شب الكوبة
24/08/2008, 00:02
الغرض :
ليس الغرض أن نثبت أفضلية الشيعة، أو فضلهم بكثرة عددهم، وانتشارهم في البلدان، وأكثريتهم في بعضها. لأن الكثرة لا تكشف عن الحق، والقلة لا تدل على الضلال، وقديماً قيل «إن الكرام قليل» وقال أمير المؤمنين الذي يدور الحق معه كيفما دار : «لا تزيدني كثرة الناس حولي عزة، ولا تفرقهم عني وحشة». ولو كانت الكثرة تغني عن الحق شيئاً لكانت الطوائف غير الإسلامية أفضل ديناً، وأصح عقيدة من المسلمين، وإنما الغرض الأول أن نثبت أن الشيعة كسائر الفرق والطوائف التي لها كيانها وتأثيرها بغض النظر عن أن عقيدتها صحيحة أو زائفة. وأن الذين يتجاهلون وجودها، وينظرون إليها كفئة قليلة يمكن استئصالها، كالحفناوي ومحب الدين الخطيب، ان هؤلاء بعيدون عن الواقع كل البعد، ولا يعبّرون إلا عن رغباتهم وأحلامهم. إن القضاء على الشيعة لن يكون إلا بالقضاء على جميع المسلمين، ولن يكون ذلك، حتى لا يبقى على وجه الأرض ديار.
الدين والدولة :
كانت الدول فيما مضى - شرقية كانت أم غربية - تقوم على أساس الدين، فتخول لنفسها حق التدخل في شؤون الإنسان الداخلية والخارجية، لأنها نائبة عن اللّه. ومن هنا كانت تعامل الناس على أساس أديانهم ومعتقداتهم، لا على المؤهلات العلمية والخلقية، فتحابي أبناء دينها، وتضطهد الآخرين، او تتجاهل وجودهم كرعايا ومواطنين. ومحال أن تسير مثل هذه الدول على سبيل العدل والمساواة، ويكون لها مبادئ عامة تطبقها على الجميع دون امتيازات واختصاصات إلا إذا انسلخت كلية عن الدين، أو كان من دينها عدم الفرق والتفاوت بين الأديان. وحينئذ لا تكون دينية بالمعنى المألوف المعروف بين الناس.
بل رأينا رؤساء الدول في هذا العصر يحابون أبناء ملتهم، ويرفعونهم فوق الناس والأجناس، وفي الوقت نفسه يدعون بأنهم حكام زمنيون، لا تمت دولاتهم وحكوماتهم بسبب إلى مذهب أو دين. رأينا كيف قامت قيامة الدول المسيحية في أميركا وأوربا، حين قتل مسيحي في أقصى الأرض أو أدناها، حتى ولو كان القتل لسبب مشروع. وكيف حشدت تلك الدول صحفها وإذاعاتها بالاحتجاج والضجيج. وكيف تجاهلت مذبحة العرب في فلسطين على أيدي اليهود، والدماء التي أجرتها فرنسا أنهراً في الجزائر. إن مجرد وصف الدولة، أية دولة بأنها دينية معناه التحيز، وعدم التحرر، وتفضيل بعض الأديان على بعض حتى ولو لم تقم على أساس الدين، وينص دستورها على أنها دينية. أجل، قد تكون بعض الدول أكثر تسامحاً من غيرها، ولكنها لا تتخلى كلية عن المحاباة، فالامتياز موجود في الحالين، وعند الدولتين، وإن اختلف في الشدة والضعف.
عدد الشيعة :
ومن هنا كان التفاوت في عدد الشيعة والسنة قلة وكثرة حسب الدول القائمة الحاكمة ديناً ومذهباً، ففي عهد الأمويين والعباسيين كان السنة أكثر عدداً من الشيعة، وفي عهد البويهيين والفاطميين كانت الكثرة في جانب الشيعة، وفي عهد السلجوقيين والأيوبيين والعثمانيين ازداد عدد السنة، حتى أصبحوا على تعاقب الأجيال والقرون أضعاف عدد الشيعة، قال السيد محسن الأمين في الجزء الأول من أعيان الشيعة :
«ما زال التشيع يفشو ويقل، ويظهر ويختفي، ويوجد ويعدم في بلاد الإسلام على التناوب، وغيره بحسب تعاقب الدول الغاشمة وغيرها، وتشددها وتساهلها، حتى أصبح عدد الشيعة اليوم في انحاء المعمورة يناهز الخمسة والسبعين مليوناً(1) منها نحو اثنين وثلاثين مليوناً في الهند، ونحو خمسة عشر مليوناً في إيران،
_____________________
(1) قال الأستاذ حسن الأمين ابن المؤلف معلقاً على قول أبيه : كان هذا يوم تأليف الكتاب،(....)، والعدد اليوم أكثر من ذلك بكثير.
ونحو عشرة ملايين في روسيا وتركستان، ونحو خمسة ملايين في اليمن، ونحو مليونين ونصف في العراق، ونحو مليون ونصف في بخارى والأفغان، ونحو مليون في سوريا ومصر والحجاز، ونحو سبعة ملايين في الصين والتبت والصومال وجاوى، ونحو مليون في البانيا وتركيا، ومرادنا بشيعة الهند وسوريا خصوص الإمامية غير الإسماعيلية الآغاخانية، وبشيعة اليمن ما يعم الزيدية والاثني عشرية، وبشيعة الألبان غير البكتاشية».
وغريب حقاً أن يكون للشيعة هذا العدد بعد أن ظلوا هدفاً لاضطهاد الحكومات مئات السنين، وتعرضوا لموجات من تعصب إخوانهم السنة في كثير من البلدان والأزمان، (.......) ونذكر هنا مثلاً واحداً مما جاء في كتب السير والتاريخ(1) لتعصب السنة ضد الشيعة:
نقل ياقوت في معجمه أنه في سنة 617 هجري مرّ على مدينة الري فوجد أكثرها خراباً، ولما سأل بعض عقلائها عن السبب أجاب بأنه كان في المدينة ثلاث طوائف : شيعة وأحناف وشافعية، فتظاهر الأحناف والشافعية على الشيعة، وتطاولت بينهم الحروب، حتى لم يتركوا من الشيعة إلا من نجا بنفسه. ثم وقعت الحرب بين الأحناف والشافعية. فتغلب هؤلاء على أولئك. وهذا الخراب هو في ديار الشيعة والأحناف فقط.
وتدلنا هذه الحادثة على أن التعصب كان بين مذاهب السنة ضد بعضها البعض تماماً، كما كان بين السنة والشيعة، ولكن الجميع يد واحدة على العدو المشترك.
من بلدان الشيعة :
ليس لدي من المصادر لبلدان الشيعة سوى كتاب الأعيان للسيد الأمين، وتاريخ الشيعة للشيخ المظفر، وهما - كما رأيتُ - غير كافيين، ولذا جعلت العنوان «من بلدان الشيعة» :
_____________________
(1) انظر المجلد الثامن من المنتظم لابن الجوزي. وحوادث سنة 401 و406 و408 و443 و444 من الكامل لابن الأثير.
العراق :
قال الشيخ المظفر : إن جنوب العراق شيعة، ولئن وجد الخليط في بعض بلاده فلا يكون إلا أفراداً قلائل، ويشمل الجنوب الكوت، والعمارة، والغراف، وما سواها من بلاد دجلة، وأيضاً يشمل السماوة والديوانية والناصرية، وما سواها من بلاد الفرات.
أما البلاد الشمالية فسكانها على العموم من أهل السنة إلا أن الشيعة فيها ليسوا بالقليل.
أما البلاد الوسطى كالحلة فهي شيعة خالصة سوى أفراد معدودين في نفس القصبة، ولواء بغداد أكثريته من الشيعة، ومثله لواء ديالى، بعكس لواء الديلم، ومع هذا فالشيعة فيه غير قليل، وعليه فالعراق اليوم سبعة من ألويته شيعة، وفيها شعوب من غيرهم، وخمسة سنة، وفيها خليط من الشيعة، ولواءان مختلطان يغلب عليهما التشيع، هذا ما يعرفه المستقرئ لبلاد العراق(1).
إيران :
وهي أسبق البلاد الإسلامية - غير العربية - إلى التشيع، فقد دخلها المذهب في عصر الحجاج سنة 83 هجري كما قدمنا، وعملت على نشره وإعزازه بشتى الوسائل، وشيدت حضرات الأئمة وطلت قبابها بالذهب الإبريز، وملأت خزائنها بالثمين والنفيس من المعادن والجواهر.
الأفغان :
وكانت جزءاً من مملكة إيران في عهد الصفويين، وهي الآن من البلدان المستقلة المحايدة، قال السيد الأمين في الأعيان :
«انتشر التشيع في الأفغان في عهد الملوك الصفوية، وعينوا مدرسين ومشايخ إسلام في مدنها الهامة، مثل هرات وكابل وقندهار وغيرها، وكان الشيخ حسين
_____________________
(1) المؤلف الشيخ محمد الحسين المظفر من علماء النجف، وهو أعرف بهذه الإحصاءات من غيره، وقد ألف كتابه تاريخ الشيعة سنة 1352 هجري، وعلى هذا يكون عدد الشيعة في العراق أكثر بكثير مما قاله السيد الأمين في أعيانه.
ابن عبد الصمد العاملي والد الشيخ البهائي معيناً شيخ الإسلام في هرات، والآن لا يخلو بلد من بلاد الأفغان من الشيعة، ولكن عددهم غير معلوم على التحقيق إلا أن فيهم كثرة لا يستهان بها تقدر بنحو 400 ألف. وفيهم جماعة من أهل العلم يتعلمون في مدرسة النجف الأشرف».
أذربيجان :
ومن مدنها تبريز وخوي وسلماس وأرمية وأردبيل ومرثد، وفي كتاب مراصد الإطلاع أن فيها قلاعاً كثيرة، وخيرات واسعة، قال صاحب الأعيان :
وأهلها اليوم كلهم شيعة ما عدا بعض أهل أرمية، والظاهر أن تشيعهم من عهد الصفويين، وهي داخلة اليوم في مملكة إيران.
الآستانة :
كانت عاصمة العثمانيين الذين انقرض سلطانهم بعد الحرب العالمية الأولى، قال السيد الأمين: فيها عدد كثير من الشيعة هاجروا إليها من إيران، ومن ترك أذربيجان، وهم أهل تجارة وكد وعمل وثروة وتمسك بالدين، يقيمون العزاء لسيد الشهداء، ولا سيما في عشر المحرم، ويعملون الشبيه، ثم يخرجون في الشوارع، وكانت الدولة العثمانية تمنحهم الحرية التامة، وتحافظ عليهم، أما اليوم فيقتصرون على إقامة العزاء فقط.
البحرين والأحساء والقطيف وقطر :
إن تشيع أهل البحرين وقصباتها مثل القطيف والأحساء شائع منذ عهد الصحابة، والسر أن النبي (ص) بعث والياً عليها إبان بن سعيد بن العاص الأموي، وكان إبان من الموالين لعلي والمتخلفين عن بيعة أبي بكر، ثم صار عاملاً عليها عمر بن أبي سلمة، وأمه أم سلمة، زوجة رسول اللّه، وفي عهد أمير المؤمنين ولى عليها معبد بن العباس بن عبد المطلب، فغرس هؤلاء الولاة التشيع في أهل البحرين، وأول جمعة أقيمت في الإسلام بعد المدينة كانت في البحرين (أعيان الشيعة ج 1).
وقال الشيخ المظفر في «تاريخ الشيعة» : «حاول عبد الملك أن يحمل أهل البحرين على مفارقة التشيع فأبوا، وأراد أن يستعمل القوة فخاف بأسهم، فصالحهم على نزع السلاح، وأن يرفع عنهم الخراج لقاء ذلك، وداموا على التشيع لا يخشون سلطة حاكم، ولا يرهبون من التصريح به سطوة ظالم، وكان فيها كثير من العلماء والأفاضل والشعراء.
أما القطيف فهي شيعة خالصة، وأما الأحساء فالشيعة يشاطرون غيرهم، كما أن في قطر كثير من الشيعة(1) ولا يزال من هذه البلاد في النجف الأشرف مهاجرون، لتحصيل علم أهل البيت (ع)، وفيها اليوم جماعة من أهل الفضل، وكانت هذه البلاد ممتحنة بسلطة آل عثمان، ولما انتزعها منهم ابن سعود كانت محنتهم أشد».
ومن الخير أن نذكر بهذه المناسبة أن المرحوم السيد محسن الأمين العاملي ألف كتاباً قيماً على أثر هدم السعوديين قبور أئمة البقيع، أسماه «كشف الارتياب» استقصى فيه تاريخ الوهابيين منذ نشأتهم، حتى يومه رحمة اللّه عليه.
جبل عامل :
ويسمى جبل الجليل، وجبل الخليل، وأهله أقدم الناس في التشيع لم يسبقهم إليه إلا بعض أهل المدينة. ومن نظر إلى هذا الجبل وتاريخه نظرة تأمل وإمعان أخذته الدهشة لنشاط أهله وجهادهم في سبيل العلم والدين والحياة منذ القديم، حتى اليوم على الرغم من فقرهم، وقلة عددهم، وما توالى عليهم من الظلم والاضطهاد. (......)
_____________________
وقال الدكتور حتي في «لبنان في التاريخ» ص 498 طبعة 1959(1) :
«إن حجباً كثيفة تحجب عنا حياة الشيعة في لبنان، ولكن من وراء هذه الحجب تبرز أمامنا ناحية مشرقة، لها مغزاها البعيد(2) وتدل على أن هذه الجالية لم تقطع أسباب العلم، بل احتفظت به على صعيد عالٍ عند منصرم القرن السادس عشر، عندما جعل الشاه إسماعيل مؤسس الدولة الصفوية في إيران دين الدولة الرسمي المذهب الشيعي، وجد أنه من العسير أن يوفر للناس أئمة يعلمونهم حقيقة المعتقد، ويرسخون مبادئه في نفوسهم. ووجد أيضاً أن الكتب غير متوافرة، فعمد إلى ملء الفراغ باستحضار علماء الشيعة من لبنان - أي من جبل
عامل - وقد غادر لبنان جمهور من أولئك العلماء، وذهبوا إلى إيران بدعوة أو بغير دعوة، وقد كان من جملة من ذهب حسين العاملي الذي غادر جبل عامل عندما قتل الأتراك أستاذه زين الدين الذي أصبح يعرف بين قومه بالشهيد الثاني.
وكان الشهيد الأول شمس الدين العاملي الذي قتل في دمشق سنة 1384 م بموجب فتويين أصدرهما القاضي المالكي، والقاضي الشافعي، وكان حسين قد أخذ معه ابنه الأصغر بهاء الدين العاملي - الشيخ البهائي - وقد فاق أباه علماً وشهرة، فإنه كان فقيهاً وفيلسوفاً وعالماً في الرياضيات، وقد رفع إلى رتبة شيخ الإسلام حيث كان من ألمع الشخصيات في بلاط الشاه عباس».
بعلبك :
قال السيد الأمين : لا يعلم مبدأ التشيع في بعلبك، وكان يغلب عليها التسنن، وفي أيام الحرافشة غلب التشيع على أهلها.
وقال الشيخ المظفر : هي اليوم مع سائر قراها وضواحيها تعد من بلاد الشيعة الشهيرة بالتشيع، وشيعتها تناهز الشيعة في جبل عامل كثرة(1) غير أنها لا تضاهيها في المعارف الدينية، فإنه لا يزال في النجف الأشرف من العامليين المهاجرين لطلب العلم ما يناهز الثمانين طالباً. ولا يوجد من البلاد البعلبكية أكثر من اثنين أو ثلاثة».
جبل لبنان :
ويحده شمالاً طرابلس، وجنوباً جبل عامل، وغرباً بيروت والبحر، وشرقاً بعلبك والبقاع، ويدخل فيه كسروان وضواحي بيروت، وهي برج البراجنة، وبرج حمود، والغبيري، والشياح، ويربو عدد الشيعة في بيروت وضواحيها وكسروان على 150 ألفاً، أما عددهم في مجموع لبنان فلا يقل عن نصف مليون، ولشيعة جبل لبنان نائبان في البرلمان ولشيعة بيروت نائب واحد.
_____________________
ليس الغرض أن نثبت أفضلية الشيعة، أو فضلهم بكثرة عددهم، وانتشارهم في البلدان، وأكثريتهم في بعضها. لأن الكثرة لا تكشف عن الحق، والقلة لا تدل على الضلال، وقديماً قيل «إن الكرام قليل» وقال أمير المؤمنين الذي يدور الحق معه كيفما دار : «لا تزيدني كثرة الناس حولي عزة، ولا تفرقهم عني وحشة». ولو كانت الكثرة تغني عن الحق شيئاً لكانت الطوائف غير الإسلامية أفضل ديناً، وأصح عقيدة من المسلمين، وإنما الغرض الأول أن نثبت أن الشيعة كسائر الفرق والطوائف التي لها كيانها وتأثيرها بغض النظر عن أن عقيدتها صحيحة أو زائفة. وأن الذين يتجاهلون وجودها، وينظرون إليها كفئة قليلة يمكن استئصالها، كالحفناوي ومحب الدين الخطيب، ان هؤلاء بعيدون عن الواقع كل البعد، ولا يعبّرون إلا عن رغباتهم وأحلامهم. إن القضاء على الشيعة لن يكون إلا بالقضاء على جميع المسلمين، ولن يكون ذلك، حتى لا يبقى على وجه الأرض ديار.
الدين والدولة :
كانت الدول فيما مضى - شرقية كانت أم غربية - تقوم على أساس الدين، فتخول لنفسها حق التدخل في شؤون الإنسان الداخلية والخارجية، لأنها نائبة عن اللّه. ومن هنا كانت تعامل الناس على أساس أديانهم ومعتقداتهم، لا على المؤهلات العلمية والخلقية، فتحابي أبناء دينها، وتضطهد الآخرين، او تتجاهل وجودهم كرعايا ومواطنين. ومحال أن تسير مثل هذه الدول على سبيل العدل والمساواة، ويكون لها مبادئ عامة تطبقها على الجميع دون امتيازات واختصاصات إلا إذا انسلخت كلية عن الدين، أو كان من دينها عدم الفرق والتفاوت بين الأديان. وحينئذ لا تكون دينية بالمعنى المألوف المعروف بين الناس.
بل رأينا رؤساء الدول في هذا العصر يحابون أبناء ملتهم، ويرفعونهم فوق الناس والأجناس، وفي الوقت نفسه يدعون بأنهم حكام زمنيون، لا تمت دولاتهم وحكوماتهم بسبب إلى مذهب أو دين. رأينا كيف قامت قيامة الدول المسيحية في أميركا وأوربا، حين قتل مسيحي في أقصى الأرض أو أدناها، حتى ولو كان القتل لسبب مشروع. وكيف حشدت تلك الدول صحفها وإذاعاتها بالاحتجاج والضجيج. وكيف تجاهلت مذبحة العرب في فلسطين على أيدي اليهود، والدماء التي أجرتها فرنسا أنهراً في الجزائر. إن مجرد وصف الدولة، أية دولة بأنها دينية معناه التحيز، وعدم التحرر، وتفضيل بعض الأديان على بعض حتى ولو لم تقم على أساس الدين، وينص دستورها على أنها دينية. أجل، قد تكون بعض الدول أكثر تسامحاً من غيرها، ولكنها لا تتخلى كلية عن المحاباة، فالامتياز موجود في الحالين، وعند الدولتين، وإن اختلف في الشدة والضعف.
عدد الشيعة :
ومن هنا كان التفاوت في عدد الشيعة والسنة قلة وكثرة حسب الدول القائمة الحاكمة ديناً ومذهباً، ففي عهد الأمويين والعباسيين كان السنة أكثر عدداً من الشيعة، وفي عهد البويهيين والفاطميين كانت الكثرة في جانب الشيعة، وفي عهد السلجوقيين والأيوبيين والعثمانيين ازداد عدد السنة، حتى أصبحوا على تعاقب الأجيال والقرون أضعاف عدد الشيعة، قال السيد محسن الأمين في الجزء الأول من أعيان الشيعة :
«ما زال التشيع يفشو ويقل، ويظهر ويختفي، ويوجد ويعدم في بلاد الإسلام على التناوب، وغيره بحسب تعاقب الدول الغاشمة وغيرها، وتشددها وتساهلها، حتى أصبح عدد الشيعة اليوم في انحاء المعمورة يناهز الخمسة والسبعين مليوناً(1) منها نحو اثنين وثلاثين مليوناً في الهند، ونحو خمسة عشر مليوناً في إيران،
_____________________
(1) قال الأستاذ حسن الأمين ابن المؤلف معلقاً على قول أبيه : كان هذا يوم تأليف الكتاب،(....)، والعدد اليوم أكثر من ذلك بكثير.
ونحو عشرة ملايين في روسيا وتركستان، ونحو خمسة ملايين في اليمن، ونحو مليونين ونصف في العراق، ونحو مليون ونصف في بخارى والأفغان، ونحو مليون في سوريا ومصر والحجاز، ونحو سبعة ملايين في الصين والتبت والصومال وجاوى، ونحو مليون في البانيا وتركيا، ومرادنا بشيعة الهند وسوريا خصوص الإمامية غير الإسماعيلية الآغاخانية، وبشيعة اليمن ما يعم الزيدية والاثني عشرية، وبشيعة الألبان غير البكتاشية».
وغريب حقاً أن يكون للشيعة هذا العدد بعد أن ظلوا هدفاً لاضطهاد الحكومات مئات السنين، وتعرضوا لموجات من تعصب إخوانهم السنة في كثير من البلدان والأزمان، (.......) ونذكر هنا مثلاً واحداً مما جاء في كتب السير والتاريخ(1) لتعصب السنة ضد الشيعة:
نقل ياقوت في معجمه أنه في سنة 617 هجري مرّ على مدينة الري فوجد أكثرها خراباً، ولما سأل بعض عقلائها عن السبب أجاب بأنه كان في المدينة ثلاث طوائف : شيعة وأحناف وشافعية، فتظاهر الأحناف والشافعية على الشيعة، وتطاولت بينهم الحروب، حتى لم يتركوا من الشيعة إلا من نجا بنفسه. ثم وقعت الحرب بين الأحناف والشافعية. فتغلب هؤلاء على أولئك. وهذا الخراب هو في ديار الشيعة والأحناف فقط.
وتدلنا هذه الحادثة على أن التعصب كان بين مذاهب السنة ضد بعضها البعض تماماً، كما كان بين السنة والشيعة، ولكن الجميع يد واحدة على العدو المشترك.
من بلدان الشيعة :
ليس لدي من المصادر لبلدان الشيعة سوى كتاب الأعيان للسيد الأمين، وتاريخ الشيعة للشيخ المظفر، وهما - كما رأيتُ - غير كافيين، ولذا جعلت العنوان «من بلدان الشيعة» :
_____________________
(1) انظر المجلد الثامن من المنتظم لابن الجوزي. وحوادث سنة 401 و406 و408 و443 و444 من الكامل لابن الأثير.
العراق :
قال الشيخ المظفر : إن جنوب العراق شيعة، ولئن وجد الخليط في بعض بلاده فلا يكون إلا أفراداً قلائل، ويشمل الجنوب الكوت، والعمارة، والغراف، وما سواها من بلاد دجلة، وأيضاً يشمل السماوة والديوانية والناصرية، وما سواها من بلاد الفرات.
أما البلاد الشمالية فسكانها على العموم من أهل السنة إلا أن الشيعة فيها ليسوا بالقليل.
أما البلاد الوسطى كالحلة فهي شيعة خالصة سوى أفراد معدودين في نفس القصبة، ولواء بغداد أكثريته من الشيعة، ومثله لواء ديالى، بعكس لواء الديلم، ومع هذا فالشيعة فيه غير قليل، وعليه فالعراق اليوم سبعة من ألويته شيعة، وفيها شعوب من غيرهم، وخمسة سنة، وفيها خليط من الشيعة، ولواءان مختلطان يغلب عليهما التشيع، هذا ما يعرفه المستقرئ لبلاد العراق(1).
إيران :
وهي أسبق البلاد الإسلامية - غير العربية - إلى التشيع، فقد دخلها المذهب في عصر الحجاج سنة 83 هجري كما قدمنا، وعملت على نشره وإعزازه بشتى الوسائل، وشيدت حضرات الأئمة وطلت قبابها بالذهب الإبريز، وملأت خزائنها بالثمين والنفيس من المعادن والجواهر.
الأفغان :
وكانت جزءاً من مملكة إيران في عهد الصفويين، وهي الآن من البلدان المستقلة المحايدة، قال السيد الأمين في الأعيان :
«انتشر التشيع في الأفغان في عهد الملوك الصفوية، وعينوا مدرسين ومشايخ إسلام في مدنها الهامة، مثل هرات وكابل وقندهار وغيرها، وكان الشيخ حسين
_____________________
(1) المؤلف الشيخ محمد الحسين المظفر من علماء النجف، وهو أعرف بهذه الإحصاءات من غيره، وقد ألف كتابه تاريخ الشيعة سنة 1352 هجري، وعلى هذا يكون عدد الشيعة في العراق أكثر بكثير مما قاله السيد الأمين في أعيانه.
ابن عبد الصمد العاملي والد الشيخ البهائي معيناً شيخ الإسلام في هرات، والآن لا يخلو بلد من بلاد الأفغان من الشيعة، ولكن عددهم غير معلوم على التحقيق إلا أن فيهم كثرة لا يستهان بها تقدر بنحو 400 ألف. وفيهم جماعة من أهل العلم يتعلمون في مدرسة النجف الأشرف».
أذربيجان :
ومن مدنها تبريز وخوي وسلماس وأرمية وأردبيل ومرثد، وفي كتاب مراصد الإطلاع أن فيها قلاعاً كثيرة، وخيرات واسعة، قال صاحب الأعيان :
وأهلها اليوم كلهم شيعة ما عدا بعض أهل أرمية، والظاهر أن تشيعهم من عهد الصفويين، وهي داخلة اليوم في مملكة إيران.
الآستانة :
كانت عاصمة العثمانيين الذين انقرض سلطانهم بعد الحرب العالمية الأولى، قال السيد الأمين: فيها عدد كثير من الشيعة هاجروا إليها من إيران، ومن ترك أذربيجان، وهم أهل تجارة وكد وعمل وثروة وتمسك بالدين، يقيمون العزاء لسيد الشهداء، ولا سيما في عشر المحرم، ويعملون الشبيه، ثم يخرجون في الشوارع، وكانت الدولة العثمانية تمنحهم الحرية التامة، وتحافظ عليهم، أما اليوم فيقتصرون على إقامة العزاء فقط.
البحرين والأحساء والقطيف وقطر :
إن تشيع أهل البحرين وقصباتها مثل القطيف والأحساء شائع منذ عهد الصحابة، والسر أن النبي (ص) بعث والياً عليها إبان بن سعيد بن العاص الأموي، وكان إبان من الموالين لعلي والمتخلفين عن بيعة أبي بكر، ثم صار عاملاً عليها عمر بن أبي سلمة، وأمه أم سلمة، زوجة رسول اللّه، وفي عهد أمير المؤمنين ولى عليها معبد بن العباس بن عبد المطلب، فغرس هؤلاء الولاة التشيع في أهل البحرين، وأول جمعة أقيمت في الإسلام بعد المدينة كانت في البحرين (أعيان الشيعة ج 1).
وقال الشيخ المظفر في «تاريخ الشيعة» : «حاول عبد الملك أن يحمل أهل البحرين على مفارقة التشيع فأبوا، وأراد أن يستعمل القوة فخاف بأسهم، فصالحهم على نزع السلاح، وأن يرفع عنهم الخراج لقاء ذلك، وداموا على التشيع لا يخشون سلطة حاكم، ولا يرهبون من التصريح به سطوة ظالم، وكان فيها كثير من العلماء والأفاضل والشعراء.
أما القطيف فهي شيعة خالصة، وأما الأحساء فالشيعة يشاطرون غيرهم، كما أن في قطر كثير من الشيعة(1) ولا يزال من هذه البلاد في النجف الأشرف مهاجرون، لتحصيل علم أهل البيت (ع)، وفيها اليوم جماعة من أهل الفضل، وكانت هذه البلاد ممتحنة بسلطة آل عثمان، ولما انتزعها منهم ابن سعود كانت محنتهم أشد».
ومن الخير أن نذكر بهذه المناسبة أن المرحوم السيد محسن الأمين العاملي ألف كتاباً قيماً على أثر هدم السعوديين قبور أئمة البقيع، أسماه «كشف الارتياب» استقصى فيه تاريخ الوهابيين منذ نشأتهم، حتى يومه رحمة اللّه عليه.
جبل عامل :
ويسمى جبل الجليل، وجبل الخليل، وأهله أقدم الناس في التشيع لم يسبقهم إليه إلا بعض أهل المدينة. ومن نظر إلى هذا الجبل وتاريخه نظرة تأمل وإمعان أخذته الدهشة لنشاط أهله وجهادهم في سبيل العلم والدين والحياة منذ القديم، حتى اليوم على الرغم من فقرهم، وقلة عددهم، وما توالى عليهم من الظلم والاضطهاد. (......)
_____________________
وقال الدكتور حتي في «لبنان في التاريخ» ص 498 طبعة 1959(1) :
«إن حجباً كثيفة تحجب عنا حياة الشيعة في لبنان، ولكن من وراء هذه الحجب تبرز أمامنا ناحية مشرقة، لها مغزاها البعيد(2) وتدل على أن هذه الجالية لم تقطع أسباب العلم، بل احتفظت به على صعيد عالٍ عند منصرم القرن السادس عشر، عندما جعل الشاه إسماعيل مؤسس الدولة الصفوية في إيران دين الدولة الرسمي المذهب الشيعي، وجد أنه من العسير أن يوفر للناس أئمة يعلمونهم حقيقة المعتقد، ويرسخون مبادئه في نفوسهم. ووجد أيضاً أن الكتب غير متوافرة، فعمد إلى ملء الفراغ باستحضار علماء الشيعة من لبنان - أي من جبل
عامل - وقد غادر لبنان جمهور من أولئك العلماء، وذهبوا إلى إيران بدعوة أو بغير دعوة، وقد كان من جملة من ذهب حسين العاملي الذي غادر جبل عامل عندما قتل الأتراك أستاذه زين الدين الذي أصبح يعرف بين قومه بالشهيد الثاني.
وكان الشهيد الأول شمس الدين العاملي الذي قتل في دمشق سنة 1384 م بموجب فتويين أصدرهما القاضي المالكي، والقاضي الشافعي، وكان حسين قد أخذ معه ابنه الأصغر بهاء الدين العاملي - الشيخ البهائي - وقد فاق أباه علماً وشهرة، فإنه كان فقيهاً وفيلسوفاً وعالماً في الرياضيات، وقد رفع إلى رتبة شيخ الإسلام حيث كان من ألمع الشخصيات في بلاط الشاه عباس».
بعلبك :
قال السيد الأمين : لا يعلم مبدأ التشيع في بعلبك، وكان يغلب عليها التسنن، وفي أيام الحرافشة غلب التشيع على أهلها.
وقال الشيخ المظفر : هي اليوم مع سائر قراها وضواحيها تعد من بلاد الشيعة الشهيرة بالتشيع، وشيعتها تناهز الشيعة في جبل عامل كثرة(1) غير أنها لا تضاهيها في المعارف الدينية، فإنه لا يزال في النجف الأشرف من العامليين المهاجرين لطلب العلم ما يناهز الثمانين طالباً. ولا يوجد من البلاد البعلبكية أكثر من اثنين أو ثلاثة».
جبل لبنان :
ويحده شمالاً طرابلس، وجنوباً جبل عامل، وغرباً بيروت والبحر، وشرقاً بعلبك والبقاع، ويدخل فيه كسروان وضواحي بيروت، وهي برج البراجنة، وبرج حمود، والغبيري، والشياح، ويربو عدد الشيعة في بيروت وضواحيها وكسروان على 150 ألفاً، أما عددهم في مجموع لبنان فلا يقل عن نصف مليون، ولشيعة جبل لبنان نائبان في البرلمان ولشيعة بيروت نائب واحد.
_____________________