-
PDA

عرض كامل الموضوع : خورخي لويس بورخيس


yass
28/10/2004, 19:23
لا احد يستطيع تأليف كتاب. كي

يوجد كتاب حقا،

يلزمه الفجر والغروب، وقرونٌ

وحروب، والبحر الذي يفصل ويجمع.

هكذا فكّر اريوسطو الذي استسلم

للّذة البطيئة، في فراغ الدروب

بين انصاب الرخام المشرقة واشجار السرو السوداء،

لذّة الحلم مجددا بأحلام سابقة.

كان جوّ موطنه ايطاليا مشبعاً

بالاحلام التي حاكتها الذاكرة والنسيان

بأشكال الحرب التي انهكت الوطن

على مدى قرون قاسية.

وتاه فيلقٌ في اودية

أكيتين ، وسقط في كمين.

وهكذا ولد الحلم بسيف،

وبالبوق المدوّي في رونسيسالس .

وبسط الساكسوني الشرس

على بساتين انكلترا اوثانه وجيوشه.

وكانت حرب ضارية وقذرة،

ومن كل ذلك بقي حلم: آرثر.

ومن الجزر الشمالية حيث تظلل

شمس عمياء البحر، جاء الحلم

بعذراء نائمة في انتظار سيدها

خلف حلقة من نار.

لا احد يعرف ان كان من بلاد فارس او الارناسوس

جاء حلم الجواد المجنّح

الذي يستحثه في الاجواء ساحر مسلح

ثم اختفى في خواء الشفق.

وأبصر اريوسطو ممالك الارض

كأنه على متْن جواد الساحر،

وقد خدّدتها اعياد الحرب

والحبُّ الفتي المغامر.

وكما عبر ضبابة رقيقة ذهبية،

رأى في العالم حديقة تمد تخومها

الى حدائق اخرى خفية

من اجل عشق انجيليكا وميدورو .

وكمثل الاشراقات الوهمية

التي يرسمها الافيون على هُدب الهنديّ

تتوالى في اورلاندو الساخط اناشيد الهوى

في فوضى الالوان.

لم يكن يجهل الحب ولا السخرية.

فحلم هكذا في شكل متواضع

بالقصر الفريد حيث كل شيء

(كما في هذه الحياة) خدعة.

وكما يحدث لكل شاعر، وهبه الحظ

او القدر قسمة نادرة

فمضى يضرب في طرق فيرّارا

وفي الوقت عينه جاب القمر.

ومن نُفاية الاوهام، والطمي

الغامض الذي يخلفه نيل الاحلام،

صنع كبة الخيوط

لمتاهته البراقة.

الارض التي يدعمها الثور،

الثور الذي تدعمه سمكة، الطلاسم،

التعاويذ، والكلمات السحرية

التي تفتح في الصوان كهوف الذهب.

كل ذلك حلم به الشعب العربي

الذي كان يتعقب بيارق اغرامانت

كل ذلك، حلمت به وجوه غامضة

ذات عمائم، استولت في ما بعد على الغرب.

واورلاندو اليوم منطقة

زاهية، ومهجورة على امتداد اميال

من العجائب الباطلة والبريئة:

حلم لم يسبق لاحد قط ان حلم به.

حوّلتها المهارات الاسلامية

الى معرفة خالصة، ومجرد تاريخ،

وحيدة، تحلم بنفسها. (المجد هو ايضا احد اشكال النسيان).

عبر النافذة الشاحبة، كان ضوء

المساء الحائر يتلمس الكتاب مرة اخرى.

والذهب الذي يزهو به الغلاف، يلمع

حينا ويخبو حيناً.

وفي الغرفة المهجورة يسافر الكتابُ

الصامت في الزمن، مخلّفا وراءه

ساعات الفجر والليل،

وحياتي، هذه الحلم العجول.

خورخي لويس بورخيس

yass
28/10/2004, 19:28
تعقيب

قصيدة بورخيس هي امتداد لقصصه. الفرق في الوزن والقافية. فبورخيس قبل كل شيء هو رجل ادب. وادبه ولد من الادب عينه مثل غصن زاه وشاذ. وهو تحديد يكاد يختصر كل تحديد او تأويل. وعليه، نرى ان اريوسطو والعرب بنيت على ملحمة اورلاندو او رولان الساخط

Orlando Furioso لأريوسطو. وهذا الاخير بنى ملحمته ايضا على ملحمة اورلاندو العاشق ِِِOrlando Amoraso لمواطنه ماريا ماتييو بواردو (1441- 1494). كما بنى هذا الاخير ملحمته ايضا على انشودة رولان La Chanson de Roland الملحمة الشعرية الوطنية الفرنسية في القرن الثاني عشر.

اذن لفهم قصيدة بورخيس يجب الالمام بتلك الملاحم. وهنا اضاءات تساعدنا على ذلك.

يُعد لودويكو أريوسطو (1474-1533) من كبار شعراء ايطاليا الذين برعوا في نظم الملاحم والمقطوعات الغنائية. قضى شبابه في بلاط فيرّارا، ثم في خدمة كاردينال است ودوق فيرّارا. نظم اولى ملاحمه اورلاندو الساخط عام 1532 ليمجد اسرة است مقلّدا رجيل الشاعر الروماني الذي نظم الانيادة تكريما لأسرة يوليوس. وكان لعمله هذا من الشهرة ما حجب ذكر ينبوعه.

تبدأ ملحمة اريوسطو بتنازع فارسين من اقوى واشجع فرسان شارلمان على اجتذاب قلب انجيليكا ابنة امبراطور كاتاي. وكان جاء بها اورلاندو الى فرنسا على امل ان يستميلها اليه. فكان فارسا آخر نسيبا له في معسكر شارلمان هو رينو دو مونتوبون اغرم بها ايضا. ومضى ينافسه على التقرب منها. في هذه الاثناء كان شارلمان يستعد لشن حرب ضد العراق. فأوكل امر انجيليكا التي كانت في رعايته الى دوق بايير. لكن الاميرة تمكنت من الفرار. فوقعت اسيرة في ايدي القراصنة الذين اطلقوها في احدى الجزر طعاماً للأركة (جنس دلافين كبيرة). فلمحها الفارس روجيه من على ظهر الهيوغريف (حيوان خرافي مجنح) فهبّ لنجدتها. وفي الوقت الذي كادت انجيليكا تكلف بهذا الفارس المنقذ، حصلت منه على الخاتم السحري الذي يجعل المرء غير مرئي. وكان سلمها اياه على غفلة منه. فأغرتها نفسها اذذاك بالعودة الى وطنها. وفي طريقها صادفت في ضواحي باريس الفارس العربي ميدورو، وهو يتألم من جروحه. فعنيت به، وكان حبها الكبير.

اما اورلاندو الذي كان يبحث عن انجيليكا بعد فرارها فانتهى الى الغابة التي لجأ اليها العاشقان، فشاهد اسميهما متشابكين على اغصان الاشجار والصخور، فجن جنونه وانطلق عاريا والغضب يتأكله وراح يدمّر ويتلف الحقول.

هذا في الاسطورة. اما في الحقيقة. فأورلاندو كان ضابطا في جيش شارلمان الذي توجه لغزو اسبانيا سنة 778، وقتل في معركة وقعت عند ممرّ رونسيسالس (رونسيو)، وهي بلدة في واد مشجّر من جبال اليرينيه. قتله الاسكون (أو الباسك) سكان تلك المنطقة بعد دحرهم جيش شرلمان شرّ دحور وتقطيع اوصاله. لكن الاسطورة تنقل المعركة الى ارض اخرى، وتجعل الاعداء هم العرب، وتبالغ في الأحداث وفي شجاعة البطل اورلاندو
---------------------------------------

القصيدة و التعقيب من جريدة النهار ـ بيروت