريشَ الغناءِ
إلى زوجتي
 
حبيبي
يرمِّمُ جلدي
ويختمُ بالشهدِ خدي
ويبعثُ شمساً بُعيدَ غروبي
تعيدُ من العتمِ ظلي
   لبعضك كلي
حبيبي
 
  وكان حبيبي
يُعدُّ صباحَ الفطورِ
على طبقٍ من كلامِ العطورِ
عصيرَ السرابِ وبيضاً وريقِ الحليبِ
ويومئ : أن النهارَ قليلُ
وأنَّ الهواءَ عليلُ
بدارِ الذنوبِ
 
أنا من أنا
أجيبي لأمسِكَ موتي
إذا ما رآني أُزوِّجُ صوتي
على ساعديك بأنثى ذَوَتْ بيننا
كريحٍ على شجرِ الأمنياتِ
وراحت مع الأغنياتِ
لأبقى هنا
 
                                           
نهارٌ صريحُ
يطيِّرُ سربَ الكلامِ
إلى غيمِ صمتي ، ويعلو منامي
رويداً 00 رويداً ويرفعُ ظلّي المديحُ
إلى سدّة الريحِ يعلو 00 ويعلو
يوشوشُ حيناً 00 ويتلو
وحيناً يبوحُ
 
سيأتي ورائي
ويجلسُ فوق انتظاري
رجعتُ : يقولُ ، فيتلو انتصاري
خطابَ الحضورِ ، ويعلو 00 فتدنو سمائي
ليعلنَ فيها 00 ومنها قبولي
قبلتُ حوارَ الفصولِ
لأمدحَ مائي
 
يطيرُ البجعْ
يوشوشُ قلبَ سحابي:
حبيبُكَ جفَّ ، فيهوي ضبابي
وتبكي غيومي ، فيرضعُ حتى الوجعْ
ضروعَ اشتياقي،ويضربُ صدري :
أطلتَ ، وعُتِّقَ خمري
بماذا الطمعْ
 
رأيتُ اللقالقَ فوق الحزينةِ ترفو
بدمعِ الحريرِ عيونَ المساءِ
فيبصرُ كُنْهَ السماءِ
عميقاً00ويغفو
رأيتُ الزمانَ يفكِّرُ قرب السرابِ
فأيقظتُ قلبي ليتبعَ روحي
وبحتُ فنامتْ جروحي
وهبَّ ضبابي
 
على هامشِ الريحِ كانت شكوكي تنامُ
وتحلمُ : كان السرابُ يغني
لموجِ حبيبي ، ومني
يهجُّ الغمامُ
على شرشفِ الماءِ كانت زهوري تموءُ
تقولُ : عطشتُ ، فيبكي سرابي
لماذا أطلتُ غيابي
لماذا أجيءُ
 
رأيتُ حبيبي يرتِّبُ وجهي ، فـَغِرْتُ
وسرّاً فقأتُ عيونَ المرايا
كَسَرْتُ إطارَ الهدايا
سئلتُ،وحِرْتُ
أكنتُ بوجهي سوايا
أكنتُ بظلي مثيلَ أنايا
مسختُ تفاصيلَ وجهي،ومني نَفَرْتُ
 
رأيتُ الخيولَ تعودُ إلى الريحِ ليلا
على هامشِ الوقتِ فوق الرصيفِ
وتذعنُ خلف السيوفِ
وتصطفُّ رتلا
وتبدأُ نحو النزيفِ
مسيراً ، وتبلغُ جرفَ الخريفِ
وتسقطُ فوق الزمانِ ، فتصعدُ أعلى
 
أناخوا السفنْ
وألقوا عتابَ المراسي
على ساحلِ الفجرِ فوق المآسي
وآخوا _ ولا يعرفونَ لماذا _ الزمنْ
تراهمْ إذنْ
أعادوا حنينَ النحاسِ
وقادوا قطيعَ سنيّ اليباسِ
إلى البَرِّ عادوا ونادوا صهيلَ المدنْ
 
  
كغيري تماما
ركضتُ لألحقَ نفسي
وراءَ حبيبي ، وقاومتُ يأسي
تبعتُ أمامي ، وكان سرابي غماما
كنفسي تماما
أردتُ اليقينَ لغيري
لحقتُ بظلي ، ومازلتُ أجري
أمامَ ورائي فضعتُ ، أضعتُ الإماما



أكرم قطريب

صدر له "آكان, أحرث صوتك بناي " 1995 ,
" أقليات الرغبة " 1998,
" مسمرا الى النوم كابن وحيد " 2003  

المسماة
المسماة حين ينهزم الجنود
ولا يبقى أحد في الأمل
لحظة يأتي من يحرق الموتى والعشب معا
ولا يظل أي شيء آخر سوى المرح الجماعي
لبشر ينامون على عجل مع طيورهم وأحصنتهم
وأسنانهم الذهب
 
 
المسماة
ربما تأتي من هذه الجهة
والتي لا تمنحنا ما ننجو به بأرواحنا
نقطع الأنهار والصحارى حفاة ومعنا
بعض خيام
وشراشف كي نكون قريبين من الحافة
التي يسكن عليها جسدها
 
ومن شدة النظر
 سنقضي قبل أن يحل بنا التعب
حيث لا ماء ولا سلاح ولا قرب لبن
محمولة في ضروع النوق
 
 
المسماة
ابنة السلالة الحاكمة
القديمة في أعالي النبل
وبرفقتها محارب من آرارات
تجرد ت من الملابس
وعلى ظهورنا أحمال الحطب
 

وجه مخترق بنظرة ميتة

1


كما تعوي الذئاب في لوح القرميد

نمضي

برجفة المشتبه بهم


يصفون الريح

وهم ميتون

2

أقسى ما في الفجر

مخطوطة التيه

يمزقها ذئب مفجوع

بموت الليل

3
وجه مخترق بنظرة ميتة

4

الطائر في الزرقة

خطوة مطبوعة على الرمل

5

ذئاب تحسب عويلها

في عين البئر

ثغاء قطعان مستسلمة

6
تحت أقدامنا تشع الأحجار

مثل ذهب قديم

أيتها الريح

فلنتحدث معا, ودون رفة جفن , أو

نمشي على الماء

كما لو أنه خشب مكسور.








أوس أحمد أسعد
صدر له : يوماً ما 1999
بالمزهريَّةِ الاحتمال

-1-‏
كأُمومةٍ‏
اتكِئي بيمامِكِ‏
إلى كتِفيْ.‏
كأُمومةٍ‏
هَذِّبي طُفولةَ جسدي،‏
وأطلقي سُنونُواتِكِ‏
الفارهةَ،‏
أَعلى فأعلى،‏
حتَّى ينبلجَ الأُفقُ‏
من زهرةِ‏
الفَنَاءْ...‏
حتى تَبزُغَ‏
"زهرةُ الأنا"‏
من فمِ‏
النَّرجسْ.‏
-2-‏
ثمَّة هسْهَسَةٌ‏
في المزهريّة،‏
ما الَّذي‏
يُقلِقُ الورده؟‏
-3-‏
أعطِهِ.‏
أعطِ الشِّعرَ شتائِمَكَ‏
المقُفَّاةْ.‏
مفرداتِ تيهِكَ،‏
حُمَّاكَ،‏
دُلَّهُ إلى ثُمالتِهِ،‏
سُكْرٌ هي اللُّغة‏
محضُ سُكْرٍ...‏
هَبْ صمْتَكَ‏
آنيةَ المكانْ.‏
والأسئلة‏
حَبقَكَ اللاَّهثَ،‏
رُشَّها‏
على تخوم الهندسة.‏
-4-‏
في الشُّرفةِ‏
قَلَقُ وياسمين.‏
وفي الشُّرفةِ‏
هُبوبُكِ المشرعُ‏
على غيابي...‏
-5-‏
متكئِةً‏
على بنفسجِكِ‏
تَرِدِيْنَ عزلَتي،‏
مُطلقاً‏
من يَمام.‏
يداكِ‏
الترشُفانِ قامتي،‏
كنباتٍ حزين‏
تُؤكِّد أنني.‏
هَيْتَ‏
اْدنُ منِّي يا كرزَ الثَّغرِ‏
لأشْرَحَك.‏
ويا لوزُ‏
رتِّبِ الحديقةَ‏
بالزَّهوِ اللاَّئقِ‏
كيْ‏
أُعرِّي السُّرةَ‏
من لُبْسِها،‏
كيْ‏
أُفسِّرني‏
-7-‏
الوقتُ مثقوبٌ‏
بولوجِكِ‏
فلما‏
لا تزهر العتبة؟‏
حين تعجز عن السُّقوطِ‏
بكَ.‏
بكاملِ أغصانِكَ‏
واللَّبيبِ/ ظلِّكَ‏
حين تكون وعجزُك‏
جسداً واحداً،‏
أيقونةً واحده،‏
حين تكونْ،‏
أطلقْ البَهاء‏
تماهى كَتِيْهٍ،‏
ورتّلْ معي‏
شهقةَ‏
الزيزفون...‏
علِّم الحديقةَ‏
علِّمها الغوايةَ‏
لتقودَ الصَّباحاتِ‏
من أُنْثاها...‏
- 10-‏
طَقْسُ ارتطامِكَ‏
بالقاعِ،‏
قاعِ السُّؤال‏
أوَّل الصَّحو.‏
-11-‏
ليزهرَ‏
فيكَ العُلوُّ،‏
ولا ماءَ في راحتيك‏
أبحْ النِّهايةَ‏
لعذاباتها البِكر،‏
والصَّمتَ، دُلَّهُ،‏
-السَّيد الصّمت-‏
إلى زهرة القولْ...‏





























أيمن إبراهيم معروف
صدر له :احتفاءات1997
العابر 1999
الرنين 2001




قصيدتان


(1)
قصيدة أخطاء‏
وأخطاءٌ على مزلاجِ بابِ البيتِ‏
.. في الحاجاتِ والرغباتِ‏
.. في الأفعالِ والأقوالِ‏
أخطاءٌ تمرُّ من الكنايةِ والمجازِ..‏
منَ المرايا والخُطى..‏
ومن الْتِماعِ النَّصْلِ..‏
أخطاءٌ تمرُّ على انهدامِكَ..‏
وانقسامِكَ..‏
وانتظارِكَ خلفَ وهمِكَ‏
حينَ لا تخطو‏
.. تنامُ على سريرِكَ‏
في الحكايةِ‏
.. فوقَ مكتبِكَ الوظيفيِّ‏
الّذي يجتاحُ يومكَ‏
أوْ جداركَ‏
حينَ يبدو ضاحكاً‏
في البيتِ...‏
أوْ في الرّوحِ..‏
أوْ في الخوفِ..‏
أخطاءٌ تُفكِّكُ يومَها‏
وتمرُّ مثلك في الصّباحِ‏
أوِ الظَّهيرةِ‏
.. في اختلاطِ الكائناتِ‏
وفي الحدائقِ‏
والشّوارعِ..‏
في التباسِ النّاسِ‏
حينَ تُدقُّ فوقَ رؤوسِها الأجراسْ.‏
وأخطاءٌ مُؤَبّدةٌ‏
تمرُّ على انتباهِكَ..‏
أو جنونِك..‏
في مكائِدها‏
وتهتكُ وردةَ الأنفاسْ.‏
وأخطاءٌ..‏
وأخطاءٌ..‏
وأخطاءٌ..‏
ـ على إِيْلامِها ـ‏
الأخطاءْ.‏
وبابُ غيابِكَ المفتوحُ‏
مفتوحٌ.....‏
على أيّامِها الزّرقاءْ.‏
(2)
قصيدة آثام‏
سيكونُ ليلٌ‏
أوْ يدٌ قتّالةٌ‏
تلهو بأسمالِ القتيلِ‏
إذا تهالكتِ الحدودُ‏
على الخرائطْ.‏
ويكونُ حائطْ.‏
ويكونُ مُنْحدَرٌ‏
لنهبطَ في فداحتِهِ‏
وريحٌ تعبرُ الشّرفاتِ‏
.. آلاتٌ مُؤَلَّلَةٌ‏
وكهفٌ داكنٌ‏
وتمرُّ منْ ظلماتِهِ‏
البشريّةُ الدكناءْ.‏
ستكونُ آثامٌ‏
ومُتَّكأٌ لموتٍ شاسعِ الأرجاءْ.‏
سيكونُ مُتَّسَعٌ لتكتبَ ما ترى‏
ويكونُ حقدٌ لائبٌ‏
وترى قميصَكَ في السُّؤالِ الفلسفيِّ مُهدّداً‏
ويديكَ تضطربانِ‏
في الجسدِ المكَهْرَبِ‏
حينَ ترفعُهُ إليكْ.‏
ويكونُ أكثرَ ما يكونُ منَ الحصى‏
في ناظريْكْ.‏
وتكونُ أُحجيةٌ تُناقشُ يومَها‏
ويكونُ يومٌ مُخْتَلِفْ.‏
ودمٌ على بابِ البنايةِ‏
يرتجفْ.‏

بسام نديم علواني

صدر له:
آخرُ الرُّؤيا  1997
      و تدخلُ الشمسُ أوردةَ الصقيع 1998
دَمٌ لِبابِ الذاكرة 2003


صَادِياً .. أُبْعَثُ فيكِ


أَعيدي ليَ الماءَ

كيْ أتنفَّسَ مِلْءَ السّماءْ

و صُبّي على جسدي

ـ منْ شَظايا الأنينِ ـ أريجَ الرّؤى

تعبتْ ـ في مساءِ الجدارِ ـ يدايَ

* * *

أَعيدي ليَ النّورَ

حتّى أنامَ قليلاً ،

أُقَبّلَ ثَغرَ الهواءْ

لِهذا اليجيءُ دمٌ يَفتحُ الرّوحَ ،

يَمتَهِنُ الغيمَ حينَ التساقطِ

من أسفلِ النّومِ حتّى ارتجافِ النّهوضِ

أنا الآنَ أرفعُ عنّي خُطايَ ،

أُعِدُّ الوَليمَةَ :

كأسٌ لأنفاسِ وجهي

تَبيضُ الأسى في مَخاضِ الرُّكوعِ ،

و كأسٌ تُبادلُني نِصْفَ نَبضي ،

و تُسرِفُ حينَ ارتشافي

* * *

أَعيدي ليَ الحُبَّ

أعشَقُ أنْ أتوارى ،

و أُبعثَ في راحَتيكِ

مَزيجاً منَ النّهرِ

يجري على ضِفّتَيهِ

يَقودُ بِإصبعِ الرّيحِ هذا اللُّهاثَ

إلى مُزنةٍ ما تزالُ تَسَلَّقُ روحي

بُعَيْدَ امتشاقِ الضّبابِ لِوابلِ صمتي

أَ . هذا اللّقاءُ على مَفرَقِ الكلماتِ

ارتجالٌ خَفيفٌ لِمَعنى كُسوفي .؟

إذا الشّمسُ ـ فوقَ الهَلاكِ ـ انكِماشٌ ،

و رحلةُ بَوحي إليكِ .. خرستُ

إذا الأرضُ لا تُنبِتُ البرتقالَ

لأيِّ الذُّنوبِ وَأَدْتِ احتراقي

و هذا المُدَلّى على النّبضِ قلبي

إذا ما الأنامِلُ صَبَّتْ شِتاءً

كَشكلِ المَعاطفِ وجهي

أُراهِنُ أنّكِ ما عُدتِ ـ وهماً ـ

تجيئينَ مثلَ الهُروبِ ،

و أنّكِ سوفَ تُطِلّينَ عندَ العَويلِ

* * *

سَلامٌ على الغَيمِ

إنْ مَرَّ فوقَ بَلدتِنا ديكُها لا يصيحُ

سلامٌ على الليلِ

يُلقي على السّارقينَ السلاسِلَ

يرفعُ طَيفَ صَلاةِ المُعَذَّبِ

يأتي .. يَؤُمُّ العِناقَ ،

يُسَجّي المَتاهةْ

* * *

أَعيدي لِيَ البحرَ نَعْشاً ،

لأرعى عليهِ ابتهالَ الرّمالِ ،

أُزَورِقَ فيهِ الأماني ،

و أدفنَ فيهِ بَقائي

أَ . هذا الجفافُ بِحَلقي يَباسٌ ،

أمِ البحرُ يُؤوي النَّوارسَ فيهِ .؟

لأيِّ الجِهاتِ يُصَلّي الغريقُ .؟

إذا الماءُ يَطفو

بِمَنْ يَستجيرُ التّنفُّسُ .؟

هذي المَآدبُ حَولَ صُراخي

سَتُولَمُ يوماً لِجوعِ الأفاعي

إذا القِرشُ يأكلُ حتّى بُكائي بِماذا أُحِسُّ ..؟

و تِلكَ القبائلُ منَ الجوعِ

حينَ تَجيءُ لِتَقرأ فوقَ رُفاتي العزاءَ

تُراني أرُدُّ إليها التحيَّةْ .؟

أُقيمُ لأجلِ الضُّيوفِ الكراسي .؟

أنا أكرهُ الآنَ :

أنْ أُجلِسَ فوقي الرّحيلَ ،

و أكرهُ دَقَّ السّماءِ بِكَفٍّ يُمَزِّقُها المُستحيلُ

فَكيفَ أُدَحرَجُ منْ أسفلِ القدمينِ إلى الناصِيةْ .؟

أنا الآنَ في الهاويةْ

تُراكِ سَتأتينَ مثلَ الهزائمِ

تُعلِنُ نَصراً ، و فَتحاً جديداً

على ما تبقّى لِهذا الهَزيلِ نِدائي ..؟

أَعيدي لِيَ الماءَ كيْ أتنفَّسَ بَعدَ انتهائي

* * *

أَعيدي لِيَ العُشبَ نَاياً

لأرعى عليهِ خِرافَ القصائدِ

أُقْمِرَ كَهفَ الغِناءِ

لِيُبْعَثَ وجهي ،

و يستيقِظَ الآنَ هذا الإيابُ

أطيلي الوقوفَ ، و غَنّي

عَساني أُرَفرِفُ

فوقَ المراعي هديلاً

يُعيدُ الوعولَ إلى عُشبِ صَدري

أُعَصْفِرُ قلبي طَليقاً إلى شُرُفاتِ البَهاءِ

تُرى : منْ يُلَملِمُ هذا الضَّياعَ

يَرُدُّ إليَّ دِماءَ الدّوالي .؟

تُرى : منْ يُحيلُ الكهوفَ نَهاراً

إذا ما التّلالُ

سَتُرخي البلادةَ فوقَ الوهادِ .؟

تُرى: منْ يُشعِلُ الشَّمسَ في مُقلَتيَّ ،

يُرمِّمُ صَحواً بِأُفقِ الرُّقادِ .؟

أَحِنُّ إلى النَّهرِ يُلقي المساءَ

على ما تَعَرَّى منَ النُّورِ حينَ الغموضِ

أَحِنُّ إلى الهَمسِ

تَأبى الشِّفاهُ ضِمادَ الحُروفِ

أَحِنُّ إليكِ

إذا ما الغِناءُ تَماهى صَداهُ

إلى الشّدوِ يَلثمُ فاهَ المراعي

فَرُدّي إليَّ شَفيفَ الأماني ،

و صُبّي على جسدي

من مَرايا الحياةِ فُصولَ الرُّؤى

كي أتنفَّسَ رُغمَ انتهائي
















بشير العاني
صدر له : رماد السيرة 1993
وردة الفضيحة 1994
حوذي الجهات 1994

يرفع القبَّعة وينحني


كان.. كان لنا حلمنا‏
كيف للوردة اصطيادُ عطره..‏
للمُهر.. تضمُ خطوه..‏
وكيف لي أن أزاحمَ بالمناكب كي أراه...؟‏
كيف للبلاد السباحةُ في مياهه الأمينةِ... واحتساءُ نبيذ القيامة من راحتِه..؟‏
كيف لها ارتداء نعله السحريِّ..‏
قميصه الكونيِّ..‏
ونشر راياته المخزَّنه..؟‏
هل نراه..‏
نلامس سقوفه...‏
صوف ثيابه...‏
وهل تفتح القصيدةُ أورادها لدمه الحكيم..؟‏
***‏
كان.. كان لنا‏
يجيئنا متأبِّطاً أفراحنا وخرائطَ العطرِ...‏
وجريدة يوميَّة للسان حال الوردِ...‏
يرفع القُبَّعةَ حين يمرُّ...‏
وينحني للسابلهِ‏
مرّةَ.. في عيد ميلاد عصفور بدا يمضغُ حلمةً لجزيرة مرضعٍ.. يؤاخي وليدها..‏
ويهدي لسربٍ من ظباء شريدة غيمةً...‏
ويمنحُ أخرى لحقلِ حنطةٍ حزينْ..‏
مرّةً.. كان عارياً في العراء...‏
لا أسنان للهواء.. لا جيوش للسماءِ... لا شوارعَ من عساكرٍ ورصاصٍ..‏
ولا حواري مُغلقه‏
قناديلهُ على ناصيات اللهفة...‏
أشجاره تَمدِّدُ الظِّلَّ للخطوة..‏
وكان قلبُه قريباً... قريب...‏
قرب نسمة... قرب بسمة.. وقرب ارتعاشٍ أكيد.‏
أسراره للنهر... للسهل... للقبيلة والجبلْ‏
يميط اللثام عن نيّة السِّكينِ... ويُقطِعُ الخروف أرضاً من الثُّغاء.‏
لا قصرَ.. لا منِصَّة إلاّ له...‏
الصبايا...‏
والبلاد المشرعات النوايا‏
عرشه اللهفةُ والأيادي الملوحاتُ..‏
صولجانه: الأشواق.‏
في البدء كان الحلم.. كان قتله الجليل‏
لا كمائن للوردة... لا مكيدة في الخفاء‏
لا دم يُسفكُ للحديقة... لا ظبي يُدركه الرصاصْ..‏
كان.. كان لنا..‏
يرفع القُبَّعة وينحني:‏
للسماء ترمقُ شزراً غمامةً تُماطلُ في الهطولِ..‏
تُوغِرُ عليها صدرَ الشرارة... تقول لدوريِّات البرق داهميها:‏
ثمّةَ ممنوعات في جيوبها المُزَّرره.‏
يرفع القُبَّعة وينحني:‏
للوردة الواقفة على أصابع القدمينِ...‏
تدسُّ في صُرَّة النسيم العالي يديها..‏
تهمسُ: نسيمُ... أيا نسيمُ: هو ذا عِطري..‏
هو ذا فائضُ الرائحةِ...‏
هو ذا العنوان.‏
مرحى.. مرحى...‏
يهتف للجند حين يطلقون النار على الجراد والخَونَه..‏
وحين يُفخِّخونَ الأرض بالقطن والنعناع.‏
للصديق: يُرَبِّت على ظهر الصديق..‏
ما أنت وحدكَ لا تحزن‏
ويمضي بقلبه ويديه في كيس أشجانه.‏
للصبيّة: تُشرع كل نبضٍ شبابيك اللهفة..‏
تهتف: يا ريحَ الهوى... يا أنتَ ذا بدني‏
يرفع القُبعة للعاشق حين يمرُّ‏
وحين يُدحرجُ قلبُهُ قبلة المساء.‏
كان ينحني...‏
يرفع القبَّعة عالياً وينحني:‏
لوالدةٍ تقول لإبنها الوحيد طوبى‏
حين يجيء مودِّعاً...‏
في دماه رائحة الشهيد..‏
على فيافي الروح ينهمر الوطن..‏
وتمنع شهقة.. ودمعة راجفة.‏
***‏
من له حلمُنا العتيقُ... ومن يطوِّق بالصهيلِ مضاربَ المستحيلْ..‏
أيا قتلُ: يا جحيمَ الشاعر الفسيحِ...‏
يا بصيرتَهُ المسنونةَ...‏
أُسرجْ لعشائر الحلمِ... ضامرات الشَّغبْ.‏
ويا قتلُ:‏
يا نباتَ الشاعرِ الدائمَ الخضرةِ...‏
يا دوا إليه الأثيرةَ..‏
هيئِّ الأكفانَ لهذا الواضح مثل جثةٍ..‏
هّيئ له الهاوية‏
إرمِ..‏
للحريّة الفتيِّةِ..‏
لا نبجاسِ الحلم..‏
لاشتعالِ الجنونِ..‏
جذوة النشيد.‏










بهية مارديني
صدر لها : للحب رائحة الخبز 2003
في الطريق إليكَ، تلعثم ظلي

1
عند مساحة ما، بين الوهم والحقيقة،
عند نقطة ما، بين الروح والجسد،
عند لون ما، بين الألم واليأس،
نلتقي.
2
تطوقني عباراتك، التي احتضنت قصصاً قديمة
بحبل حرير من الصلابة،
بلهفة عاشق، لم يُكتب، ولن ينطفئ.
3
علمني من أكونَ، عندما أنصهر فيك.
وكيفَ تكون البداية.
أمسكْ بيدي حتى أول قبلة، وأول فكرة.
4
التفاصيل الصغيرة
أكبر مني.
5
قفزتُ إلى
اللا قرار.
6
في الطريق
إليك
تلعثم ظلي
طويلاً
7
أعطيك حباً
تتشح تناقضاً
تجاويفي ليس
فيها هواء
فأغرق.
8
الفراشتان المحترقتان
لن تقترب أصابعهما
للعناق من جديد.
9
صمتي الشاحب
الجدول المبحوح
مرايا الجنون
الحدود الرمادية
الجبال المستحيلة
قيثارة الظلام
التأمل القاتل
تماثيل الغروب
أنا وأنتَ.
10
مررتُ أمامك
ولم ترني،
فانا لم أهتم
إلا ببنصرك الأيسر.
11
أنا موجودة
على سطح هذه الكرة
وأحبك
بحجم لحظات القلق
بعدد وخزات الألم
باتساع مسافات الغربة
في بلادي!
12
تشبعني
أساطيري الخاصة
حول تخوم
لم تكتشف بعد.
13
لماذا كتب علي
أن اكون
نقالة ورق زجاجية؟
أريد أن أرى
بداية المسار
نهاية المدى
فدعوا الأوراق تتطاير
وأنا أعلو وأعلو.
14
جئتَ قوياً
عاصفاً
كشفتي البحر
عندما تغنيان
في ليلة ساكنة.
15
الرؤى الجميلة
لن تكتملَ
كصمت الدخان
والرماد
كتخضب الياسمين
تحت قدميكَ.
16
أشجارك
على جذوري واقفة.
مياهك المالحة
لاتصب إلا في نبعي،
ليجفَّ حلقي وقلمي.
17
تخلطني كأوراق اللعب
تنثرني
على مناضد الغرباء.
أتعلق بألم الوحدة
في أعمق نقطة
من صلابتك.
فاجمعني،
وضعني
في الجيب الأيسر
لقميصك الأبيض.
18
المستحيل
نقطة ضعفي.
19
أكافح لقاء
قطرة مطر
هذا الشراب المجاني
الذي توزعه السماء.
20
قميصك الأسود
الابتسامة الصفراء
قلبي المفتوح
قلبك المغلق
الانتظار الطويل
للقائك الأول
ألاحق غيوم المطر
تضن علي السماء،
أعلى دمي.
ليلة زفافي إلى المجهول
طرقتَ عالمي،
زرعتَ رايتك
أعلى دمي
قبعتَ على سريري،
لتستبيح الخطيئة
وتنحر المستقبل.











جاكلين سلام
صدر لها " كريستال " 2002
 
ونشتبكُ في القلب
القلب عارٍ من فرح عميق
كأنه لم يبقَ شيء
كأنني ما زلت ُ أستيقظ
أنسحب من الظلال
ولا من رفقة، إلا هذا القلب!
 
** ** **
يتكشّف المشهد أكثر
تتوغل في سيرة الريح، روحي
يتقلقل الصمتُ، الجدار المقيم في الخوف
والكلام – نصفه - يسممّ لبّ الحكايا
يُغويني جموح ألفه ...يائه، والمتواري ما بين الألف والياء، أكثر
وحين ينكسر
تنهال على قامتي الألواحُ مدببةً!
 
** ** **
أفترشُ شروداً في ظل شجر الذكريات
هذا ما قد تفعله امرأة، نأتْ عن العائلة وعن القافلة
اخترعتْ من أصناف الأشجار عائلة
من العشب وسادة
من الزهر تيجانا لفرح يصعب لملمة شتاته
وعلى أطول، أنضر، أبهى الأشجار تُهيلُ القلب وتكتب:
أيتها الصاعدة بلا دليل، كم أنتِ أمّي!
متى تفردين اختناق ألوانكِ،
شرايين أوراقكِ المذعورة
وتبللينني بالعبق البريّ، وبالندى؟!
 
** ** **
بلليني
واشهدي فصل الرماد
انزعي الدهشة
أقفلي الذاكرة عن الحذافير الناتئة
هدهديني بما تبقى
دعيني أبتسم بكل حزن الأرض،
أتذكرُ - بعناء - ما قال: سأنتحر، سأموتُ كثيراً، إن تعذّر عليَّ أنْ أكونكِ
وفي المنعطف الأول، حاول حبيبي تقديمي قرباناً للمجهول
 
** ** **
وشوشتُ الظلال بالحقيقة
أودعتها المتبقي من الأسرار:
لستُ امرأة ظلالٍ
ولستُ الظلال
في رأسي تتواشج الخطوط استوائية،
توازن العلة بين قلة الضوء وتزايد نسبة المنتحرين- أو الراغبين في الأنتحار- !
 
** ** **
الأشجار أمي
نشتبك في الظنون، وفي الأخيلة
في الحياة، في أغصان الذكريات والموت
ونشتبك في القلب!
 
ثمر شجرة طيبة- وربما شريرة -
تدحرج بعيداً عن الشجرة الأمِّ
 
لم تكن الأرض سهلاً!
 
** ** **
هُدنةٌ والقلبُ عارٍ
هدنة والصمت جدار
هدنةٌ والعائلة أشجارٌ
هدنة...
للتوِ، أكتبُ فصول القلب،
تساقطَ
المدن
والعشاق...
وبين منعطفين،
أتأهبُ لطريق بين شمس وحقيقة.










جبران سعد
صدر له: " أشعار و 23 قصيدة واحدة " 1998

أغنية إلى البيتلز
عالمٌ لا يشبهني
و لا أشبههُ
ما من طائراتٍ ورقيةٍ – طائراتِ طفولتِنا ذاتها –
ما من خيالٍ زارَ أيامي
لا في زوايا الفلواتِ ولا في طائرة
كي ينبِّه النسيانَ الأزرقَ في أطرافِ أصابعي
أركضُ أركضُ كي ألحقَ بحدسيَ
الذي سبقني أمتاراً من الضوءِ
كأنني الأزمانُ والحقائقُ الزائلة
كأنني تلك الشجرةُ المحمرَّةُ أوراقُها (ذهباً وخجلاً)
في شوارعَ ليفربول البعيدة – شوارع ألعابِنا ذاتها –
المحنيَّة على الضجرِ والغيم
أحبكَ يا تشرين
أحبكِ يا أعمدةَ الشرقِ الحزينة
أنا الإلهُ الهاربُ إلى ذاتي
أتحدثُ عن وجوهِ أحوالي
عن حياةٍ قادمةٍ إليَّ (من الابتسامات العابرة)
عن انتظاراتٍ لعوالمَ عبر المدى
تنامُ على يديَّ
تعالَيْ نركضُ وراءنا
كلُّ هذا الأمام
ولم يزلْ "وراءَنا" يسبقُنا
آه، كنتُ نهراً يتنفسُ عند كتفيكِ
أنا أنا...
وأنتِ... أنا
لندن، 15 تشرين الثاني 2001

















جولان حاجي
عجوزان
هباء ثمل يتعذب في الأعالي
تعب الحالمون من زرقة الجبال
دقت المسامير في الألواح
وحامت، في حلقات الليل، فرادى خفيفة
ندوب شدت من المسيل قفصاً فارغاً
فيما الريح تهبط فوق الطريق المسعورة
كي تهدّى روعها
ولا يد تقوى لتفك مرساة النجوم الخضراء
عن هذا البستان الغريب

من هذه الأرض النائمة
عينان منفيتان تتقربان بلا أثر
وريقات فضية تسقف قبر السماء:
بصمة الله المدوخة
تغور في الأديم
عجوزان غاضبان يتشاجران في المنزل الغارب
تطقطق المدفأة التي منذ هنيهة خمدت
تتوهج الشتائم العنيدة
شمس الريف غضبى في بقايا الهواء
بروق إبر تتقافز فوق عي حزين
بول وحساء، يموجان الأبخرة.
سهر الثلج الذي استضفناه
طاف ردهته
ما ذوب بدبس، ولا مازج الرماد
في الدمى اليقظى تحت سراجٍ مطفأ.
ولىّ إلى وحشته الفجورُ.
طنّتْ ذبابةٌ كبيرة
تقطّع دبقٌ وغاصتْ في حمم العذوبة
على فراش الليالي الثقيل.
نبُّشت الذكرى التي نُوديت سهواً.
كلُّ الإشاراتِ ابيضتْ. ابيض الحقدُ الكبير.
تنمّشت الأيدي ضاعت عيونها.
اصفرَّت السيقان النحيلةُ. قشِّع المخاطُ
تصعد النفتالين سجَّادةً بعد أخرى.
أثغرت الحكمةُ
وأحرقت العبرات آخر خيطٍ استدلَّ به في تراب النهر.
وما عادت نجوم الشتاء فوق البراري الأولى
في عيون ملائك تترقرقُ
ومعطف الأغاني لن يدثر العظام اليابسة
كريحٍ دافئةٍ تتلو أياماً طويلة ممطرة.
تطير لحظاتٌ ضريرة
وفي مناقيرها ندف الريش وفتات الكلمات.
سرُّ سرى، عاصفةٌ، سكتتْ
وجهٌ بارك عبثاً يذوب في غيمةٍ لشقيقتها،
تقطر حلمات تتلامس
ثم شعاع يخز الباب الصدىء.
يسيران، وئيدنين في رذاذ دافئ
عاريين في صباح الفردوس الأزرق:
شفتان آبتا، جناحان انطبقا.
لاتخيفهما صرخات الطواويس
ولا زبدٌ يئنّ ُفي جزر لم يروها
حذاءان مملوءان بالرمل عند القارب
مطر محبوسٌ يلسع جلد البحر.
خلف الستار ترقص أيام مظلمة
ويستلقي أفق كصديق مريض
اتسعت ثقوب مد منها الضوء أذرعهُ:
السير القبر، النوم الموت:
شفتان حمراوان تطوقان مد الساعات
شفتان تتعبَّدان الغبار
في منزل تأكله الظلالُ
ما انفك يزحف نحو حافةٍ تتلألأ بالضباب الخفي
شفتان داميتان تقبلان الغبار
على كتابٍ شاحبٍ
ينقِّطُ كلمةً من نار
تدور خجلى في كفِّ العجوز
فينفخها، كالدمعة، عن ذروة السبابة المرتجفة
ويشمُّ مغمضاً بياض السُّحب الناعم.






























حازم العظمة
صدر له : قصائد أندروميدا 2003
مدن
لا نعود لشيء سوى الحياة
كنا نعود بعد العصر
00 من الطرق السريعة للمدن الكبرى
أو نعود من نوم خفيف
إلى الضواحي الرثة
00بينما تبتعد الجبال
تبتعد حقول الذرة
ثم يرسلون العويل
في الحقول اليابسة
في الحقول اليابسة
أو في علب يسمونها000
نمر من علب
من أبنية
من مقالع حجر
تركت هكذا في العراء
كجرح عميق في الصخور
لا أحد يرانا
مخلصين لهذا الخراب
تلك خطوطنا أيضا
كمانات ونايات
لا نراها
بينما تتساقط ألوانها في الخنادق
000فيالعلب الفارغة
تلك خطوطنا:
على الساعدين
في الكفين
في الحقول
تتركها تذهب كالذرة
بينما نعبر من ممرات الزهور الشمعية
للمساء الشمعي
أو من رباط يتدلى من الشرفة
ثم يرف قليلا
ويترك ذلك الأثر الملون في الهواء
00من شرفات التلال
ترف بحبال غسيل أبيض
000من ظلال لأيلول مائلة
من المدن :
حيث تعود العصافير رمادية
؛والراقصات يتأففن
من الرتب والأحذية
؛00من طرود في الأعياد
ومن بطاقات بحروف ذهبية
؛000ليس خفيفا
ولا أزرق
ليس انحناء من رمال
ليس ثابتا
أو متتابعا
أو كموج على صخرة
؛00جارح و حسب
كالفناءات
كالساحة؛
؛00مقالع حجر تركت هكذا في العراء
كجرح عميق في الصخور
؛كمانات ونايات
لا نراها
بينما تتساقط ألوانها
وهكذا000




حسان الجودي
صدر له :
صباح الجنة، مساء الحب 1998
حصاد الماء 2000
قصائد لغيره 2001
وكأني أهدم الجنات

قبل أن أترك ليل الرّحم المغلق شاهدتُ ملاكاً،
جاءني فيما يجيء
مثل عصفورٍ مضيءْ،
نقر الشّبّاك،
فانزاح الضبابْ.
كنتُ كالورد لما اتفتحْ،
وتويجاتي الوصايا والسّرابْ
وقف العصفور في فتحت قلبي،
ثم أعطاني خيارات النجاةْ:
كوّة الرّوح،
روى المرأة والشعرِ
وآفاقَ العذابْ/
أو كتاباً يهب النّفس الطمأنينة مطوياً على سرّ الحياةْ.
هل ترددتُ طويلاً؟
ربّما لكنّني حين أتى الطّلقُ تطلّعت إلى الكون قليلاً،
ثم أحرقت الكتابْ!
وإذاً كان اختياري العشقَ،
والمرأة منذ الصرخة الأولى
تلمُّ الفحم عن كائنها الأزرق،
المرأة مثل العسل الدافىء للجرح
ومثلُ الثلج للخمر
وفيها كلُّ ما يجعل عشب الحب غابات شجنْ
أو دم العاشق تاريخ سفنْ
أويد الشّاعر إبريقا من الحبر على كأس الزمن
هي طيني كلما فككني الخسران،
وانهدت سدودي،
هي توتي كلّما تقت إلى طعود الخلود،
وهي المرأةُ ضوءُ الجسد السّاطع كالقبّة في أبهى حضور
لارتياد الشغّف الخالص.
المرأة جسر الرّوح نحو الّلانهايات وتمكين الدّم العاجز
من قنص طيور الخصب في ليل الوجود
وهي الفلة في الكأس،
وفجُّ الجمر في الرأس،
وعين الماء إذ ترفد آبار النشيد.
وإذا كان اختياري الشِّعر،
والشّعر صهيل الجسد المؤود
صوت الحجر النائم
حلم الروح بالغامض
ضَوْعُ الهذيان الحلو
إغلاق الممرات على النّفس
حصول اللذة الكبرى
وتقليص المسافات مع المطلق...
الشّعر زمان الأمكنهْ،
لا سواه يتماهى في شقوق المركب التائه ألواحاً،
وفي ماء الحواس الضّحل قيعاناً من الدّهشة.
الشّعر مكان الأزمنه،
يفعل الشعر الأعاجيب،
يعيد الروح للميت،
يؤاخي الماء بالنّار،
ويحدو في سباق الموت كلَّ الأحصنة..
وهو الشّعر انبثاق القمح من مسكب جمرٍ
وانفجار الورد في الأرواح
ربط الكرز الأخضر بالشّمس
وتثليج الجراح الساخنة..
فاعذريني،
كل ما أكتبه الآن يقاضيني،
أنا المشدود كالسهم إلى قوسك،
لا أقدر أن أطلق روحي في فضاءات اليقين،
لستُ منحازاً إلى غيرك،
ليس القلبُ أنفاقاً إلى هرجك،
لكنّ صلاة الشعر تنهاني عن التجوال في حقلكِ
والإيغال في نسغكِ
واللهو بحبات الحنين..
وكأنّي أهدم الجنات،
كي أحظى بصحراء من الوحشة،
كالأفعى بها أسعى على الأشواك مفتوناً ببحثي عنك في كل ربيعٍ
وكأني أغرس النّاب بشرياني لتخدير الجنون،
كلّما وصلت خيطاً فيك جاء الشعرُ،
كي يقطع خيطاً.
كلّما قبّلتُ إبطاً منكِ جاء الشّعرُ،
كي يجْرحَ إبطاً.
فافهميني،
وحده الشّعرُ يزيح الطّينَ عن عين الخلاص الأبديْ،
فإذا أصبحت للمرأة وحدي،
كيف لي أن أطرق البابّ الذي يفضي إلى الشّعر النبي؟
وحدها المرأة كاللؤلؤ كجناح غباري
فإذا أصبحتُ للأشعار وحدي،
كيف لي أن أصنع الماسات من فحم انتظاري
أنتِ والشعر صراطان صديقان عدوان ينوسان أمام المقصلة،
وعذابي أنني أجهل في أي اتجاهٍ
أدخل الرأسَ،
لتنجو الأسئلة.








حسين بن حمزة
صدر له " رجل نائم في ثياب الأحد " 1995



بيضاء .. مبكرة إلى النوم
1
بيضاء ..
ليس ذلك البياض
الشاسع
اللا مبالي
للثلج
الذي يرى من جميع الجهات
بل مثل
غرابٍ يلمع سواده وسط آلاف البجع !
يائسة..
مثل نهرٍ لا يحتفظ بصورة واحدةٍ
للشجرة التي تميل عليه لتلقي نظرة أخيرةً
على أناقتها ..!
" مقدسة ..
مثل 36 مليون أرنب حديث الولادة .."
2
أية حماقاتٍ , كان يمكنني أن أصدقها .. و أنا
أخترعها أمامك .. أية قبور كنت سأدلك عليها ,
لكي تري :
روحي مثل شاهدةٍ تصدأ تحت المطر ..!
أيةُ ملائكةٍ , كنت سأضيفها إلى أحلامك ,
كي تذهبي مبكرةً إلى النوم , تتركيني وحيداً
كالكتاب الذي لم تفرغي من قراءته . مرمياً
على وجهه , على الصفحة السعيدة , التي كلماتها
مازالت مبللةً ,
بنظرتك..؟!
أيةُ ذئابٍ كنت سأربيها , لكي أطلقها تحت شرفتك,
المضاءة ..؟ بينما طيفي يتجول في الهواء المجاور
لتنورتك الخفيفة..؟
أية بحار ٍ , كنت سآخذكٍ إليها لكي تري :
أزرق وحشتي
و شاحب أيامي ..
3
كان يمكن أن يحدث هذا :
قطار يذهب
بينما
الأشجار تلو الأشجار
تغذ الركض
كرتل من العميان
في الاتجاه
المعاكس..!!؟















حسين حبش
صدر له " غرق في الورد "2002
و " هاربون عبر نهر إفروس"2004
مدارات الإغتباط


إغتبطي يا كائنات المديح فإننا ورثنا عتبات الأوج
بمدائحنا الإرجوانية للينابيع
وشرايينها التي تغرف من أخاديد التراب
جرحاً مسفوكاً في الحقول والبساتين.
إغتبطي فإننا خلعنا المحاريث وإرتطمنا بالأفق
نعلِّي مصير الزرقة من فوق الأباطيل،
نزوِّدها بتيجان الشهوة وقناديل الفراغ المزدحمة
بالأحلام المتلألئة ومرجان النوم.
إغتبطي فإننا إختبرنا الموت في شروده
وإقتحمنا لهوه بثقة العشاق
نحمل رعشة النبات في الأعماق
مروِّدين قطيع النهر إلى حكمته
من فمه الأملس ومن غشيانه الأشقر.
إغتبطي يا عروش الصقور
فإننا ورثنا الأبراج العالية من أختام البنائين
وأقاصي اليقظة ننقضُّ على الظلام
ونقفل على عمائه المسالك
ونكون الدليل إلى الفجوات والأرخبيلات
المفتونة بالعراك والدويِّ الذي تحدثه
جدران أعماقها الهائجة.
إغتبطي فإننا نوالي الخفقان في ضرباته
السريعة
وهبوب خطواته المختالة
من رنين الإغواء ومن قدوم كماله
من مطالع المشيئة،
نهيء له الظل الأثير للروح.
إغتبطي فإننا نؤرخ هبات المصادفات
من خزائن العدم ونعثر على محبرة الخفيِّ
نكتب بيانات البرق على ميزان
النهاية المشغولة
بإنجاز ما لا ينجز وإمساك ما لا يمسك
وحفظ ما لا يحفظ.
إغتبطي يا أنفاس الرعد فإننا ورثنا
كيمياء الكواكب من زقاق الخيال
وصداقة البرق وأجواء نعمته
الطاغية في سقوطه المتعمد
على وجه الصخور المربوطة
بعناية الله غلى سفوح الجبال.
إغتبطي فإننا عمَّدنا الأمواج بملاءات الإوز
وأعناق البجع في إحتفال باسط الذراعين
أمام إتساع البحر ونهبه المتسارع.
لا ميثاق يوقفنا ولا إجفال يغمض
أعيننا المترصدة
للذبذبات اللاهثة في نهاية السرِّ
والفجاءات المرتجلة من الأعالي إلى الخضم.
إغتبطي فإننا قلَّصنا المسافة بين السماء والأرض
وحلجنا قطن المسرات لأعشاش الطيور المرتعشة،
لا تخبط ولا خوف بعد الآن،
لترقد أرياشها في أمان باذخ
وترف مطمئن وطويل.
إغتبطي يا خيام الغفوة فإننا أرهفنا السمع للغيِّ
وإحتدمنا مع البطش
نقاومه ويقاومنا،
نعانده ويعاندنا..
حتى أوصلنا القمم إلى القمم
والجهات إلى الجهات
وربطنا الهواء بالهواء..
موقدين فوانيس المشارف البعيدة.
إغتبطي فإننا نثرنا الزنابق على الجسور
وتماهين مع بهاء الشهقة
في طلوعها التنكريِّ من خيلاء المعنى،
نخوض معها تجربة الألفة
على منعطفات السماء السابعة
نفتح مشيئة الأقدار.
إغتبطي فإننا عرينا اليأس من مشاربه
وخلعنا أنياب النمور الشرسة،
أنذرنا الرقباء وأقمنا مأدبة الياقوت
فوق كمين الخسارات.
إغتبطي يا الرغبات
يا لجسارات
يا الأقدار
يا المصائر الهائمة في مجاهيل
القلق
والسؤال
والجنون
إ
غ
ت
ب
ط
ي...








حسين عجيب
صدر له : أشباه العزلة 1997
نحن لا نتبادل الكلام 2004
عجيب

تمنيت أن أدخل بهدوء
تمنيت أن أغادر بصخب
ما زال القليل الذي أعرف
يكفي للانتقال إلى الجهة الأخرى
حيث كل شيئ مظلم وكئيب
في يوم حار من حزيران1960
فضل أبي اسم بطل كربلاء
على الحاكم المصري لسوريا
لا أميل معه إلى لوم الآخرين
مع أنساب بلا قرار
كثيرا ما أسميتهم سلالة خنازير
لأغير التسمية إلى سلالة ملائكة أو جبابرة
في اليوم الذي يليه
عدا الأساطير
التي سبقت أرواحهم إلى السماء
وعظامهم إلى العفن
ذهبت معهم
إلى أبعد من الأسف
وصار نصف أصدقائي من الأموات
بالأوهام
بنينا جدران غربتنا
ونحن اليوم ينبغي أن نضحك
من الصياد الذي تحول إلى فريسة
وتسأل من سيرغب ثانية بالعصيان
من يقبل على المخاطرة
خذني إليها أيها الفكر الحر
لم تعد الرغبة تكفي للاحتفال
لينتهي الوهم بطبيعة البشر
ثم الوصول إلى الجهل الكامل
الوصول إلى الشغف الحي
أخطأت وسامحتني
صرت أطلب الهدوء في عريي الكامل
وصارت تسامحني بلا أخطاء
ليست هي المرأة التي أعرف
وليس الرجل الذي أحب دائما أن يكون
الماضي هو صورة الحاضر
والحاضر هم الآخرون
الآخرون
هم الجحيم
الآخرون هم المعنى
الآخرون كلام في البداية دوما
الآخرون أنا في غيابي..










خضر الآغا
صدر له " كتب يقول" 1995
" أنوثة الإشارة " 1998

الجاهليُُُّّّّّّّّّّّّّّّ ُُّ الذي أنا
الجاهلية أنتِ
نارٌٌ واحدة في الأتون ذاته
-1-

أدركت، حين اندلعت فيك كهندي أحمر، دقة أصابعك التي بيدي
أدركت أن وصيتك التي مثل مركب متروك أسفل الفهرس
عصفور أبيض
وأنني مثل شاعر مخلوع، تمر عليه القصيدة، ولا تلقي عليه
الكتابة
ولا التحية



كيف أعرف إذاً: أن يدي اللتين مثل لغة باذخة مهجورتان
أن الجدار الذي سيحمل ملصقي غداً هابط
في
العدم
وأن الثياب التي أخلعها كلما رأيت صوتك
ضاربة في الإثم
وأنها جاهلة


كيف أعرف - حين كان جسدك منطرحاً فيك -
أنني كنت مذعوراً من الرجل الجاهلي الذي
كان يحرس الإشارة من ربطة العنق
ومن سيرة البلاغة


الجاهلي: سيرة اللحم المرمي بأسيد القراءة
الكتاب الذي يُقرأ محمولاً على الدم
الهيئة التي تُرسَم بممحاة
نافذة، وقد اكتظت بطيور الضلالة
سماءٌ، وقد سقطت في كأس


الجاهلي- حدثني العصر-:
اسمٌ خارج الصفحة
ثوبٌ مقلوب
كلامٌ لا يفضي




الجاهلي الذي أنا
ذو العاقبة الملقاة من أعلى السورة في إناء النار
أدركت ـ حين نزلتِ بي إلى قاع الذكورة في حراء الفناء ـ
أنَ الدم الذي على هيئة الأمر الزائل دمي
أن الفراشة المحروقة بالكهف روحي
أن النداء الذي على هيئة السديم جسدي


ـ2ـ

أدركت:
سوف يبقى لهاثك في رئتيّ‘ كأنه الوشم، يدل عليك
حين تكونين فيّ
تكونين في القتل


أدركت أن التي تسهر في الإشارة
وتحمي العلاقة بين الكتابة وبين الماء
هي المرأة الجاهلية


الجاهلية:
مخطوط الرغبة على وسادة السيدة الحديثة
قاربٌ متروك في منحدر الضوء
عباءة معبأة بهواءٍ ملسوع
أرشيف الرمل، تحذفه المدينة لترتفع المآذن
كالياقة


الجاهلية: وجهٌ منقوشٌ بغبار الطلع
عزلةٌ أُريقت على نباتات الزينة
أفق مسفوح على ركبة العصر


الجاهلية التي أنت
ذات العاقبة الهابطة من أعلى الركعة في الأتون
كنت ِتعرفين ـ حين عدت بي إلى الغار الكبير ـ
أن الدم المرمي على وردة العار دمكِ
أن النساء اللواتي سيمزقن ثيابهن
وسيثقبن السماء برعشة لا سرير لها:
سيحملن رداءكِ
ومهبّكِ
وينبتن في أصص الخطيئة، في كل مرة،
وفي الجحيم


ـ3ـ

المارة لا يعرفوننا
والداخلون إلينا داخلون في حمأة الحائط البارد
جاهليان متروكان على طرف الكلام
والمدينة
يضعان اللغة في جيوبهما كمنديلٍ
ويشيدان من أعضائها الخيل النافرة من ذاكرة الرمل
وحين يسألان عن الشاعر
يأتي بطيوره الضوء
فينسيان ظلهما على درج البناية
وشهواتهما في قبعة الحارس
يدخلان بيت الشعر، وينامان


جاهليان يرثان الحمى
ويراقان فيما تبقّى من وثنٍ
ومن وأد ٍ
وتتحول المدينة فيهما إلى وثن الطاغية
وإلى وأد الجميع


جاهليان يخلعان التاريخ من أوسمته
ومن لحيته الشعثاء
ويرتبان عقاله وحواسه
وخطواته الباذخة
ويتركانه في عمى الصحراء كنبيٍّ عجوز
لا أتباع له
ولا رسالة ..

الخلف    خلف علي
صدر له " نون الرعاة " 2004   
صبوات السيف
 
هذا عري المترع بالقربى يئن وئيدا , يحفر اسئلة في ظل الموتى
يباري حمحمة الخيل , مثل الشبق بسيرته الاولى حين يفر
  من صلب  العاشق صبحا مذعورا
يرجم ظلا منذ الطوفان يطارده  وبلا مأتم يجتاز الندابات 
                  يحوز برهان الموت                                                  
يوقظ شهوته تصرخ في الجسد الخاوي , تلبسه العتمة وتطارحه
نواح الموؤد
 
هذا الطالع من رحم الدهر     المشتول كبرهة شبق حول الحلمة
 اللاثق بالرشف بياضا  او سعة من جمر الهجر بين سديم الفخذين
المتوسد وقتا مفضوحا  , او اعمى عراه الملح كفراق ينتصب وتدا في
قلب الناحل
 
ما كل الطير تفر كا لشهقة من صدر مشطور بالفاس
ما كل الماء يسيل وقتا مهجورا
                 لكن الخطوة ايات الّرحل             
        معراج فراق ينمو في شاهدة القبر                         
تعض فاتحة الوهم تغدو ندبا مثل سطوع البهتان                           
 
وهو المرحوم بلغة السيف الواضح
يحطب شمسا من ليل قسّمه الاعمى
تاريخا يتدفئ بالسيف ,  بالومض الجائر  , بالوهم المنقشع عن ماء سواه      
يدمدم
هذي قسمة ربي
ويذرف انثى جائعة لا يطعمها السيف صليل الصبوات
 
هذا الوجد نشيد ,      قبر فض بكارته الناحل بالوسطى
يهمي فوق طيور تعدو,      ترفّ لا تصل الافق كدم جائع
وهذا الكون يضن بانثى تكسر رغبتها كا لظل , وتمرغ صرخة  حلمتها
بتراب الذاهل
توجعه الحلمة فينوء بكتاب الجوع وفؤوس الحطابين
تنفض الواقعة , تعيد الانثى بكارة مشيتها المرة , تسرف في لين الجسد
          المثلوم                                                                           
تتهجى السهد وتطفر كا لصرخة في شعب ذاق الكأس
 
 
يا مفتون الوجد تساقط
اوقد هذا الشبق المشتعل , هذا الفيض العشوائي لروحي الثرثارة
لا تفتعل الغفو على جيدي كالطيف الاخرس
امدد صوتك واقبض نهدي النافر بالعبرات
لا يرضعني القادم                  
لا يحطبني الغافل                  
انطر سيفا يقطر شبقا لمرأى الراس مفصولا عن جسد الصبح
ادخله ظلامي , بئري الموؤد , فابوح فراغا يبصر
لا تنظر فيّ
لا سر لدي         
ما طرق بابي اعنى فابصر الا الناحل, والبصر سراب الاعمى
من ماتوا على بابي لن يرحمهم ربي  , ما كانوا شهداء صهيلي
برق اللذة اعماهم , ضاقو بهباء الصحو , مدوا اياديهم
 إلى ورد الرغبة في النهد النافر
ذابوا                                  
انا الوهم
ظلي الله
شجر السدر نشيدي واسيلي كشروق البازغ من ليل صلاّه الصبح
صوت شخيب الدم يفتنني
افجر وهجي  , غواية لبني ,  اردافي المنحوتة كالآيات 
 صرة عرشي
              اسيل عواء يقضم رغبته           
يخض دم الرّحل                            
تسري الروح باغوار السر الكائن في البرهة , العائث بالشجو
  والمبتل حنينا                                
لا ا حد سواي يطوح بالوهج , ينقض على العاشق كالباشق نزوته
في الظل
 
من يحنو علي تجثو في الصحو خيول الدفء عند قدميه
 وفي الليل احنو عليه كأنثى وارفة, بشهوة فارس
خانته امراة سافرة القحل
  ومن احنو عليه
يرعى في جسدي صراخا          
عري صباحي الفارع                            
 
يسبحني وينسى الله ..               
 28/2/2002
اثينا             


















  

دلدار فلمز
صدر له : عاش باكراً 2002
قصائد

حسكة
إلى نائلة
 
مصابة باليرقان
وفقر الدم من أيام
جدي الخامس عشر
هي ليست مدينة
وبالتأكيد
……….ليست قرية
 
* * *
إسكافي
 
أخيط أحذية الزمان
بخيط من نور
وإبرة من انتظار
تحت شمس الشمال
هل تعرفين؟
ماذا يعني أفق أصفر
تحت شمس تموز
هذا هو حال
عاشقكِ
 
* * *
ضد…؟
ضد من سأهدر كل هذه الوصايا
والتعاويذ المتراكمة في ترانيم الدم
أدون كل الذي يسمي تعباً على الغياب
هل لي أن أرث مفاتيح المياه؟
ثم كيف لي أن أنسف ذاكرتي المحشوة
بالأسماء؟
ضد من سوف أرمي
أبعاد هذا الهذيان
ومن ضدي في كل هذا الكون
وفي هذا الوقت بالذات
أو في أي وقت كان
ضد من سوف أزرع النباتات
على شاكلة العذاب والتعب
على خطى وجهكِ
في كل هذا الاشتياق
 
* * *

لا تكف
يا فرقاً يؤنبني
في عربات لا تكف عن جديدها
وزئبق العيون يترنح
في دم مجهول
أيا ماضٍ يؤنبني
الروح ترتاح على زقزقة الرفوف
في الأمس نامت يداي في حلم اللقاء
قرب كنيسة الأرمن
والآن روحي في أصداء …"عاصمة شحاذين.."







رشا عمران
صدر لها " وجع له شكل الحياة " 1997
" كأن منفاي جسدي " 1999
" ظلك الممتد إلى أقصى حنيني "2003
إلى سرير آخر الليل
في وحشتها الفاغرة
تتفقد المرأة جسدها
لا شيء فيه تبدل
فقط
حدائق الشفتين
شحبت قليلا
النهدان تبقعا بالحنين
الخصر خف انحناءه علىالشهوات العتيقة
الفخذان اقتربا كثيرا
من سؤال
الأنوثة
بينما
العينان تمدان ضياعهما
نحو اتجاه
لا تعرفان شكله
 
 
ما من شيء يوقف تدفق وحدتها
الأن
حين يصمت الهاتف
او يهيم الأصدقاء
في دفء أسرّتهم
او يستأنف الليل سقوطه
نحو اشجار صامتة
او ينحسر الوهم
عن آخر حلم
لم تقابله بعد
 
 
في هذه الوحشة الباردة
تسطع الموسيقا كضوء قليل
تخلع المرأة ثيابها المجعدة
كي تباشر جلسة غرائبها
ثم
تبدأ استحضار العالم
 
 
في الرعشة الأولى
يحضر أول برق للأنوثة
حين ( السأم ) خطوة اولى نحو دهشة الغريزة
مشهد المكان المراوغ
وجوه مشوشة
يد من وخز شوك مفاجىء
شفاه كلدغة مجهولة
ارتجاف الجلد في اللذة الحائرة
اضطراب في الجسد حين يراقب احتمالاته المتأرجحة
في خيالات ثملة
 
 
في الرعشة الثانية
تحضر أنثى في ورد تفتحها
مشهد للزمن العاصف
حيث الوجوه
مشوشة أيضا
والألسنة تتحرك
بكلام كثير
أحاديث حمراء
أوهام حمراء
شبق أشد احمرارا
حيث الجلد يرتعش في اللذة المتمردة
بينما الروح تضطرب
تحت ضغط الانتماء إلى الرغبة
فقط
 
 
في الرعشة الثالثة
أنثى في بلور بهائها
مشهد الاختيارالمترنح
حين تفترض الأنثى
شكلا كاملا
للرجل
و لكن
في احتماله النمطي
حين يخفت ارتعاش الجسد عند كل حقيقة
حين يبدأ الجلد صهيله
مبتعدا بملحه عن الرائحة الباهتة
يحضر غبش الوقت
غبش الوجوه التي تلعق بهاء الأنثى
حين تسقط في خديعة الاختلاف الشائك
 
 
في الرعشة الرابعة
تستحضر الأنثى غريزتها
حين الجسد
يقطر الماء و النار
وحيدا مع اوراق تستعيد تكوين الأنثى
تحضر وجوه عالقة في الروح رغم تتابع الأيام
عالقة في الأوراق ربما
لا فرق هنا بين الشهوة في ارتعاشها الكامل
وبين ارتعاش الأصابع الأولى
يحضر الموت ساطعا
حين لا مباليا يفرش فراغه على مساحة بيضاء
أو حين يمد الجسد توتره
في العدم
 
 
في الرعشة الخامسة
يأتي الوجه الذي لم تقابله بعد
في ( كامل تفاحها ) الأنثى
و الجسد نابض من مجرد الصوت
يأتي الرجل من الوانه كلها
من حنينه الكحلي
من شغفه الأخضر
من البياض في كينونته
من اختبارات زرقة غرائبه
و الجسد يحلق بنبضه الشاهق
إلى ما بعد السماء
الجسد في احتمالاته كلها
في تفكك عناصره
في تلملمها
الرجل الأخير
الذي يأتي الأن مثقلا بأسراره
و الأنثى في صرختها النادرة
ترجع العالم إلى جسدها
 
ترتدي ثيابها المجعدة
تطفىء ضوء الموسيقا القليل
ثم ترافق وحشتها الفاغرة
إلى سرير آخر الليل..
















رفعت شيخو
صدر له : نهد يطلق حلمته الغزيرة 1994
ركاب البذخ 1998
نافخ التمبور بجذوره
رياحٌ مٌحنّاة ،
تلج جذور الخشب المفروك بأريج الرئة .
وليمة معصوبة لغرقٍ يسطع
الثغر العائم في أوج نوطةٍ بعليّة
ويسيلُ
التمبور .
فارتْ من الأذن ، الرئات ثملةً
أصابعهُ . تيجانها شفاهٌ . تجني وميضها .
مناقيرٌ غائمة . منقوعة في جريان الزيتون .
 
وذاب المعدن . بعرقِه
الخصلة المحنّاة . بلونٍ . ثلاث
ترفو معصْم زوبعةٍ ، ترشُّ قلبها
كتفهُ الأكثر كتفاً ، تزخّ شجرةً .
نافخُ جذور زوبعة وسيمة ، بعمقها الملايين ، تربض في حجرهِ .
تتولى جذورها الممعنة ، أغشية طبولنا .
شجرةُ
أفواه
الكُرْد ، الزُّلال
بضوء شاماتها المتراقصة .
عشٌّ جمّ في غور سُرّة
انْحنتْ غيمةٌ ، تصحبه
إذ على سواحلها الداخلية ، يلمع بيض فراشة ،
صائغٌ يترجّل على خاتمٍ يتدفّق من سُرّتها الفائرة
زهاء بشارةٍ تُحلِّق في كتابٍ . تُدخّنه السماء . كّلما أكْتملَ
عازفُ ثدييها
والناي الذي لا ترفرف عليه الثقوب . البتة.
يموج بين غُصْنيْ واديها . وحليبها العميق
تعزف على جذور بئرٍ في خيمةٍ . تتقدّمهُ
أسْفل نايٍ مُتبّلٍ.
قبطان الصفير الحار ، إزاء ثديٍ أوسط
يتنفّس كتاباً راسياً في قطرة عرقٍ
عمقها
سبع
سنين.
 
 
عازفة مظاهرة في حصان عميق
ريثما يكتمل المنقار
بحسب العزف ، تميل الأرض
حالما أخذتهُ رئتاهُ .. طار.
بالكاد هدأ عزفها على رائحته القديمة
بساطٌ يَثِبُ ، كلّما نبض الذي هناك
قطف لها ناياً من بندقيّةٍ مُحنّاة ، لا يجفُّ العزف فيه.
وبزغ ، خلا جميع ساقه اليسرى ، المنثورة في فم ثلجٍ بعيد.
بقدمٍ كثيرة.
تجري في أحشائه .. يجري.
الراقصُ الثمل.
بعَرَجَه.
حصانٌ عميق.
جذور خطواته ذي الصفير
أربع ضفافٍ . للمظاهرةّ داخل حصانْ .
سبعٌ لكِ.
لـ اللّهب ثلاث.
حَنَّتْ صوتهُ.
رولا حسن
صدر لها: شتاءات قصيرة 1997،
حسرة الظل 2002
قصائد
تسوية

ثمة وقت ……
لأرتب طاولة حياتي
وألتفت صوب
حقول العائلة اليابسة
ثمة وقت
كي أسحب
ملاءة الحنين
وأسوي
سرير الضجر .


باب موارب

لعينيك نذرت نذوري
أشعلت البخور
على العتبات
صلّيت طويلاً
-ووجهي صوب
نعش أيامك –
وأنا أخرج
من الباب
الذي تركته موارباً
وأنت تغادر حياتي


عائلة

إنها آخر القلاع
التي تحصّنّا فيها
خلف سور خلافاتها الشائك
كبرنا
صرنا غابة
كل مرة نسقي الصور ،
نزرع الحبق على الشرفات
وكل مرة
لا يزهر غير العتب
ولا تتبلل
غير ابتسامات الأخوة
في الألبوم


طيور السعد

ولدت
تحت برج الخسارة
طيور السعد
مرّت في الفنجان
وحادت عن سمائي
من أحببت
أهداني للنسيان
الأصدقاء
جفّوا
تحت شمس
الندم


حصوة صغيرة

من ماءٍ أنا
مجرد حصوة صغيرة
تؤلف فيّ دوائر
على صفحتي
دعني أرسم وجهك
وأمطر طويلاً
أنا التي
انتظرت
في يباسك.


إشارات

هنا
وحيدة
مثل فطر
شجر الكذب
يظلل حياتي
من مضيت إليهم
فتحوا – في وجهي –
أبواب النسيان
كيف أبدأ ….
والثلاثون
تعبرني بعرباتها:
…. مدينة
تعوي
في أزقّتها الريح .











رياض العبيد

صدر له : تحولات في الأرض 1990
صلوات في معبد الزمن 1991
قران الهجرة1992
حديقة الرغبة 1996

قصائد راعشة


1

الهواء العليل ينقل لي أخبارك كل يوم

بلغة الطير والإشارات الإلهية

لا بلغة الأخبار الجوية والسياسية والاقتصادية

عندها فقط أكون قد بلغت أعالي الصمت والحكمة

الماء يُسمعني كل صباح آخر أغنياتك

عن جوهر الروح في الأحجار الكريمة

التي ترتسم على شفتيك الشهوانيتين

لوزة ناعمة

عندها أكون قد تجاوزت مرحلة المسافات الطويلة

على نهج منطق الطير والملائكة

واختتمت جزءا من تاريخ النجوم

التي أفنت عمرها الطويل

في تشكيل لوحة سوريالية عن الوردة

التي كانت وما تزال منحوتة

على نهديك المتآلفين

أوراق الخريف المتساقطة

تلحّن لي ما تيسر من أوركسترا عينيك الزرقاويتين

التي ابتدعها فصل الشتاء الطويل

في زاوية من الكون والسلام البرتقالي

عندها أكون قد تشجعت

بارتشاف موسيقى يديك, فخذيك الراعشتين

وبدأت أقفز في مرعى الأشواق كالغزال.


2


تلك الغيوم التي رحلت عن الشتاء

محتجة غاضبة

خلفت وراءها خيطا رفيعا من الحزن

يكفي لتهدئة روع الشواطئ في الصيف

أو تهدئة أعصاب المجانين

الذين قبّلوا عشيقاتهم في الليالي الباردة

ثم سحبتهم عاصفة أمطار شديدة

تلك الغيوم التي لم تعرف الراحة طوال حياتها

من كثرة التنقل كالبدو أو الغجر

من مكان إلى آخر

فقدت حاسة تأويل الزمن

وحين تراها وأنت تنظر في الأفق

البعيد صافنة حائرة

فستدرك في الحال

أنها تستنجدك متضرعة

إنقاذها من صراع الآلهة

أو حين تضع يدك على كتفها

وهي تميل إليك ميلا خفيفا

كالعاشقة

فستدرك في الحال

أنها تريدك أن تتخذها زوجة أو حبيبة

لتنجو من طوفان الشكوك

تلك الغيوم التي ترتجف كل لحظة

من الخوف أو الموت

لا تسمع نحيبها الدامي
سوى عيون الغرباء


3


المسافة التي قطعتها بين عالمين

آلمتها أن تكون علامة تعجب

في آثار خُطاك الحثيثة

وأحزنتها كثيرا

ما خلفته لها من فراغات متقاطعة

في رحمها الأنثوي

الذي انجرف حادا إلى النسيان

المسافة التي أدركت منذ البدء

أنك ستغادرها إلى جهة ما خلف اللامكان

وفي عينيك قلق عليها

حاولت أن تكون متماسكة الأعصاب

عندما ودعتك وحيدة على الشاطئ

كي لا تبدو وردة رومانسية

تودع باكية فراشات الربيع الزاهية

لكنها بقيت تحتفظ طويلا

برائحة أحلامك الزرقاء

في رعش حاجبيها الرهيفين

وتنتظرك وحيدة على الشاطئ الذي أضاع الذاكرة



4



الجدار الداكن الأبيض

يحلم أيضا بإجازة سنوية إلى بلاد العجائب

فقط لكي يتخلص بعض الوقت من رائحة عزلتك

في الغرفة التي تسكن منذ سنين

غير آبه بما تثور فيه من أحاسيس كامدة

كلما ضيقت عليه الضوء والرؤية في وضح النهار أو آخر الفجر

هو يدرك الحيرة التي تتركها تلتصق به

كصورة لمطربة فتنت حياتك وهي في عز شبابها

ثم انتهت إلى مشفى المجانين

لكنه لم يعد لديه صبر طويل

على كل هذا الجمود الذي طليت به كل شيء من حولك

حتى الهواء والكلام البسيط

الجدار الداكن الأبيض

الذي عايش احتفالاتك الجنسية الحمراء

بعينين ضاحكتين بريئتين وكأنه في نشوة خضراء

وكأنه يبتهل

رافعا يديه للسماء بأن يستمر الجسدان المشتعلان

بلمس يديه الرقيقتين إلى جوهر العمق في اللا زمان

الجدران تعرف أصحابها

من وقع خطاهم على الأرض

ومن بهجة أنفاسهم حين يلتقون بالحبيبة الملاك الآسرة

إذا ليس لديك الآن سوى

أن تُلقي بكل هيامات الكتابة واحتراق المستحيل

5



الزفرة الأخيرة

التي تطلقها بعد يوم ثقيل جدا

تتعربش على الأسطح والجدران كالعنكبوت

تلتصق بثيابك الداخلية كنهر يتصبب عرقا

من فرط العواصف

لا تتركك تتأكد من الوجوه التي تمر أمامك

على نحو يدعو إلى الفرحة أو الارتباك

تنزع عنك غشاوة القيلولة أو النوم

الذي تود أن تخنقه كعاشقة إلى أسبوعين في الفراش

الزفرة الأخيرة

ذات الأعراف الحادة

والآذان الطويلة

تترك بصماتها على الباب

حين تدخل إلى البيت أو تخرج منه

كجريمة لم تكتشف خفاياها بعد

أو كإشارة من عابرة جميلة في الشارع

لم تستطع أن تدرك ما تريده منك تماما

لعل ها كانت تريد إغواءك بمفاتنها الساحرة

فقط لترضي نفسها بأنها من جميلات المستحيل

تلك الزفرة التي لا تترك حتى في الأزقة الضيقة

أو حتى بين الأفكار الطاحشة

وحتى في عمليات الجنس الخارقة للعادة

تطلق أخيرا عليها الرصاص

6



الخوف الذي زرعه في حُراس القصر الكافكاوي

وسُجّانُ القياصرة الروس والرومان

وقراصنة البحر المتوسط

الفينيقيين إلى آخر بطلهم الأسطوري هانيبال

إنه مملوك لا يعرف القراءة والكتابة

امتدت جذوره في شراييني

إلى درجة أنني لم أعد أتنفس سواه

أو أرى احدا يُجالسني طوال الليل والنهار

دون أن يشعر بالملل والضجر

ذلك الخوف الذي زوجوني إياه

دون مهر أو مفاوضات عائلية

مستشارو الطغاة في أول الزمان وآخره

إنه بدا لي صديقا حسنا

مع مرور الوقت الطويل

وبعد أن كسب ثقتي به

وتسليمي بالقدر الذي أهداه إلي

أحد أولئك الطُغاة دون أي سؤال أو جواب

لذا فقد صار ي صارحني بكل ما كان قد حدث ويحدث له

مع أولئك الجبابرة الخصيان

وهذا ما جعلني أرتاح قليلا

وأتخدر كثيرا بالتفاصيل

التي كان يق ص ها علي

حول الجنس والعربدة الحمراء.






















زياد عبدالله
صدر له : قبل الحبر بقليل 2000




ثــــلاث قـــصائــــــد


يوم آخر

كلُّ ما عليك
عليكَ القيام به
والارتداد عنه إليه
والتغني بأمجاده ولعناته
ومطاردته ومحاباته
وإغراقه بالأنخاب
والزود عنه
والثأر له بسعةِ صدر
على امتداده
على إخفاقه لدى الإعلاء من شأنه
وإتقانِ لغته على أن ترطنَ بتلعثمه
وتكبُّدِ ما يحلو له من عناء
وتتبعه بإصبعك على إفريز النافذة والاستناد بمرفقك عليه إلى أن تتقطَّع وأوصالك.

كلُّ ما عليك
على عاتقك
نفّذ
وأشح بوجهك يا لها من صفعة!
تحت وطأتِه ورحمتِه وعطفه
تحت سعادتِه وغبطتِه
إلى أن يقاطعك أحدهم
لتصرخَ
وتنتفضَ
وتصحو
وعلى عاتقك يومٌ آخر.


بدايات

توقَّف عن اللهاث
تنَّفس ملياً
ثم اختنق
دائماً اختنق.
إن مرَّرك أحدهم من تحت الباب
اصطفق في أرجائه
أو دعه موارباً
يتقاطرُ والصرير
ابدأ بإهالة الأختام وجمع التواقيع وتهوية ملفٍ ضخمٍ عن السأم.
إن أمهلك أهمله
قلها على الملأ:
(لقد فقدت رفاقي في أوراق اللعب
وكل ما أقتنيه أصطبغ بحمرته)
ابدأ بحزم أمتعتك وإراقة المطارات والكتابة عن كل شيء.
توعَّدهم بمتنفسٍ آخر
عاين هباءهم وهبوبهم
دع لهم أن يتهالكوا عليه
ابدأ بجمع النوافذ وتقطير المشاهد والإطاحة بثرثرتهم.
ابدأ بالصمت فور وصولك
استسلم
ارفع عنهم يديك
دع للبداية أن تمسسك -
بذاك السوء
بتلك اللعنة.


أميال وأصقاع وكائنات

شيءٌ من هذا القبيل
بمذاقه
برقته
يبتلعكَ
يستسيغكَ والمرارةُ تقطرُ من فمك.
شيءٌ يذيبك بملعقة
يصعدُ بك إلى أفواهٍ فاغرة
ويثبِّتُ روحك بمسمار.
شيءٌ بدماءٍ جديدة
وألقابٍ تتبادلُ التحية
يتفيأ شجرةَ العائلةِ والميلادِ والسياج.
شيءٌ بجناحين
يتلفَّتُ حوله
ويهمُّ بطعنتين أو ثلاث
لكَ أن تشهدَ ضده
له أن يتخاطفكَ والأبصارُ أدنى من انتباه
أن يستفيضَ وينحدرَ ويتردى
أن تتسامق شاهقاً باهتاً
من الوريدِ إلى الوريد
هنا
هناك
تخالطه
تمزِّقه
لتصرخَ بأعلى.

شيءٌ بمساماتٍ تتلصص منها -
منمّشٌ بالحياة
متقدٌ
ممهورٌ بلونٍ يخمدُ كلَّ لون
مثله مثل مراميه
يبدأ لئلا ينفد أبداً
يتدفق
يتسربُ بما يفيضُ عن رمقنا
مباشرةً
دون
توقفٍ
لأميالٍ
و
أصقاعٍ
و
كائنات.





















سامر فهد رضوان
صدر له: تشكيلات لمولد الحصار 2001
طرائق لنيل اللقب

الطريقة الظاهرية:
من الشارعِ الغجريِّ
الذي لا يحبُّ التقاطع، والأصدقاء
أحاولُ أنْ أستميحَ النواصي
لأني إذا قلتُ أرفضُ،
تخسرني بحّةُ الناي،
والمشي بالطرقاتِ وحيداً
بدونِ الحديدْ
وسلسلةُ القهرِ أضحتْ هدايا
لجيلٍ جديدْ
هو الآن يكنسُ كلّ الأزقةِ
من طحلبٍ كانَ أبهى من الوردِ

كان يسمّى مجازاً وطنْ
خارجٌ من دخولِ النقاشاتِ
والضرب بالبسملةْ
داخلٌ للخضمِّ المناطِ بسجاننا
يحملُ السوطُ حبّ المناجلِ للسنبلةْ
أيُّ وقتٍ أنا؟
وقتيَ الصمتُ،
والأكلُ دونَ التنفسِ
هذا هو الحبُّ والمسألةْ
لا أملُّ
وإنْ ضاقَ صوتُ المغني
عليهِ التصاقُ الشفاهِ بكمِّ القميصِ
وإلا..
فَتُمْتَدَحُ المرحلةْ
أحبُّ الحلولَ التي حضّها سالفُ العصرِ
كي تنتقيني الخليقةُ
شاهدَ جرحٍ على المهزلةْ
أفكُّ زُرارَ القميصِ
لتخرجَ من عروةِ القلبِ
أسئلةُ الداخلينَ إليَّ
أنا باذرُ النارِ
في الصمتِ أُشعلُ رفضي
وأسكتُ إنْ سمعَ الحائطُ المخمليُّ صريراً
فأقلامهم لا تجفُّ
وأُتهمُ اليومَ بالانحياز لكلّ الفراشاتِ
صامدةٌ أبجديتنا
إذ فتحتُ المطارَ لترسو السفينةُ
تحملُ وهجَ الأغاني،
وتخنقها الزلزلةْ

الطريقة السوريالية:
لنا الرملُ
خذْ يا صبيُّ التصحُّرَ، عُدّ الصبايا
وأنتَ تسوّقُ مبدأَ مِشطكَ
هنّ يرحبن بالمتشدّقِ:
لا فرقَ بيني وبينكِ إلا انتفاخُ القميصْ.
هربتَ من الوعدِ،
خضتَ بأوهام هذي القبيلةِ،
والكهفِ،
بيني وبينكَ ما بينَ بين،
وبينَ الصدامِ وسلمكَ،
أعشابُ أرضٍ تشابهُ كثّاً عريَّ الجبينْ
إليكَ السطوعُ الذي سوف يخبو،
إليكَ المرايا
وأنتَ تقلّمُ أغصانَ ظلّكَ،
في راحتيكَ الحدائقُ تحتاجُ أنْ تستفيقَ
لتهربَ رقتها من هناكَ
إذاً كيفَ أحلمُ؟
والطقسُ أدمنَ حتى اتعاظيَ
من هدأة البوقِ بعدَ النشورِ،
وكيفَ أعاودُ تدوينَ كُلّ المصاحفِ
والأصدقاءُ الذينَ تُخَبِّئُؤهمْ جارتي
قد توفّوا

وكيف أطرِّزُ عشقي بصنارةِ الصوفِ
حين السنانيرُ أضحتْ لصيدِ السمكْ

الطريقة الأرسطية:
من السوط تبني الحمامةُ عشَّ الخلافةِ،
تستلُّ هيأتها نائباً بانتخاب السيوفِ،
على ريشها نامَ تاجُ الوصايا
يزيحُ التزنّرَ بالفُلكِ،
بالعصمةِ الجدلية،
(نفيّ النفيْ).. (ثمّ نفيُ النفيْ)
ثمّ عودتُهُ للبلادِ،
وقد أوعزَ اللهُ للأرضِ
أنْ تُخرجَ الفلكَ من قرصناتِ الجباةِ،
ينطونَ بالحبلِ
أسمعُ منْ وقعهمْ
آيةَ الانزلاقِ إلى صدر طفلٍ
أحبَّ الفراشاتِ، والركضَ

ثمّ استثارتهُ حلوى البلادِ
وما ذاقتِ الأقحوانةُ طعمَ الندى
كمْ منَ الوقتِ مرَّ
ولم أُعتقِ العامَ من سيّدٍ
لا يحبُّ اقتناءَ الجواري
ولكنه الارتباطُ بإطعامِ هذا الحجيجِ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
أحبُّ اعتلاءَ العروشِ
لأني اعتليتُ الحمارَ
ولم تسقطِ الرغبةُ المشتهاةُ
دسستُ بهاراتِ فلفلِ أرضي
بإحدى مغاراتِ هذا الحمارِ
فَشُلّ اللجامُ
وأفلتَ ذيلُ الفتاوى
وأقسمَ مسرورُ
أنْ يُرديَ البحرَ ماءً
وأنْ يقطفَ الرغبةَ المشتهاةَ
ويقرفَ رأسي.


الطريقة الشائعة:
أنا أخرسٌ لا أجيدُ الكلامَ،
وأسئلةُ الكونِ تعقدُ قِمّتها
فوقَ (رأسٍ) بجسمي.
























سرى علوش

كحل أيلول

هكذا أمطرتْ
لم تكن وقتها تشبه العائدينَ
برائحة الحب فوق ثيابك،
أو بغيوم
ظننتك خبأتها لعيوني
ولكنها أمطرت
كحلُ أيلول فوق النوافذ
شكل السماء الجميل
الذي كان شكلك في داخلي
ليلُ شعرك فوق بياض القرنفل
منذ انتظرتك
كل النجّوم
التي سقطت من دمي
كلها رجعت
كنت مثل الرياح
يداعبني الورق المتساقط
من ذكرياتك فوقي
فاحمل وجهي
وأمضي
أفتش بين الأماكن
عن أي وقت أحبك فيه
فلا يعرف الآخرون
وعن شكل قلبي بدونك
كيما أجمع ما مات منه
ليكفي
أرمّمع بالكلام القليل الذي قلتهُ
بابتساماتهمْ
حين لم يبق منهم سواي
ولم يبق مني سواك
نفتش عن قبلة
ما وصلنا إليها
وعن نجمة أطفأت نفسها بينها
كدتُ أرمي على بحرك نفسها بينها
كدتُ أرمي على بحرك الليلكي
سلامي
ليسحبني الموجُ نحو عناقك
لكنّ شالاً من الرّمل
غطىّ خطاكَ التي ذهبتْ
هكذا...
مثلما تقسم الشمسُ قلبي
إلى اثنينَ... ضدّينِ
جئت مع الشمس
لا تشبه الآخرين بأحلامهم
غير أنّكَ
لوّنت نصف السماء المضيء
بأيلول صيفاً
فغامتْ
ولم يبق إلا مساءات آب
التي يبستْ
وقتها..
أذكر الآن...
كنتُ تيبست مثل الضباب
على جذع دمعي
ولم يبق إلا نسيمٌ رمادٌ من الغيم
بيني وبينك
كان الضباب
يعودُ على عجل نحونا
والستائر تفتح أهدابها
وأنا أشعل القلب بالورد
عوداً فعوداً
لتأتي قليلاً إلي
وأبصر في بقعة الضوء صوتك
لم تأت
كنت سأبكي كثيراً عليك
وأذهب
لكنّها أمطرت..!





























سمر علوش
صدر لها : يمام غريب 2004

هدهدات

ليس دمعاً،
فإن قليلاً من المطر اللؤلؤيِّ
يعلِّمُ سربَ صغارٍ من القطراتِ
التَّنزُّهَ في مقلتيّ.
ليس دمعاً،
فإن الغيومَ الحبيبةَ
تُمضي قليلاً من الوقتِ
بعد عناءِ شتاءٍ
على وجنتيّ.
لست أبكي،
فنمْ،
وتفقَّد غزالاتِ حلمكَ
قبلَ مرورِ الفراشاتِ
من بابِ أوقاتكَ السوسنيّةِ،
نم هانئاً يا بنيّ.
ليس دمعاً،
فإنَّ البلادَ على مايرامْ.
والعبادُ إذا شبَّ رأيٌ لهم
لا يضام.
والكثيرُ الكثيرُ من الأرجوانِ
الذي قد تراهُ
رذاذُ نبيذٍ على سندس الأرضِ
من كأس شمس الغروبِ،
فما من شهيدً وهذي البلاد لنا
من أقاصي الترابِ
إلى تاجها في الغمامْ.
هكذا.. هكذا
يحلم الطيبونَ،
ويسقون جنَّةَ أحلامهم
لتصيرَ البلادُ مروجَ سلامْ.
تستفيقُ العصافيرٌ يا ولدي
وهي مشتاقةٌ
لتناولِ وجبتِها من صباح السماءِ
على شاطىءٍ
قرب بيت الغيومِ،
تراها تطيرُ بزينة ريشاتها،
لاتخافُ براحلتها مطراً
أو ضبابْ.
ليست الشمسُ إلا سواراً من الدفءِ
تحرسها،
وترافق أحلامَها بندى بوحها الذهبيِّ،
وتنبِتُ أشواقَها شجراً
فوق وجه الترابْ.
غير أنَّ الظلام يمرُّ ،
ويحدثُ أنَّ يديهِ
تخبَّىءُ عنك الرؤى
بعض

oaddah
23/07/2006, 05:08
** أخـــي الفــاضــــل,,,,(( عاشق من فلسطين)),,,,:D

حــروف لهــا رونقهـــا المميــز,,,, وجمــال المعـانــــي,,,,

فقـد اتخــذت مجـراهــا الـى الأفئــدة وخــلايـا التفكيـــر,,,:D

فــعفـــوا لمـن ملكـــ هــذه الحـــروف,,, واختـار هــذه الكلمــات,,,

فـلا أستطيــع الاجـابــة عنهــاااا,,,,

لأننـــي بالتأكيــد أريــد مـن يتـأمــل معــي هــذه اللـوحــة الـراائعــة,,,,:D

والتـي تنــزف كلمـاتهــااا مــن ثنـايـاهـاااا الـى قلـوبنــاااا,,,,

ددمـــت عــزيــزي,,, ودااام نبــض قلمكـــ يحلــق فـي سمــاء ملتقــى,,,

تقبــل منــي تحيــة معطــرة بالمسكـــ والعنبــــر :D

achelious
08/08/2008, 16:38
المدرسة الاتباعية :
وتعرف باسم مدرسة البعث والإحياء الكلاسيكي. ومن أهم روادها : البارودي,أحمد شوقي ، بدوي الجبل ، محمد عبدالمطلب ، وحافظ إبراهيم ، وبشاره الخوري ، وشفيق جبري ، أحمد السقاف.
مع فروق فردية بين هؤلاء الشعراء تتوقف على ثقافتهم واستعدادهم ومدى حظهم من التجديد.
ومن ملامحها :
1 – تعدد المجالات ( السياسي – الاجتماعي – المجال الأدبي الوجداني المتعدد والفردي كالرثاء والمدح )
2 – ظهور المسرحية الشعرية على يد أحمد شوقي.
3 – لازال القديم والتقليد يغلبان على افكارها.
4 – نسق الافكار مرتب . وحملت كذلك سمات الاقناع الوجداني.
5 – ظهور شخصية الشعراء مع اختلاف في مدى ذلك بين شاعر وشاعر.
6 – تتميز الصور غالبا في الخيال الجزئي التفسيري الحسي.
7 – تعني في تعبيرها بالجزاله ومتانة السبك ، والصحه اللغوية مع شيء من الموسيقى الظاهره المتمثله بالمحسنات دون تكلف.
8 - عدم اكتمال الوحدة العضوية في هذه المدرسة فالبيت لايزال يمثل وحده مستقلة في القصيده.
9 – محافظتها التامة على وحدة الوزن والقافية.


مدرسة الابتداع " الرومانسية " :
وهي ثمرة اتصال العرب بالعالم الغربي, وظهرت لتكون تعبيرا صادقا عن الذاتيه ، والوجدان ، والشخصية الفنية المستقله ، ورفضها للنهج التقليدي السائد في مدرسة الاحياء الكلاسيكية. ومن روادها : مطران – أبو القاسم الشابي – ايليا ابي ماضي – عمر ابي ريشه – نزار قباني - فهد العسكر.

ومن ملامحها :
1 – الفرار من الواقع ، واللجوء للطبيعة ومناجاتها والتفاعل معها واستشراف عالم مثالي.
2 – تمتاز الافكار لدى شعراءها بالاصالة والتجديد والتحليق في عالم الفلسفة والعمق الوجداني.
3 – ظهور ذاتية الشاعر.
4 – يجنحون إلى الخيال إلى حد بعيد فالشعر عندهم لغة العاطفة والوجدان والخيال المحلق وخيالهم الجزئي فيه ابداع وطرافه.
5 – تمتاز هذه المدرسة بالصور الشعرية الممتده.
6 – التعبير يمتاز بالظلال والايحاء ولفظه حيه نابضه فيها رقه وعذوبه, كما يبدو التساهل اللغوي عند بعض شعراءهم وبخاصة شعراء المهجر.
7 – الوحدة العضوية بارزة في القصيدة ، حيث تسود وحدة المقطع لا وحدة البيت ووحدة الجو النفسي للقصيدة متناسقة مع مواقفها.
8 – لا يلتزم كثير من شعراءها بوحدة الوزن والقافية ، فقد تتنوع القافية بتنوع المقاطع وقد يلتزمون بنوع التفعيلة دون الالتزام بوحدة عددها.


مدرسة الشعر الجديد (الواقعية) :
وهي طريقة من التعبير عن نفسية الانسان المعاصر ، وقضاياه ، ونزوعاته ، وطموحه ، وآماله ، وقد ظهرت لعوامل متعدده منها الرد على المدرسة الابتداعية " الرومانسية" الممعنه في الهروب من الواقع إلى الطبيعة والى عوالم مثالية.
ومن روادها : ابتسام الصمادي – أحمد عبدالمعطي حجازي – ومحمد الفيتوري.

ومن ملامحها :
1 – الانسان فيها جوهر التجربه ، والانسان بمعاناته وحياته اليوميه وقضاياه النفسية والاجتماعية والسياسية.
2 – الجنوح إلى الاسطوره ، والرمز ، والتراث الشعبي ، والاشارات التاريخية.
3 – تأثره بروافد مسيحية وصوفية ووثنيه وابتداعية " رومانسية ".
4 – تعرية الزيف الاجتماعي والثورة على التخلف.
5 – الوحدة العضوية مكتملة ، فالقصيدة بناء شعوري متكامل يبدأ من نقطه بعينها ثم يأخذ بالنمو العضوي حتى يكتمل.
6 - قد يسير على وتيرة واحدة في الوزن والقافية ، او على نظام المقطوعات وشعر التفعيلة ، او قد لايسير على أي نمط محدد.
7 - ينقسم لقسمين :
أ – شعر واضح : يتحدث فيه الشاعر ببساطه وعفوية ولغة تقترب من للغة التخاطب اليومي. أحمد عصام ب – شعر سريالي"غير واضح " : ويتميز بالغموض ، والاغراق بالابهام والرمز والاسطورة ويستعصي الكثير منه على التحليل والتقويم والنقد بمقاييسنا المألوفة.


المرجع:كتاب الادب والنصوص تأليف : د. إبراهيم عبدالرحمن محمد – إبراهيم عابدين – أبو العينين محمد أبو العينين – محمد علي حسين.
مطلوب..الشاعر بطرس البستاني الشاعر سليمان العيسى
من ويكيبيديا
:D

achelious
09/08/2008, 17:08
في زخم الصراع وخضم المعارك بين الاتجاه الحديث في كتابة الشعر شكلاً ومضموناً،والاتجاه الى استلهام مضمون الشعر العربي الأصيل الموروث، واتخاذه قاعدة أساسية، ومرتكزاً أولياً يعتمد عليه شعراء الأصالة فيما يتناولون من صور التجديد، وعوامل التطوير، استجابة لمعطيات الحياة البشرية والتجارب الانسانية، يحلو الحديث ويطيب عن النبع الأول، والإرهاصات التي تمخض عنها شعر العربية منذ أن كان طفلاً وليدا يحبو حتى اشتد عوده، واستقام على سوقه.
وعلى الرغم من كثرة الدراسات والبحوث التي قام بها الباحثون من عرب ومستشرقين في محاولة لوضع نظرية تقترب من الحقيقة نوعاً ما حول البداية الأولى لنشأة الشعر العربي، فإنها لم تسفر عن نتيجة يطمئن إليها الباحث، ويركن إليها الدارس المعني بهذا الموضوع.

وكثيراً ما يتساءل بعض المهتمين بالشعر العربي ونشأته وتطوره عن الكيفية التي ولد بها هذا الشعر؟
وكيف نشأ؟
وما المراحل والخطوات التي مر بها وقطعها حتى استقام على تلك الطريقة الفنية المكتملة شكلاً ومضموناً، التي وجدناها في شعر أوس بن حجر، والمهلهل، وامرىء القيس، والنابغة الذبياني وزهير، وأضرابهم من شعراء الرعيل الأول في العصر الجاهلي؟

أوليات الشعر العربي
ليس من اليسير أن نضع أيدينا على أوليات الشعر العربي قبل أن يصل إلينا في صورته الحالية، لأن مرحلة الطفولة التي عاشها هذا الشعر وما زال يكتنفها الغموض، ويلفها ضباب كثيف، وهي فترة أهملها التاريخ المدون من ضمن ما أهمله من تاريخ العرب القديم لأسباب من أهمها:
- ندرة الكتابة في بلاد العرب آنذاك
- وشيوع الأمية
- والاعتماد على الذاكرة أو الحافظة في تلقي الأدب والأخبار.

ولا جرم ان هناك محاولات وإرهاصات أولية لنظم الشعر قبل أن يصل إلينا في صورته الحالية المكتملة وزنا وقافية وشكلاً ومضموناً، غير إن هذه المحاولات والإرهاصات ضاعت وسقطت من يد الزمن من ضمن ما ضاع من تراث العرب وأخبارهم قبل عصر التدوين والكتابة.

قال ابو عمرو بن العلاء(70-154هـ) الرواية المشهورة:" ما انتهى اليكم مما قالت العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافر لجاءكم علم وشعر كثير" (طبقات فحول الشعراء:25، ، والمزهر للسيوطي:30/474. )

ويعلل محمد بن سلام الجمحي(139-231هـ) ضياع شعر العرب بقوله:
"لما جاء الإسلام تشاغلت العرب عن الشعر، وتشاغلوا بالجهاد وغزو فارس والروم، ولهت عن الشعر وروايته. فلما كثر الإسلام، وجاءت الفتوح، واطمأنت العرب بالأمصار راجعوا رواية الشعر، فلم يؤولوا إلى ديوان مدون، ولا كتاب مكتوب، وألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل فحفظوا أقل ذلك، وذهب عليهم منه كثير" (طبقات فحول الشعر:25،والمزهر:2/473).

وقد حاول بعض الباحثين من قدامى( المزهر:2/474-476) ومحدثين( تاريخ الادب العربي لكارل بروكلمان :1/44) أن يزيحوا جانباً من الغموض حول أولية الشعر العربي، وبداية نشأته فوضعوا بعض النظريات والافتراضات التي يمكن أن تتخذ منطلقاً وقاعدة بحث لوضع تصور عن بداية الشعر العربي في عصوره المتقدمة في الجزيرة العربية.

(يتبع..:D)

achelious
11/08/2008, 18:44
فرأى بعضهم أن نشأة الشعر ارتبطت بحداء الإبل، وهو أن يغني لها صاحبها في أثناء سيرها بصوت منغوم حسن مرتفع، فتطرب، وتنشط في سيرها، وما زال الحداء في صورته الجاهلية القديمة معروفاً لدى القبائل التي تعيش في الصحراء وتقتني الإبل، ثم تطور الحداء إلى الرجز، لأنه أقرب إليه، وقد يكون الحداء في بعض صوره رجزاً نظراً لما بينهما من مشابهة في النغم وطريقة الإنشاد.

وقد حاول بعض المستشرقين المهتمين بدراسة الأدب العربي- مثل كارل بروكلمان (1285-1375هـ، 1868- 1956م) أن يستخلصوا من الملابسات المتشابهة عند الشعوب البدائية الأخرى نتائج يمكن تطبيقها على الحياة العربية، في محاولة لرسم نظرية لأولية الشعر العربي، حيث اعتبروا أن الأغاني القصيرة الخفيفة (الطقاطيق) قدر مشترك بين الشعوب البدائية، يرددها أفرادها عند القيام بعمل من الأعمال، أو مزاولة حرفة من الحرف، أو في أثناء السفر، لما لها من أثر سحري فعال في الحث على النشاط، واستنهاض الهمم والإقبال على العمل، او التعبير عن الحالات العاطفية والشعورية كالفرح والحزن
وكأن تلك الأغاني أو المقطوعات القصيرة هي الإرهاصة الأولى لنشأة الشعر وتطوره ليس عند العرب فقط، بل عند جميع الشعوب الشاعرة أو ذات الانتاج الشعري، كاليونان والرومان والفرس والهنود.
وهذه المقولة لا تخرج في مفهومها العام عن النظرية التي ذكرناها، وهي انبثاق الشعر من حداء الإبل.


ولا شك أن مقارنة أحوال العرب بأحوال أمم أخرى ومضاهاتها قد يفيد في مجال التنظير المجرد، ولكنه لا يسلم عند التطبيق من مظنة التعسف والاقتسار، ولا ينأى عن جادة الزلل والخطأ.

ويرى بعض الدارسين أن السجع كان البذرة الأولى لبداية الشعر
ثم تطور السجع إلى الرجز
ثم تحول الرجز إلى ذلك الشعر المنظوم على البحور الشعرية المعروفة التي استنبطها الخليل بن أحمد الفراهيدي(100-170هـ)
ولم يكن الرجز في العصر الجاهلي شائعاً، فلا توجد منه إلا الأبيات القليلة يقولها الراجز في حاجته ، ولم يكثر الشعراء منه إلا في العصر الأموي، حيث وجد رجاز تفرغوا له، منهم العجاج، وابنه رؤبة، وأبو المنجم العجلي، والزفيان السعدي، حتى سمي بحر الرجزبحمار الشعراء، لكثرة ما نظموا فيه.
:D

منقول